م 6 / ف 19 موت السلطان برسباى وتولى ابنه الصغير السلطنة

أحمد صبحى منصور
2021 / 8 / 15

الحياة في ظل تطبيق الشريعة السنية عام 841
قراءة في تاريخ السلوك للمقريزى / المقريزى شاهدا على العصر
قال المقريزى في التأريخ لسنة 841
تابع شهر ذى الحجة :
استمرار الطاعون
( وفي هذا الشهر: والذى قبله فشا الموت بالطاعون في الإسكندرية، ودمياط، وفوه، ودمنهور، وما حول تلك الأعمال، فمات بها عالم كبير. وتجاوزت عدة من يموت بالإسكندرية في كل يوم مائة إنسان. )
وقت إشراف السلطان على الموت انقسم المماليك الى حزبين .
يقول المقريزى :
( وصِار العسكر في الجملة قسمين: قسم يقال عنهم أنهم قرانصة، وهم الظاهرية والناصرية والمؤيدية، وكلمتهم متفقة على طاعة الملك العزيز، وأن يكون الأمير الكبير جقمق العلاى نظام الملك، كما قرره السلطان، وأنهم لا يصعدون إلى القلعة خوفًا على أنفسهم من المماليك الأشرفية. والقسم الآخر المماليك الأشرفية سكان الطباق بالقلعة ورأيهم أن يكون الملك العزيز مستبدًا بالأمر وحده، وأعيانهم الأمير أينال شاد الشرابخاناه، والأمير يخضى باى أمير أخور ثاني، والأمير على بيه الخازندار، والأمير مغلباى الجقمقى أستادار الصحبة، والأمير قرقماس قريب السلطان. وهذه الطائفة الأشرفية مختلفة بعضها على بعض. ).
تعليق
أصبحوا قسمين :
1 ـ المماليك الكبار القدماء الذين أعتقهم من قبل الظاهر برقوق والناصر فرج والمؤيد شيخ ( الظاهرية والناصرية والمؤيدية ) ، وأطلق عليهم لقب ( القرانصة ) . وهم يعيشون خارج القلعة. ورأيهم أن تكون السلطة للأمير جقمق ، وهو مثلهم يعيش خارج القلعة .
2 ـ المماليك السلطانية الجلبان الذين يعيشون في القلعة بجانب برسباى ، والذين اشتراهم الأشرف برسباى ( الأشرفية )، وهم يريدون أن يكون السلطان الصغير مستبدا بالأمر بلا وصاية وتدخل من جقمق . وبسبب سيطرتهم على القلعة فقد كان يخشى الحزب الآخر من الصعود للقلعة . وهؤلاء المماليك في الحقيقة يريدون الاستئثار بالسلطة في وجود السلطان الصغير ، ومنهم أقارب لبرسباى مثل الأمير قرقماس . ولا يخلو الأمر من خلاف بينهم في إطار التصارع على النفوذ. وهذا يُنبىء بفتنة .
ناظر الجيش عبد الباسط بإصلاح ما بين الفريقين لاخماد الفتنة
يقول المقريزى :
( فلما إشتهر أمر هذين الطائفتين وشنعت القالة عنهما، قام عظيم الدولة القاضي زين الدين عبد الباسط في لمّ هذا الشعث، وإخماد نار الفتنة ليصلح بين الفريقين. ووافقه على ذلك الأمير أينال الشاد، فإستدعى سكان الطباق من المماليك إلى جامع القلعة، وأرسل إلى القضاة. فلما تكامل الجمع مازال بهم حتى أذعنوا إلى الحلف، فتوفى تحليفهم القاضي شرف الدين الأشقر نائب كاتب السر، على الإقامة على طاعة الملك العزيز، والإتفاق مع الأمير الكبير جقمق، وألا يتعرض أحد منهم لشر ولا فتنة، ولا يتعرضوا لأحد من الأمراء المقيمين بديار مصر، ولا إلى الأمراء المجردين ولا إلى كفلاء ممالك الشام في نفس ولا مال ولا رزق. فلما حلف الأمير أينال والأمير على بيه، والأمير تمرباى الدوادار، وعامة المماليك، حلف القاضي زين الدين عبد الباسط أن يكون مع الفريقين، ولا يباطن طائفة على الأخرى، ثم قام الجميع، وقصد القاضي زين الدين دار الأمير الكير جقمق، ومعه عدة من أعيان الأشرفية، حتى حلفه، وحلف بعده من بقى بديار مصر من الأمراء. ثم نزل بعد ذلك الأمير أينال ثم الأمير على بيه إلى الأمير الكبير جقمق، وقبل كل منهما يده، فإبتهج بهما، وبالغ في إكرامهما. وسكنت تلك الثائرة. وللّه الحمد. )
تعليق
البطولة هنا للقاضى زين الدين عبد الباسط ناظر الجيش . استدعى القُضاة الأربعة ونائب كاتب السّر ، والمماليك الأشرفية الجلبان في مسجد القلعة ، ومازال بهم حتى حلّفهم على طاعة السلطان الصغير ( الملك العزيز يوسف بن برسباى ) والاتفاق مع الأمير الكبير جقمق ، وألّا يتعرضوا لأحد ، وحلف عبد الباسط نفسه أن يكون مع الفريقين . ثم زار الأمير الكبير جقمق في بيته بالقاهرة ، ومعه أعيان المماليك الجلبان وجعله يحلف هو الآخر ، ثم كان تحليف بقية المماليك . وسكنت الفتنة .
السلطان الصغير يقوم بأول مهامه يوم عيد الأضحى
يقول المقريزى :
1 ـ ( وفي يوم الأربعاء عاشره: وهو يوم عيد النحر ، خرج الملك العزيز، فصلى صلاة العيد بجامع القلعة، وقد صعد إلى خدمته بالجامع الأمير الكبير جقمق، ومن عداه من الأمراء. ثم مشوا في الخدمة بعد الصلاة، حتى جلس على باب الستارة. وخلع على الأمير الكبير، وعلى من جرت عادته بالخلع في يوم عيد النحر. ونزلوا إلى دورهم. فقام الملك العزيز، ودخل، وذبح، ونحر الضحايا بالحوش . )
تعليق
السلطان الصغير يقوم بأول مهمة دينية في دولته الدينية العسكرية ، ينحر الذبائح يوم عيد الأضحى ، ويصلى صلاة العيد بجامع القلعة ، وفى خدمته الأمير الكبير جقمق ، ثانى رُتبة بعد السلطان . ثم يستكمل الإجراءات التالية من الخلع أو تكريم جقمق وكبار القادة .
برسباى يدخل في مرحلة احتضار طويلة مؤلمة .
يقول المقريزى :
( هذا، وقد توالت على السلطان نوب الصرع مرارًا، وتخلت قواه، حتى صار كما قيل. ولم يبق إلا نفس خافت ، ومقلة إنسانها باهت ، يرثى له الشامت مما به ، يا ويح من يرثى له الشامت. حتى مات عصر يوم السبت ثالث عشره. تغمده الله برحمته وأسكنه فسيح جنته. )
تعليق
السلطان ( السابق ) برسباى غائب عن الوعى يضربه الصرع من قوة الألم ، والمقريزى يصف حاله بين الاشفاق والشماتة . ثم مات عصر السبت 13 ذي الحجة .
مراسم التقليد الفعلى للسلطان ابن برسباى بعد موت برسباى
حمل لقب ( السلطان الملك العزيز جمال الدين أبو المحاسن يوسف ابن الأشرف برسباى) . يقول المقريزى :
( أقيم في الملك بعد أبيه، وذلك أن السلطان برسباى لما مات بادر القاضي زين الدين عبد الباسط، والأمير أينال الشاد، والأمير على بيه، والأمير تمرباى الدوادار، وقد اجتمعوا بالقلعة، وبعثوا في الحال القاضي شرف الدين الأشقر في إستدعاء الخليفة، وبعث القاضي زين الدين بعض غلمانه في طلب القضاة، فأتوا جميعًا. ودخل الأمير جوهر الزمام، فأخرج بالملك العزيز إلى باب الستارة، وأجلس هناك، وطلب الأمير الكبير جقمق وبقية الأمراء، ونزل الممالك من الطباق. فلما تكامل جمعهم، وحضر الوزير وكاتب السر، وناظر الخاص، فوض الخليفة السلطة للملك العزيز، وأفاض عليه التشريف الخليفتى، وقلده السيف ، وقد بقي لغروب الشمس نحو ساعة. وعمر السلطان يومئذ أربع عشرة سنة وسبعة أشهر، فقام من باب الستارة، وركب فرسه، ورفعت القبة والطير على رأسه، وقد حملها الأمير الكبير وسار، والكل مشاة في ركابه، حتى عبر إلى القصر، فجلس على تخت الملك وسرير السلطنة، وقبل الأمراء وغيرهم الأرض له. وقرأ العهد بالسلطنة الصاحب بدر الدين حسن بن نصر اللّه كاتب السر، فخلع على الخليفة، وعلى الأمير الكبير، وعلى كاتب السر. وخرجوا من القصر. )
تعليق
بموت السلطان قام ناظر الجيش بعقد مجلس عام في القلعة ، من الخليفة والقضاة الأربعة وكبار القادة المماليك وفى مقدمتهم جقمق الأمير الكبير ، والقضاة الأربعة ، والوزير وكاتب السّر وناظر الخاص . وجلس السلطان الصغير خلف ستارة . وأفاض الخليفة على السلطان خُلعة التشريف ، وفوّض السلطنة للصبى يوسف ( 14 سنة و 7 أشهر ) . بعدها وقف السلطان الجديد وركب فرسه ، وفوقه أعلام السلطنة ، وخلفه وفى خدمته الأمير الكبير جقمق وكبار القادة ، ودخل الى القصر ، وجلس على كرسى السلطنة ، وسجد الجميع ( بما فيهم قضاة الشرع ) أمام السلطان يقبّلون الأرض بين يديه ، وقرأ كاتب السّر العهد بالسلطنة للسلطان . وخلع السلطان على الخليفة والأمير الكبير جقمق ، وكاتب السّر .
جنازة برسباى .
قال المقريزى :
( وقد غسل السلطان الملك الأشرف برسباى وكفن، وأخرج بالجنازة من الدور إلى باب القلة فوضعت هنالك. وتقدم قاضي القضاة شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن حجر الشافعى فصلى بالناس عليها قبيل الغروب، وشيع الأمراء والمماليك وغيرهم الجنازة حتى دفنت بالتربة التى أنشأها رحمه اللّه خارج باب المحروق بالصحراء، تحت القبة. وقد إجتمع من الناس ما لا يحصيهم إلا خالقهم، سبحانه. )
تعليق
1 ـ بعد تغسيل الجثة وتكفينها خرجت جنازته ، وصلّى عليها ابن حجر العسقلانى ، وشيعوا الجنازة حتى دفنوه في قبر في مسجد أقامه في الصحراء . وشارك في تشييعه جماهير كثيرة .
2 ـ ابن حجر العسقلانى الفاسد هو الذى صلّى على برسباى . ونتذكر خبرا يخصُّ ابن حجر . يقول المقريزى :
( وفي يوم الثلاثاء سادسه: ( شوال ) : خلع على الإمام الحافظ شهاب الدين أبى الفضل أسد ابن على بن حجر، وأعيد إلى قضاء الشافعية بديار مصر، عوضاً عن قاضى القضاة علم الدين صاع البلقينى. وألزم أن يقوم لعلم الدين صالح بما حمله إلى الخزانة. هذا، وقد أظهر السلطان أنه لا يولى أحدًا من القضاة بمال، فإنه داخله وهم عظيم من كثرة تزايد الموت الوحى السريع في الناس، وموت كثير من المماليك السلطانية سكان الطباق من القلعة، وموت الكثير من خدام السلطان الطواشية، ومن جواريه وحظاياه وأولاده، فحمل إلى البلقينى من مال شهاب الدين بن حجر، لا من مال السلطان. ) . الطاعون الذى قضى على كثيرين من المماليك ، جعل برسباى يعيد ابن حجر قاضيا للقضاة بدون أن يأخذ منه رشوة ، مكتفيا بأن يدفع ابن حجر تعويضا من ماله الى قاضى القضاة المعزول ( علم الدين البلقينى ).
زيارة قبر السلطان في صباح اليوم التالى ، والتلاوة على قبره
قال المقريزى :
( وفي يوم الأحد رابع عشره: إجتمع أهل الدولة للصبحة عند قبر السلطان. وقد بات القراء يتناوبون القراءة، عند قبره ليلتهم، فختموا القرآن الكريم، ودعوا، ثم إنفض الجمع. وأقام القراء للقراءة عند القبر سبعة أيام. )
تعليق
هذا من إفك الأديان الأرضية للمحمديين ، إذ يؤمنون أن قراءة القرآن على قبر الميت تنفعه . لا يؤمنون بأنه ليس للإنسان إلا ما سعى ، وأن كتاب أعماله قد تم غلقه وقفله ، وهذا معنى الوفاة بالموت؛ توفية الموت وتوفية العمل . ولكن الكهنوت يسترزق من افك الطقوس .
رشوة المماليك ليستتب الأمن في القاهرة
قال المقريزى :
( والناس بالقاهرة في بيعهم وشرائهم بالأسواق في أمن ودعة وسكون. ونودى في القاهرة بالأمان والإطمئنان والبيع والشراء، وأن يترحموا على الملك الأشرف، والدعاء للسلطان الملك العزيز جمال الدين، أبى المحاسن ، وأن النفقة في يوم الإثنين مائة دينار، لكل واحد من المماليك، فإزداد الناس طمأنينة. ولم يكن شىء مما كان يتوقع من الشر، والحمد لله. )
السلطان الجديد يكافىء الخليفة والمماليك .
قال المقريزى
1 ـ ( وفيه عملت الخدمة السلطانية بالقصر، وحضر الأمير الكبير وسائر أهل الدولة على العادة، فزاد السلطان الخليفة جزيرة الصابونى زيادة على ما بيده. )
2 ـ ( وفيه كتبت البشائر إلى البلاد الشامية وأعمال مصر، بسلطة الملك العزيز.)
3 ـ ( وفى يوم الإثنين خامس عشره: جلس السلطان بالحوش من القلعة، وعنده الأمراء والمباشرون، وابتدئ في النفقة على المماليك، فأنفق فيهم مائة دينار لكل واحد. )
4 ـ ( وفي سادس عشره: أنفق فيمن بقى من المماليك. ).
بدء الخلاف بين خال السلطان الأمير جكم والأمير اينال شاد الشرابخاناه
قال المقريزى :
( وفي يوم السبت عشرينه: وقع بين جكم الخاصكى خال السلطان وبين الأمير أينال مفاوضة، آلت إلى شرّ . وسبب ذلك أن الكلام والتحدث فى أمور المملكة صار بين ثلاثة الأمير الكبير نظام الملك جقمق، والقاضي زين الدين عبد الباسط، والأمير أينال. ولزم السلطان السكوت، فلا يتكلم ، فأنكر جكم على أينال أمره ونهيه فيما يتعلق بأمر الدولة، وكونه أقام بالقلعة ، وصار يبيت بها، فغضب منه أينال، ونزل من القلعة إلى داره، فكان هذا ابتداء وقرع الخلف الذى آل إلى ما سيأتى ذكره، إن شاء اللّه تعالى. )
المماليك الجلبان يريدون الفتك بناظر الجيش عبد الباسط والأمير الكبير جقمق
1 ـ ( وفيه ( السبت عشرين من ذي القعدة ) تجمع كثير من المماليك تحت القلعة، وأرادوا أن يفتكوا بالقاضي زين الدين عبد الباسط ، فلما نزل من القلعة أحاطوا به، وجرت بينهم وبينه مقاولات، أغلظوا فيها عليه، ولم يقدروا على غير ذلك، وخلص منهم إلى بيته. )
2 ـ ( 29 ذي الحجة ) وفيه تجمع كثير من المماليك تحت القلعة، وأحاطوا بالأمير الكبير نظام الملك عند نزوله من الخدمة السلطانية بالقلعة إلى جهة بيته، ليوقعوا به، فتخلص منهم من غير سوء، هذا والقاضى زين الدين عبد الباسط من المماليك في عناء شديد. ) .
أخيرا
1 ـ باشر يوسف بن برسباى مهامه سلطانا في عيد الأضحى عام 841 ، ومشى في خدمته الأمير الكبير جقمق.
2 ـ بعدها بحوالي مائة يوم عزله جقمق ، وتولى السلطنة بدلا منه . يقول المقريزى عنه : ( فلما كان يوم الأربعاء تاسع عشر ربيع الأول: هذا، إستدعى الخليفة والأمراء والقضاة وجميع أرباب الدولة إلى الحراقة بالاصطبل، وأثبت عدم أهلية الملك العزيز يوسف لأنه لا يحسن التصرف، فخلعه الخليفة، وفوض السلطة للأمير نظام الملك جقمق في أخر الساعة الثانية، وتلقب بالملك الظاهر أبى سعيد، وأفيضت عليه الخلع الخليفتية، وقلد بالسيف. وركب من الحراقة، والجميع مشاة في خدمته، وقد دقت البشائر حتى صعد إلى القصر. وجلس على تخت الملك فقبل الأمراء الأرض وإنصرفوا. ونودى في القاهرة وظواهرها بالدعاء للملك الظاهر، وأن النفقة مائة دينار لكل مملوك. وسجن العزيز في بعض دور القلعة. )
3 ـ وتكررت نفس الحكاية . حين مات جقمق عهد لابنه عثمان بن جقمق بوصاية اينال ، فعزله أينال وتسلطن مكانه . وهكذا يمكرون بأنفسهم وما يشعرون .!.
4 ــ وصدق الله جل وعلا العظيم : ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (123) الانعام ) .

نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية