شاعر وقصيدة// الشاعر المغربي د. محمد غرافي

ريتا عودة
2021 / 8 / 11

شاعر وقصيدة
الشاعر المغربي د. محمد ميلود غرافي//بروفيسور في الأدب العربي المعاصر في جامعة ليون، فرنسا
Mohamed Miloud Gharrafi

1. مسامير

أسند رأسي إلى الحائطْ
تمرّ العرباتُ مثقلةً
بالفراغ
يمرُّ عساكرُ بنياشينَ باليةٍ
يدُقّون مساميرَ
في الحائطْ
يعلّقون عليها
تذكارَ نصْرٍ
في حرب قديمةْ
ويُسرعون إلى
مُدرّعةٍ في الطريق.

أسندُ رأسي إلى الحائطِ المجاور
تمرّ العرباتُ مُثقَلةً
بالأناشيدْ
يتبعُها نفسُ العساكر
ويدقّون مساميرَ في رأسي
ويهتفون :
المجدُ للشهداءْ.

*
*
*

2. أشمُّ عطورك...

أشمُّ عطوركٍ الباتْشولي
في العلبةِ الخشبِ
أشمّها الآنَ
مخطوفا بذكراكِ
منسيّاً ومقصيّاً
مُنكّس الراياتْ
غارقاً في غمّازتيْكِ
أشمُّها تعبانَ مبتلّاً
بماءِ الزهرِ
محموماً
وبردانَ
سوفَ أفُضُّها
لا رفقَ
ولتُدْمَ القواريرُ!

*
*
*

3."إنّ الملوكَ وساسةَ الدينِ والدنيا حتّى وإنْ لَمَسوا خَرْيَةً
أفْسدوها".
محمد التغاسْروتي اليزْناسْني.

هذا الطريقُ الزفْتُ
صوتُ المذيعِ
ونشرةُ الأحْبارِ
السياسةُ
الراياتُ
والشعراءُ
وهذهِ الدنيا
كُلٌّ خرابُ
فأضغطُ ما استطعتُ
على دَوّاسةِ الرّونو
وأرى عقْربَ العدّادِ يلدَغُ
الرقمَ الذي في الهاويةْ
والطريقَ كأنهُ
خطُّ الفراغِ
فيستقيمُ كلُّ سرابهِ
في مُطْلَقٍ
يمْحو الفراملَ
والرمالَ
وحائطَ المَبْكى
وكعبةَ طائفٍ
والصليبَ
والذاكرةْ.

إنّ المُلوكَ...

م.غ. رين. اليومَ... وغداً.

*
*
*

4.

النص كُتب سنة 1988، كنت آنذاك طالبا في السنة الثانية أدب عربي، وسنة أولى حقوق.

طفولة وقرار
إلى الصغير. ع.*

الدفترُ يطفو فول الماءْ
وأنامل عظميةْ لا تقوى على رسم الباءْ
وفي الركن الخلفيِّ لمقهى ملغومةْ
يندس الطفل صلاحْ
في عمْر النطفةْ
يغسل بعض الأقداحِ
يجفف أكواباً تصْطكُّ بآهات ِالناس
وينفث دمعهُ لمّا
تصعدُ دقّأتٌ من قاعِ الكأسِ
وتشّابكُ أفكارٌ في الرأسِ
بيُبْس البطنِ
وصيحاتِ الدرسْ.
كان صلاحٌ بالأمسْ
يحفرُ في صمتهِ أنشودةْ
ويخطّ على الجدرانِ شُعاعَ الشمسْ
والآنَ الدفترُ يطفو فوق الماءْ
وأناملُ عظميةْ
لا تقوى على رسم الباءْ...
باع صلاح أوراقهْ
فانسابتْ ما بين الفوّالِ
وأقراصٍ للداءْ.
كان صلاحُ يُغازلُ لوحتهُ الخشبيةْ
يغمس في فمه الأصبعْ
يمحو بالكُمّ سواداً
يرسمُ زهرةْ
حين امتدّ إليه قرارٌ
ثم أزاحهْ.
الألف الرابضُ خلفَ الطبشورةْ
كالمتراسْ
ينشقّ إلى بٌنديْنْ
والصادُ صفيرُ وزارةْ
لكن الأنفاسْ
كانتْ في حلقِ صلاحٍ أقوى
ثم ركضْ.
واللام اللامْ
منه الطاعةُ والإرغامْ :
"لا تضحكْ
لا تكتبْ إسمكَ
لاتتعلّمْ فكّ الإدغامْ..."
فاللامُ اللامْ صارَ عَصا
لكنّ صلاحاً حينَ عَصى
كان الألفُ المائلْ
يغرسُ في رأس صلاحٍ رُمحهْ
وها هو ذا الحاءْ
أخيرا جاءَ
يُنحْنحُ في كلّ الأرجاءْ
يتلو سورة "إصلاحٍ"
ومَحا
من قائمة الأسماءْ
الرقمَ صلاحٍ
والمنحةْ.

غرافي محمد. بركان. 21 مارس 1988.

* الصغير ع. صار كبيرا الآن. لديه صغيرتان. ويمشي في بيروت مرفوع الهامة كالألف.
*
*
*
5.

غرفةٌ

هل تَذْكرينَ
أوّلَ غُرفةٍ ؟

كان بها كرسيٌّ
و طاولةٌ فقط
أيْ كلُّ ما يكفي
ليَغارَ منْ لوحاتِنا
فانْ غوغ.

باريس، 2005

*
*
*
6.

أنتِ لا تَطبَخينٰ
أنتِ فقط تُراكمينَ اشياءَ فوْقَ النار
تُفرِغينَ المَعْدَنوسَ فوق الزبيبْ
والبهاراتِ جميعَها فوق لحمِ الدجاج
ولا تُقطّعينَ الباذنجانَ والجَزَرَ
إلى شَرائحَ
ولا الثومَ إلى حُبَيباتٍ
وتُسرعينَ إلى أفلامٍ مُدْبْلَجةٍ
قبلَ أنْ يغور الزيتُ
في أَقاصي اللحمْ

انتِ صراحةً لا تطبخينْ

الطبخُ قصيدةٌ
تَرْتَجُّ
أوّلُها انْ تُصيبَكِ رعشةُ الرغبةِ القُصوى
فتبحثينَ في قلقٍ
كَمُجرمةٍ
عنْ سكاكينَ
وفجأةً تَهدئينَ
و تُقشّرينَ بَصَلَةً
ثمّ تبكينَ على لحظاتِ العشقِ التي
ضيّعتِها
وأنتِ تُراهنينَ على
زَوْجٍ لا يُحبُّ الكُسكُسَ
وثانيها انْ يكونَ وقْعُ النار
أخفَّّ من وقْعِ قافيةٍ
على الايقاع
و أناملُكِ الرشيقةْ
أَرَقَّ على الخُضارِ
مِنها على القيثارْ
وثالثُها أنْ تَشُدّي البياض
مثْل راقصةٍ
حوْلَ خصركِ
كيْ يَليقَ بكِ
أصْفَرُ الزعفرانْ
ورابعُها الأحاسيسُ :
أغمضي عينيكِ
ودعي اللسانَ يُحدِّدُ الباقي
قد يكونُ المِلحُ جاوَزَ حَدّهُ
والزنْجبيلُ أخَفَّ
منْ نكهةِ الكَمًّونْ
وخامسُها أنْ تشعُر ي بالذنبْ
كُلّما غيضَ الماءُ
تحتَ نُعومةِ الفاصولْيا
كمُوَشَّحٍ سقطتْ من تحْتِهِ الأقفالُ
وسادسُها أنْ تفتحي الشباكْ
كيْ تُحلّقَ نكهةُ الطاجينِ بينَ عِمارتينْ
في مَمَرِّ هِلْسِنْكي
ويموتَ غيْظاً آكِلو المَقَرونْ
وسابعُها الرِّفْقُ بي :
لا تُلِحّي أنْ أذوقَ
منْ طيّباتِ ما صنعَتْ يداك
وأنا أُلَبّي نِداءَ قصيدةٍ
نزلتْ عليّ
كسورةِ المائدةْ.

ليون _ رين ١٧ سبتمبر ٢٠١٩
*
*
*
7.

أجراس.

الأجراسُ تدُقُّ
لاشكّ اللحظةَ عيدٌ
فلْيحتفلوا
ويُصلّوا للرّبِّ
سأغادرُ كاتانيا مهزوماً
كابن أغالبةٍ
وسأسمع دوماً
أجراسَ صِقلّيّاتٍ
في القلبِ تدقُّ...تدُقُّ.

كاتانيا. الآن.
2016
*
*
*
8.
التنّورةٌ الذهبُ

لٍيسْرِقِ الشعراءُ
ضوءَ النجومِ الخمْسِ
أو ناراً
يُسمّونَها الحِكمةْ
ولْيَقيسوا المسافةَ بينَ الشِّعْرِ
والخاصرةْ
أمٌا أنا
فإنّي سرقتُ التنورةَ الحمراءَ
التي أهديتُكِ
في ليلةِ الميلادْ.
كانَ بيني
وبينَ زنزانةِ
٣٦ شارع صائغي الذهبْ
ذاك المساءْ
مسافةَ إصبُعينِ
يُسبّحان
ما بين أعلى الركبتينِ
وأسفل التنورة الحمراءْ.

هذا هو الشّعْرُ.

رين. ٢٠١٥

*
*
*
9.
أَكْريليكْ عَلى حائِطٍ أبيَض

الحجْرُ فتّاكٌ
إذا أنتَ لمْ تَصْبَغِ البيْتَ
بأبيضِ الساتانْ
وتغْرِزِ المسمارَ
في سقفٍ مُمِلٍّ
أوْ تكنِسِ الدُّنيا
وأنتَ تُقّشّرُ الحيطانْ
مَرِّغِ الفُرشاةَ
في سَيْلِ الكَمَنْجاتْ
واغمِضْ معَ السِّتِّ
عينيْكَ الهَوى غَلّابْ
وارْخِ الأصابِعَ :
لمسةٌ تَكْفي أوْ لمستانْ
خفيفتانِ
(كما يحبُّ الصدْرُ والنّهدانْ)
وابْدأْ منَ الأعْلى
فلِلْأسفلِ القَطَراتُ الّتي
مِنْ دِهانْ
وارْجعْ خُطوَةً
بلْ نشْوتَيْنِ إلى الوراءِ
وانظرْ ما صنعْتَ
وحاذِرِ الظلَّ ممدوداً
على أوهامِهِ
فالظلُّ ظِلُّكَ
والبياضُ لهُ
غَلْطَتانْ : صَفاؤُهُ والصمْتُ
لا تخْدِشْ بذِكرى الحبيبةِ
غيمَهُ
سَلّمْ على أصْحابهِ
وعَدُوِّهِ ذاكَ الّذي يَمْضي بِأُذْنِهِ
في يديْهِ
إلى شُموسٍ
في حُقولِ القمْحِ يَصْرُخُ دامِياً :
"ها أنا أيُّها الغِرْبانْ !"
الآنَ فقطْ صَبَغْتُ.

*
*
*
10.

قصائد إلقاء الشاعر

https://youtu.be/NSuWZDI_NnE

عصام الخفاجي مناضل واكاديمي وباحث يساري في حوار حول دور وافاق اليسار والديمقراطية في العالم العربي
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي