م 5 / ف 19 : ظروف ومراسم عهد السلطان برسباى لابنه ولاية العهد عام 841

أحمد صبحى منصور
2021 / 8 / 13

الحياة في ظل تطبيق الشريعة السنية:
قراءة في تاريخ السلوك للمقريزى / المقريزى شاهدا على العصر
قال المقريزى في التأريخ لسنة 841
تابع شهر ذى القعدة
مراسيم عقد ولاية العهد لابن السلطان
يقول المقريزى :
1 ـ ( وأصبح الجماعة في يوم الثلاثاء رابعه وهم بالقلعة، فأخرج السلطان إلى موضع يشرف على الحوش، وقد وقف به الأمير خشقدم الطواشى مقدم المماليك، ومعه جميع من بقى من المماليك السلطانية سكان الطباق بالقلعة، وجميع من هو أسفل القلعة، من المشتروات والمستخدمين.) .
تعليق
وصل الضعف بالسلطان برسباى أنه عجز عن الوقوف بنفسه، أوقفه مقدم المماليك ليرى من نجا من الطاعون من مماليكه (السلطانية ) الذين إشتراهم، وغيرهم من الموظفين في القلعة .
2 ـ ( وجلس الخليفة أمير المؤمنين المعتضد باللّه أبو الفتح داود، وقضاة القضاة الأربع على مراتبهم، والأمير الكبير جقمق العلائى أتابك العساكر، ومن تأخر من أمراء الألوف والمباشرون، ماعدا كاتب السر فإنه شديد المرض. ).
تعليق
تصدر الجلسة في عقد تولية السلطان لابنه أكابر المجرمين من الجناح المدنى : الخليفة العباسى وقضاة القضاة ( على مراتبهم ) أي يتقدمهم قاضى قضاة الشافعية ( إبن حجر العسقلانى ) ، وأكابر المجرمين من العسكر يتقدمهم الأتابك ( قائد الجيش ) الأمير جقمق العلائى . هذا بالإضافة الى برسباى ، وإبنه الصبى جمال الدين أبو المحاسن يوسف ، المراد تنصيبه سلطانا بعد أبيه .
3 ـ ( ثم قام القاضى زين الدين عبد الباسط وفتح باب الكلام في عهد السلطان من بعد وفاته لإبنه المقام الجمالى بالسلطنة، وقد حضر أيضًا مع أبيه، فاستحسن الخليفة ذلك وأشار به. ).
تعليق
تكلم القاضي عبد الباسط بالمطلوب ، وهو تولية ابن السلطان العهد بعد أبيه ، فإستحسن الخليفة العباسى هذا . وكانت مهمة الخليفة العباسى في الدولة المملوكية أن يكون ( الماذون ) الذى يعقد قران السلطان على السلطنة ، يعطيه شرعية دينية سُنّيّة .
4 ـ ( فتقدم القاضى شرف الدين الأشقر بالعهد إلى بين يدى السلطان، فأشهد السلطان على نفسه بأنه عهد إلى ولده الملك العزيز جمال الدين أبى المحاسن يوسف من بعد وفاته بالسلطنة، فأمضى الخليفة العهد، وشهد بذلك القضاة.) .
تعليق
القاضي شرف الدين الأشقر هو نائب كاتب السّر ( سكرتير السلطان ) وهو الذى كتب العقد ، وهو الذى قدّم العقد للسلطان برسباى في المجلس فأشهد السلطان على نفسه بأن يكون إبنه ( العزيز جمال الدين أبى المحاسن يوسف ) هو السلطان بعد وفاته . وقدم القاضي شرف الدين الأشقر العهد للخليفة العباسى فقام الخليفة بإمضائه والتوقيع عليه ، ووقّع القضاة الأربعة بشهادتهم على العقد . بهذا تمّت تولية الصبى ( العزيز جمال الدين أبى المحاسن يوسف ) ولاية العهد ، أي سيكون سلطانا بمجرد وفاة أبيه . ونرى هنا البطولة المطلقة لأكابر المجرمين من رجال الدين ، الخليفة والقضاة في المناصب الدينية والديوانية ، هم الذين يقومون بتولية السلطان المملوكى . وهى دولة دينية عسكرية ، وليست دولة عسكرية دينية .
5 ـ ( ثم إن السلطان التفت إلى مقدم المماليك وكلمه بالتركية ــ والمماليك تسمعه ــ كلاما طويلا ليبلغه عنه إلى المماليك، حاصله أنه إشتراهم ورباهم، وأنهم أفسدوا فسادًا كبيرًا، عدّد فيه ذنوبهم، وأنه تغيّر من ذلك عليهم ، ومازال يدعو اللّه عليهم حتى هلك منهم من هلك في طاعون سنة ثلاث وثلاثين، ثم إنه إشترى بعدهم طوائف ورباهم، فشرعوا أيضًا في الفساد، كما فعل أولئك الهالكون بدعائه، وأنه قد وقع فيكم الطاعون فمات منكم من مات، وقد عفوت عنكم، وأنا ذاهب إلى اللّه وتارك ولدى هذا وهو وديعتي عندكم، وقد إستخلفته عليكم، فإدعوا له وأطيعوه، ولا تختلفوا، فيدخل بينكم غيركم فتهلكوا. وأوصاهم ألا يغيروا على أحد من الأمراء وأن يبقوا الأمراء المجردين على أمرياتهم، ولا يغيروا نواب الممالك. فإشتد عند ذلك بكاؤهم، وبكى الحاضرون أيضاً ، ثم أقسم السلطان وأعيد إلى فراشه، وقد كتب الخليفة بإمضاء عهد السلطان، وشهد عليه فيه القضاة بذلك.)
تعليق
1 : الدهاء لم يفارق برسباى في مرضه ، فهو يعرف أن أكابر المجرمين العسكر هم الذين يملكون عمليا وفعليا ( الحلّ والعقد ) وأن ما قام به أكابر المجرمين من رجال الدين هو مجرد تمثيلية، تنجح فقط إذا إرتضاها كبار المماليك. الواقع إنهم سيتصارعون بعد موته لأنهم لا يقبلون أن يحكمهم صبى لمجرد أنه إبن سلطانهم ، فهم الأحق بالسلطة منه ، فالحكم للأقوى ، والصراع بينهم هو الذى سيحدد من هو الأقوى ، وهو الذى سيتولى السلطنة ، وقد حدث هذا بالفعل ، إذ فاز الأتابك جقمق وعزل الصبى ولى العهد ، وجىء بالخليفة والقضاة ليقوموا بنفس التمثيلية بلا أدنى خجل .!
2 : لذا خاطب برسباى المماليك بلسانهم التركى ، خطابا دينيا مؤثرا ، ذكّر مماليكه الجلبان السلطانية أنه إشتراهم ورباهم، وأنهم أفسدوا فسادًا كبيرًا، وعدّد فيه ذنويهم، وأنه دعا عليهم فأصابهم الطاعون عام 833 ، وإشترى غيرهم ( مماليك جلبانا أيضا ) فأفسدوا أيضا فدعا عليهم فوقع فيهم الطاعون أيضا ، وخاطبهم خطابا عاطفيا بأنه عفا عنهم : ( وقد عفوت عنكم، وأنا ذاهب إلى اللّه وتارك ولدى هذا وهو وديعتي عندكم، وقد إستخلفته عليكم، فإدعوا له وأطيعوه..) جعل برسباى نفسه وليا مقدّسا مستجاب الدعوة ، وأن الطاعون حدث بدعائه على مماليكه المجرمين . واسفر خطابه هذا على بكائهم ، وهو بكاء سياسى ، يتلاعبون فيه بالسلطان الذى يوشك على الموت ، ولكن لا يزال يملك شرعية قتل من يشاء منهم بمجرد كلمة ينطقها . نعرف من هذا أن الأخبار تأتى طازجة للمقريزى ، حتى ما كان منها ترجمة لكلام برسباى بالتركية .
6 ـ ( ثم كتب القاضى شرف الدين الأشقر إشهادًا على السلطان بأنه جعل الأمير الكبير جقمق العلاى قائما بتدبير أمور الملك العزيز، وأخذ فيه خط الخليفة بالإمضاء، وشهادة القضاة عليه بذلك، فألصقه بالعهد، وإنفضوا جميعهم.) . الخطوة التالية قام بها القاضي شرف الدين الأشقر وهو تعيين الأتابك ( الأمير الكبير جقمق العلاى قائما بتدبير أمور الملك العزيز).
تعليق
1 ـ وقّع على القرار الخليفة والقضاة ، وتم إلصاقه بالعهد .
2 ـ تعيين الأتابك قائد الجيش قائما بتدبير الأمور ، يعنى إنه الذى سيعزل ـ فيما بعدُ ــ السلطان الصغير ويتولى مكانه . وهذا ما حدث .
7 ـ ( وفي هذا اليوم: أنفق في المماليك السلطانية كل واحد مبلغ ثلاثين دينارا، فكانت جملتها مائة وعشرون ألف دينار. ).
تعليق
ثم كانت رشوة من ظل حيا من المماليك السلطانية إتّقاء شرّهم .
8 ـ (وفيه خلع على تغرى بردى ، أحد أتباع التاج الشويكى ، وإستقر في ولاية القاهرة، عوضًا عن عمر بن سيفا أخى التاج ، فإنه مرض بالطاعون ، من آخر نهار الجمعة. )
تعليق
مات بالطعون أحد أكابر المجرمين ، وهو عمر أخ تاج الدين ، وقد كان مشهورا بالفساد . وتولى مكانه أحد أتباعه الذى كان بالطبع مشاركا له في الفساد . الطاعون يلتهمهم وهم لا يتوبون ولا يتذكرون ، شأن ما يحدث الآن تحت قصف كورونا ، ولا يعتبر أكابر المجرمين في كوكب المحمديين .
9 ـ ( وفي يوم الجمعة سادسه: إستدعى الصاحب بدر الدين حسن بن نصر اللّه إلى القلعة. فلما مثل بين يدى مولانا السلطان أمر به، فخلع عليه، وإستقر به في كتابة السر، عوضًا عن ولده صلاح الدين محمد، وقد توفي. فنزل في موكب جليل على فرس رائع بقماش ذهب، أخرج له من الاصطبل السلطانى. وخلع معه أيضاً على نور الدين على بن السويفي، وإستقر في حسبة القاهرة، عوضًا عن دولت خجا، وقد مات في أول الشهر .).
تعليق
1 ـ برسباى لا يزال يمارس سلطاته رغم مرضه وتولية إبنه العهد .
2 ـ الطاعون لا يزال يتخطف أكابر المجرمين .
10 ـ ثم أسقط المرض برسباى . يقول المقريزى :
( ومن يوم السبت خامس عشرة: إشتد مرض السلطان، ثم حجب عن الناس، فلم يدخل إليه أحد من الأمراء والمباشرين عدة أيام، سوى الأمير أينال شاد الشربخاناه، والأمير على بيه، والأمير صفى الدين جوهر الخازندار، والأمير جوهر الزمام. فإذا صعد القاضى زين الدين عبد الباسط والمباشرون إلى القلعة، أعلمهم هؤلاء بحال السلطان. هذا، والإرجاف يقوى، والأمراء والمماليك السلطانية في حركة، وقد صاروا فرقًا مختلفة الآراء. والناس على تخوف من وقوع الحرب، وقد وزعوا في دورهم، وأخفى أهل الدولة أولادهم ونساءهم خوفًا من النهب، وأهل النواحى بالصعيد والوجه البحرى قد نجم النفاق فيهم، وخيفت السبل، شامًا ومصراً. وقد تناقصت عدة الأموات بالقاهرة ومصر منذ أهل هذا الشهر، كما تقدم. ) .
تعليق
1 : تغير الموقف حين منعت شدة المرض برسباى من الظهور للناس ، فإحتجب عن مقابلة أكابر المجرمين في دولته ، أحاط به أربعة من خواصّه ، من أكابر المجرمين ، ومنعوا القاضي عبد الباسط من الدخول عليه ، فإنتشرت الشائعات ، وبدأ المماليك في التحزّب كالعادة ، وتكوين مراكز قوى توطئة لصراع قادم ، يكون فيه السلطان الصغير إبن برسباى مجرد فترة إنتقالية ، حتى ينتصر الأقوى من المماليك ويتولى السلطنة مكانه . وهذا الصراع سيكون من ضحاياه أكابر المجرمين من الجناح المدنى ، لذا تحسبوا للأمر مقدما فأخفوا أولادهم ونساءهم خوف الإغتصاب ، وأخفوا أموالهم خوف السلب والنهب . والقائمون بالسلب والنهب والإغتصاب هم المماليك السلطانية ، وغيرهم أيضا ، فالوليمة حافلة ، والذئاب كثيرون .
2 : إذا كان هذا هو الحال عن صرعى الطاعون والانهيار الأمني في القاهرة ، فالوضع خارجها أفظع وأضل سبيلا ، ولكنها بعيدة عن مسامع المؤرخين ، ومنهم شيخنا المقريزى ، فقال كلاما عامّا فضفاضا : ( وأهل النواحى بالصعيد والوجه البحرى قد نجم النفاق فيهم، وخيفت السبل، شامًا ومصراً ).!
شهر ذى الحجة، أهل بيوم الإثنين:
يصف المقريزى أحوال الناس في مصر وغيرها ، فيقول :
( والناس بديار مصر من قلة الخدم في عناء وجهد، فإنه مات بالقاهرة ومصر وما بينهما في مدة شهر رمضان وشوال وذى القعدة زيادة على مائة ألف إنسان، معظمهم الأطفال، وأكثر الأطفال البنات، ويلي الأطفال في كثرة من مات الرقيق، وأكثر من مات من الرقيق الإماء، بحيث كادت الدور أن تخلو من الأطفال والإماء والعبيد. وكذلك جميع بلاد الشام بأسرها. )
تعليق
1 ـ هنا أكثر من 100 الف ضحية للطاعون في القاهرة وضواحيها ، أما في كل أنحاء مصر فلا تعداد لهم ، ولا وزن لهم أيضا . ونفس الحال في جميع بلاد الشام بأسرها ، ومعظم الضحايا من الأطفال والرقيق ، خصوصا البنات ، بحيث كادت تخلو البيوت منهم ومنهن .
وعن تطور مرض برسباى يقول : ( وأما السلطان فحدث له مع سقوط شهوة الغذاء مدة أشهر، ومع إنحطاط قواه ماليخوليا ، فكثر هذيانه وتخليطه، ولولا أن اللّه تعالى أضعف قوته لما كان يؤمن مع ذلك من إفساد شىء كثير بيده، إلا أنه في أكثر الأوقات غائب، فإذا أفاق هذى وخلط. ) .
تعليق
1 : دخل برسباى في الإغماء والهذيان بسبب شدة آلامه وإستمرارها . ومع تفاقم حالته وهذيانه صار ابنه هو السلطان الفعلى ، كما سيظهر في الأحداث التالية .
2 : ويكتب المقريزى تعليقا مؤلما وظريفا أيضا ، يقول : ( ولولا أن اللّه تعالى أضعف قوته لما كان يؤمن مع ذلك من إفساد شىء كثير بيده، ) غيابه العقلى وهذيانه كفّه عن الظلم والفساد ، لأنّه وهو حاضر الذهن يتفنّن في الظلم والفساد . هو الان إما في غيبوبة أو في هلوسة وهذيان .( ماليخوليا ).! المرض فقط هو الذى يمنعه من الظلم ، وهو مع ذلك يجعلونه سلطان الإسلام .!!
3 ـ مراعاة لحال المستضعفين المظلومين والمساجين الأبرياء الذين يتعرضون للتعذيب في عصرنا البائس ، نقول :
3 / 1 : متى يحلُّ المرض العضال بأكابر المجرمين ؟!!
3 / 2 : ماذا لو أصابهم شلل رعّاش يجعلهم عبرة لمن يخشى ؟!!
3 / 3 : أين كورونا ..!!؟

نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية