كيف نفهم قضية الصحراء الغربية؟

حمدي حمودي
2021 / 8 / 13

تعتبر قضية الصحراء الغربية من أبسط القضايا القانونية حيث أنها قضية واضحة المعالم في القانون الدولي فهي مدرجة كقضية تصفية استعمار، وهذا للمتتبع البسيط الذي يفكر بكل بساطة يعرف أن هناك أرض مملوكة وهناك من يستعمرها ويجب تصفية وجوده منها بحكم الجمعية العامة للأمم المتحدة التي أقرت لا حبا للصحراويين وتملقا لهم أو خوفا منهم أو طمعا فيهم ولا نكالا بالإسبان والمغاربة والموريتانيين الذين ادعى كل واحد أحقيته فيها بل درست القضية وأقرت محكمة لاهاي أن الشعب الصحراوي مالك الصحراء الغربية هو من يحق له ملك أرضه وليقل كلمته التي يجب أن تكون بكل حرية وشفافية وديمقراطية وعن طريق الصناديق وبشهود الاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة.
غير أن ذلك كانت نتيجته مضمونة وهي استقلال الصحراء الغربية التي شعبها قليل العدد وخيراته كثيرة وليس الشعب الصحراوي بأعمى ولا غبي ولا أحمق في أن يختار من يكون تابعا لغيره.
بل خرج ككل الشعوب على المستعمر الإسباني بمظاهرات سلمية من أجل نيل حريته واستقلاله والتمتع بثرواته وطبعا سيتقاسم المصالح مع جيرانه الذين من بينهم إسبانيا.
لكن كما كل المستعمرين نكلوا بالشعب الصحراوي وأطلقوا عليه الرصاص جهارا نهارا 1970 وزجوا في السجون بأبنائه وكان مصير قائد الانتفاضة المفقود الى اليوم محمد أبراهيم بصيري في عنق الدولة الإسبانية.
وبناء على استنتاجات الشعب الصحراوي ورؤيته لمستقبله كي لا يظل تحت نير الاستعمار الإسباني رفض الخنوع وبما أن الشرائع الدولية تقر بحق الشعوب بالكفاح المسلح حين يتعنت المستعمر فقد أنشأ الشعب الصحراوي جبهة شعبية من أجل تحرير الصحراء الغربية وهي الأرض التي كانت تسمى سابقا “الصحراء الإسبانية” وتاريخيا بالساقية الحمراء ووادي الذهب.
تلك حركة التحرير من أبناء الشعب الصحراوي هي من أعلنت الكفاح المسلح بعد ثلاث سنوات على حادثة 1970 حيث انخرط أغلب الشعب الصحراوي في تأييدها طمعا في الحرية والاستقلال تلك التي تسمى “الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب” والتي سميت بالإسبانية جبهة البوليساريو.
جابهت البوليساريو “الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب” المستعمر الإسباني ليس بالسلام الذي لم يحرك فيه شعرة بل بالكفاح المسلح
لم يأت أي موريتاني لنصرة الشعب الصحراوي، ولا أي مغربي، ولا عربي، بل بنادق المقاتلين الصحراويين الذين شقوا عصا الطاعة من الجيش الإسباني الذي كان كثير منهم جنودا وضباطا والتحقوا بجبهات القتال والتحم الشعب الصحراوي بكل أطيافه رجالا ونساء وأطفالا حول الجبهة من اجل طرد المستعمر الإسباني.
حاول الاستعمار وصف المقاتلين المجاهدين بالعصابات والمتمردين والخارجين عن القانون كما هي عادة المستعمر، ولكن بدأت الهزائم العسكرية وبدأ التململ في الجنود وحتى أسرِهم ومقايضتهم مع الثوار في سجونه.
لم تكن المنطقة بشعبها الصغير المجاهد وثرواتها الهائلة، خاصة سواحلها التي تعتبر من أغنى سواحل العالم واكتشاف الفوسفات ذي الاحتياط الضخم والثروات المعدنية المتنوعة ببعيد عن عيون العالم المتوحش الشره.
تمت من وراء الدهاليز اتفاقية مدريد التي بموجبها اتفقت إسبانيا والمغرب وموريتانيا على تقاسم الكعكة التي بموجبها تتخلى إسبانيا عن الإقليم مقابل مصالح مع كلاهما ولم يكن يمكن ذلك طبعا إلا بمباركة أمريكية وفرنسية.
كان المغرب وموريتانيا البديل الذي سيمسك السكين لذبح الشعب الصحراوي نيابة عن إسبانيا التي تحت الضغط العسكري المتصاعد لجبهة البوليساريو والمنتظم الدولي مدانة أيما إدانة.
ظلت إسبانيا في اتصال مع جبهة البوليساريو من خلال قنوات تؤكد أنها ستقم بالاستفتاء وقامت بإحصاء الشعب الصحراوي 1974 ولكن في الخفاء كان الخائن الحسن الثاني يعد العدة و ينسج خيوط المؤامرة ضد الشعب الجار.
وبدل أن يساعد الجاران الشعب الصحراوي في بناء دولته التي سيكون أول مستفيد منها هم الجيران والمغرب العربي اختاروا العمالة والخنوع والرضوخ للمؤامرة وجند الحسن الثاني مئات الآلاف من جياع المغرب وحتى السجناء وجيّش شعبه ضد من؟ ضد الشعب الصحراوي وقال كلمته المشهورة “إذا وجدتم الإسبان فتقاسموا معهم الزاد وإذا وجدتم غيرهم يعني الشعب الصحراوي فاقتلوهم ” ولما سأله الصحفي عن جبهة البوليساريو إذا منعوكم من دخول وطنهم رد ” سنأكلهم”.
سنوات طويلة من الحرب الضروس أخرجت المستعمر الإسباني واليوم كل مدن إسبانيا تقف مع الدولة الصحراوية ومع الشعب الصحراوي والجمهورية الإسلامية الموريتانية تعترف بالدولة الصحراوية التي هي عضو مؤسس للاتحاد الإفريقي ويربط الشعبان بعلاقات ووشائج أقوى من المصالح والمنافع المادية والسياسية ويحضن كلا الشعبين بعضهما.
وكان الثمن غاليا دفعه المغاربة الأبرياء عشرات الآلاف من الجنود وضباط الصف والضباط المغاربة كانت تأكلهم رمال الصحراء دون دفن أو يدفنهم الضباط بعد كل معركة في مدافن جماعية بالبلدوزر كجيف الحيوانات الموبوءة.
مئات إن لم نقل الآلاف من الأسرى المغاربة عند الجيش الصحراوي بعضهم أفرجته عنه الدولة الصحراوية لكبر سنه ولم يعترف بهم الحسن الثاني الذي كانوا يدافعون عن حماقاته في الصحراء الغربية.
مئات المعطوبين والجرحى واليتامى والثكالى كانت نتيجة الحرب في الصحراء الغربية من أجل أن يبعد الملك الجيش المغربي بعد سلسلة انقلابات الى حرب الصحراء الظالمة ويلهي الشعب المغربي الضحية هو أيضا عن الواقع المر الاقتصادي والاجتماعي والسياسي.
لم تكن الحرب متكافئة نتيجة روح الشهادة والقتالية التي يتمتع بها صاحب الحق الكثير من المعدات التي يقتنيها المقاتل الصحراوي كانت من غنائم الحرب من الجيش المغربي
كان الصحراويون كاليوم بالذات يتسابقون للشهادة وللتضحية والفداء ولسان حالهم نحن نواجه ظالم وصائل نموت أحرارا أو نلق الله شهداء.
المال الخليجي والسعودي بالذات آلاف ملايين الدولارات كانت الاستثمارات السريعة للمال السعودي الذي عاهد عليه الحسن الثاني ملك السعودية أنه مجرد استثمار، سيرده في حالة استواء الطبخة ويموت الاثنان بعد توقيع الملك على تقرير مصير الشعب الصحراوي بعد انكسار شوكته وتخلى كل العرب والعالم عنه وقناعته أن الصحراويين لن يتخلوا عن أرضهم أبدا.
اليوم نقف عند حماقة جديدة حافة دعم عربي في زمن ضعف الحاكم العربي واستسلامه للصهاينة وبيع حتى الحاكم الفلسطيني لشعبه ولقضيته.
الشعب الصحراوي اليوم ليس هو الأمس أبدا، تغطي على حقه الدعايات المغرضة التي كانت توصم جبهته البطلة المجاهدة التي أخرجت المستعمر الإسباني البوليساريو وصمة عار وأننا مجرد كوبيين وفنزويليين وغيره.
اليوم الشعب الصحراوي موجود وفي كل مكان والأهم أنه أكثر عزيمة وكل رجاله مقاتلين عند حزام الذل والعار المغربي يقصفون بالصواريخ التي أصواتها تصم العالم في مجلس الأمن في نيويورك، على بعد عشرات الآلاف من الكيلومترات، في حين يدعي ملك المغرب ان اذنه الكبيرة التي تسمع دبيب النمل وآلات خياطة العلم الوطني في داخل بيوت المناضلين في المدن المحتلة لا تسمعها!.
الموقف العربي ضد الشعب الصحراوي ليس بجديد وكان أكثر قوة حين مد بالسلاح والمال بسخاء الحسن الثاني وكان قويا يوم كانت اللحمة العربية مع فلسطين ولما كانت هناك جامعة عربية موحدة أما لما صار العرب مجرد عراة أمام العالم فلا يشرفنا دعمهم.
القضية الصحراوية لا تحتاج إلى من يدافع عنها منهم ، أحرار العالم والشعوب الحرة هي التي ظلت ترافع، من هواري بومدين الى نلسون مانديلا وفيدل كاسترو الى الشعب الجزائري النبيل والشعوب الأوروبية الحرة وشعوب أمريكا اللاتينية وشعوب إفريقيا وليست دويلات الأنظمة التي رواتب موظفوها تأتي من الإليزيه وتقتات على صفقات العار وتبيع مبادئها.
القضية الصحراوية اليوم صوت البندقية هو أقوى الأصوات عندها والأهم من البندقية اليد التي تمتشقها والقلب الشجاع عند الرجل الصحراوي.

حوار مع الكاتب السوري ياسين الحاج صالح حول سوريا واليسار والاسلام السياسي في العالم اليوم
طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا