أزمة الذات العربية بين الأوراسية والأطلسية

حاتم الجوهرى
2021 / 8 / 10

في خضم انشغالي بملف صفقة القرن والربط الذي قام به ترامب بينها وبين ملف سد النهضة، كنت أتابع جيدا موقف القوى الدولية، كانت الصين مشغولة بمعركتها التجارية والإعلامية مع أمريكا، وكانت روسيا تصب اهتمامها على التموضع بقوة في سوريا.
وكانت بقية القوى الغربية تشاهد المشهد من بعيد وكل يحسب حساباته الخاصة، فرنسا في العودة والتموضع بلبنان وفرص ذلك، وبريطانيا تسير خلف أمريكا وإن كانت مشغولة حينها بملف الخروج من الاتحاد الأوربي و"البريكس".

روسيا والمصلحة الذاتية
في صفقة القرن
في ذلك الوقت لم يصدر عن الجانب الروسي فعل أو خطاب ما يتسبب في النظر إليه أبعد من مصالحه المباشرة والتواجد في سوريا، لكن بعد سقوط ترامب وتصاعد النزاع في ملف سد النهضة هذا العام، خرجت المؤشرات التي تقول بتطور الموقف الروسي سلبا من الموقف العربي المصري والسوداني، وكان السبب الشائع يرجعه البعض لعدم رغبتها في وضع سابقة أممية تتعلق بالتدخل في الأنهار الدولية، لأن لها مصلحة لسيطرتها على عدد من الأنهار تنبع من أراضيها.
وشيئا فشيئا أخذ الخطاب الروسي يتصاعد ومر بعدة محطات منها: الموقف السلبي في مجلس الأمن، ثم الإعلان عن تفاهم عسكري مع أثيوبيا في توقيت حرج من الصراع، رغم رأي البعض أن التفاهم إجرائي وعادي، لكن المحطة الأبرز في تطور خطاب روسيا السلبي تجاه مصر والشرق الأوسط كانت في شهر يوليو 2021م.

تغير الخطاب الروسي بشدة
ضد الموقف العربي في السد الأثيوبي
ذلك حين خرج وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف بتصريح غريب يتحدث فيه عن سعي الكنيسة الروسية بالتعاون مع الخارجية لحماية مسيحي الشرق الأوسط من "الاضطهاد" الذي ارتبط بمسار فرض "الديمقراطية" الغربية! وتواكب ذلك أيضا مع إصدار الخارجية الروسية لبيان حاد اللهجة وبارد كالثلج تجاه ملف السد النهضة، تكاد تكون تبنت فيه موقف أثيوبيا بالكامل وسخرت من الموقف المصري، فيما يشبه اتهام مصر بتسيس الملف.
حقيقة كان الموقف الروسي في شهر يوليو 2021م تحولا ملفتا في الخطاب الروسي المتعلق بالسياسات الخارجية؛ ويجوز ان نسميه "نمطا جديدا" فهو يتخذ موقفا من الذات العربية ومواطنيها على أساس ديني بادعاء "الاضطهاد"، ويتخذ موقفا من المصالح القومية للذات العربية المصرية والسودانية بالضد، على أساس عدم التفضيل أو المساواة في مقدار العلاقة بين مصر وبين أثيوبيا.

خلفية الخطاب الجديد
ومشروع الأوراسية والطريق الرابع
وهنا كان لابد من البحث في الخلفية الفكرية لهذا "النمط الجديد" في خطاب السياسات الخارجية الروسية، وسبب ظهوره في هذا التوقيت تحديدا، حيث يمكن القول إن الخطاب الجديد يرجع لما يسمى في الفلسفة الروسية السياسية المعاصرة بـ"نظرية الطريق الرابع"، التي تطرح صعود روسيا كقوة عالمية مؤثرة في المشهد الدولي من جديد لكن وفق معايير جديدة، وليس وفق الأيديولوجيات القديمة.
وهي النظرية التي طرحها المفكر الروسي ألكسندر دوجين المقرب للغاية من الرئيس بوتين، والتي بالتركيز عليها والتدقيق في بنيتها سنجد أنها تعيد إنتاج "المسألة الاوربية" وفكرة "الثنائيات الحدية" الصراعية.
فخطاب الخارجية الروسية الجديد في بنيته الفكرية الكامنة تجاه الذات العربية، يقوم على تصدير "المسيحية الشرقية" الروسية الأرثوذكسية "بديلا حديا" عن "المسيحية الغربية" الأمريكية البروتستانتية، مع ربطه "المسيحية الغربية" بشعارات الديمقراطية كما حدث في العراق واحتلالها، وكما تدعي روسيا أن تواجدها في سوريا لحماية مسيحييها من الاضطهاد!

الأوراسية تصطف في مواجهة الأطلسية
يطرح كذلك ألكسندر دوجين صاحب المشروع "ثنائية حدية" أخرى؛ وهي الصراع بين القوة الأوراسية أو قوى البر التي تمثلها روسيا ومجموعة من حلفائها وهم الصين والهند وإيران، في مواجهة القوة الأطلسية أو قوى البحر التي تمثلها أمريكا والدولة الغربية المتحالفة معها، من ثم يجري الآن ظهور روسيا على صعيد الشرق الأوسط بصفته أبرز مناطق الصراع على النفوذ في "الثنائية الحدية" الجديدة، بين قوى الأوراسية الشرقية وقوى الأطلسية الغربية.
وينادي ألكسندر دوجين ببناء إمبراطورية روسية في مواجهة الامبراطورية الأمريكية لكن ليس على أساس صراع أيديولوجي؛ إنما تقوم على فكرة روسيا الكبري الأوراسية أي التي تعني أن موقع روسيا الجغرافي لا ينتمي للشرق الآسيوي أو الغرب الأوربي، إنما هي في موقع يجمع بينهما (أوراسي)، وهذه الإمبراطورية يجب ان تقوم على خليط من: القومية الروسية، والمسيحية الأرثوذكسية، والتمدد لمحاصرة قوى البحر الغربية أو الأطلسية، مع ما يشبه القطيعة مع: المادية، والإلحاد، والاقتصاد المركزي.
ولقد أشرت إلى ما توصلت له في بحثي عن الخلفية الفكرية وراء تغير خطاب السياسات الخارجية الروسية في ملف السد، في مقالين في ثم أتبعت المقالين بدارسة مطولة قيد النشر حاليا بعنوان: "الطريقان الرابع والثالث.. استعادة المسألة الأوربية أم تجاوزها!".

ظهور نمط مصري في وقت حرج
داعم للخطاب الروسي ويغسل وجه سياساته الخارجية
لكن اللافت للانتباه أنه في أثناء دراستي لمصادر الخطاب الروسي والبحث عنها عند ألكسندر دوجين وغيره، قد ظهر من بين المصادر لقاء أجرته قناة "تن" المصرية معه في نهاية عام 2020م، وفي بداية الأمر تعاملت مع المصدر بشكل عادي.
لكن بعد فترة من ظهر أن القناة ذاتها استضافت السفير الروسي في مصر؛ وفي هذا اللقاء قدم السفير الروسي مجموعة تصريحات كلها تصب في اتجاه غسيل وجه روسيا الذي كَشفت عنه في شهر يوليو الماضي، هنا بدا الأمر غريبا بعض الشيء، فحفظت الحوار لأرجع له.
إنما ما دفعني لمراجعة الأمر برمته أنني فوجئت أثناء البحث بالإعلان عن تدشين مركز دراسات باسم: مركز الدراسات العربية الأوراسية ، ويرأسه المذيع التليفزيوني بالقناة ذاتها وهو عمرو عبد المجيد (المعروف بتاريخه كمراسل سابق في روسيا) الذي عقد اللقاء مع ألكسندر دوجين ثم مع السفير الروسي، ولاحظت أن الإعلان عن تدشين المركز كان في شهر يونيو من هذا العام، بالتواكب تقريبا مع ملابسات ملف سد النهضة، وعقد جلسة مجلس الأمن لتناول الموضوع!
بالإضافة إلى إعلان المركز عن قرب صدور العدد الأول من مجلته وكانت الأسماء المشاركة تحمل ترسانة من النخبة الروسية السياسية والفكرية، وعلى رأسها ألكسندر دوجين نفسه.

مركز الدراسات العربية الأوراسية!
ومن خلال نظرة عامة متفحصة للخطاب العام الذي يقدمه موقع المركز الإلكتروني كان واضحا أنه يقدم وجهة نظر متعاطفة، وكان الاسم الخاص بالمركز هنا دالا على مخبره فهو يتحدث عن العلاقات أو الدراسات "العربية الأوارسية"، ويستضيف مجموعة من النخب الروسية المحسوبة على إدارة الرئيس بوتين، وكذلك ينقل عنهم ويترجم عنهم، ويشمل عدة وحدات هيكلية بالمركز منها وحدة للترجمة وما إلى غير ذلك، وكذلك بنية هيكلية تدل على أن المركز يعبر عن وجهة نظر مؤسسية ما خاصة وأن المركز يرتبط بالإعلام، ويرتبط بظهور الشخصيات الروسية تلك في الإعلام المصري واسع الانتشار بقناة "تن".
وحقيقة سبق للمذيع المحترم أ. عمرو عبد المجيد أن استضافني في حلقة للحديث حول الأبعاد الثقافية والحضارية لجائحة كورونا في أبريل من عام 2020م وهو إعلامي يتسم بالثقافة والاطلاع، لكن بيت القصيد هنا هو أن هناك "نمط ما" داخل الإعلام المصري، يتشكل دعما لمشروع الأوراسية الجديد ويحظى بالطبع بموافقة جناح ما في المؤسسة المصرية.


هل نكرر تجربة خطاب "الاستلاب للآخر" الشرقي
مع مركز الدراسات الأوراسية؟
وهنا يجب الانتباه بشدة كي لا نقع في الفخ مجددا، الدولة المصرية المعاصرة ومؤسساتها لم تخرج من الفراغ هي نشأت وفي جعبتها شبكة علاقات تاريخية، شبكة العلاقات التاريخية هذه طورت في ملف "صفقة القرن" خطاب "الاستلاب للآخر"، ودفعت بعدة وجوه مثل يوسف زيدان ومراد وهبة وغيرهما مروجة للمشروع الغربي تجاه القدس.
وأخشى ما أخشاه أن نمط خطاب "الاستلاب للآخر" يتكرر بشكل ما في ملف سد النهضة، ولكن هذه المرة عبر "الاستلاب للآخر" الشرقي الروسي، من خلال "الثنائية الحدية" الجديدة عن الصراع بين الأوراسية الشرقية والأطلسية الغربية.

الداعون لتيه الذات االعربية
ما بين الأوراسية والأطلسية
خاصة وأن توقيت ظهور مركز الدراسات العربية الأوراسية، واللقاءات التي عقدها تشي بأنها محاولة لغسيل وجه السياسات الخارجية الروسية العداونية تجاه الذات العربية، في ملف السد وفي ملف اضطهاد المسيحيين وليست أثيوبيا والسودان ببعيدة هذا الملف أيضا.
والحقيقة أن الذات العربية يحاول البعض أن يطرحها كقاصرٍ في حاجة للوصاية الأوراسية الشرقية الجديدة أو الوصاية الأطلسية الأمريكية، وكل منهما وجه من وجوه "الاستلاب للآخر" والانسلاخ عن مشروع "الذات العربية" لاستعادة نفسها، الذي عبرت عنه الجماهير غير المنظمة سياسيا أو أيديولوجيا، في ثورات العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين.

الحل ليس مع الأوراسية
ولا مع الأطلسية
وهنا أقولها كلمة للتاريخ وقبل ان يتم الترويج لكيانات أوراسية شرقية جديدة تنافس كيانات أطلسية غربية قديمة، كل محاولات الانسياق وراء التبعية وإلحاق "الذات العربية" بالآخر الروسي في حلته الأوراسية الجديدة أو الآخر الغربي وحلته الأطلسية بتمثلاتها العسكرية أو الاقتصادية أو الثقافية، كل هذه المحاولات ستؤدي إلى الانسداد والتفكيك النهائي للذات العربية و"مستودع هويتها".
وإلى من يحاولون غسيل وجه السياسات الخارجية الروسية المعادية لمصر أقول لهم: كفوا أيديكم، مصر أكبر مما تفعلونه والوضع أخطر من مصالحكم الضيقة وشبكة علاقاتكم التاريخية، روسيا تريد الحضور في ملف سد النهضة عى حساب النفوذ المصري والحقوق المصرية، وتستهدف العودة للساحة الدولية من خلال الذات العربية والتموضع العسكري في سوريا وعدة بلدان أخرى.
روسيا أعلنت سياساتها الخارجية بوضوح، ووجود فصيل ما في مؤسسة الدولة المصرية يحاول غسيل وجهها هو مشروع ضد "الأمن القومي" المصري الذي هو قاب قوسين أو أدنى في ملف "السد الأثيوبي"، أرجو ألا نكرر تجربة خطاب "الاستلاب للآخر" في ملف "سد النهضة"، ونعلق مصيرنا بيد الآخرين، ونقع في التيه العظيم مرة نلقي بأنفسنا للغرب الأطلسي، ومرة أخرى يراهن البعض الآن على الشرق الأوراسي.

الحل في بناء قوة ذاتية
عبر استراتيجية مستقلة
إن طريق النجاة لمصر والذات العربية هو طريق واحد لا غيره، وهو طريق بناء استراتيجية مستقلة تقوم على "استعادة الذات" و"تغيير صورتها النمطية" عند الآخر، والدفاع عن "مستودع الهوية" العربي في كافة طبقاته، والسعي لبناء "تراكم حضاري" قوى يقوم على اقتصاد إنتاجي حقيقي.
في لحظة تاريخية حرجة وقاسية يجب أن تتم الدعوة لمركز بحثي وسياسة ثقافية فاعلة بعنوان: "استعادة الذات وتغيير صورتها النمطية عند الآخر"، دفاعا عن "الأمن القومي" المصري الذي كاد ومازال قاب قوسين أو أدنى في ملف "السد الأثيوبي".



هوامش ومراجع مقترحة:

- حاتم الجوهري، روسيا والسد الأثيوبي: عودة المسألة الأوربية في شكلها الديني، موقع الحوار المتمدن، تاريخ 26/7/2021م
https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=726189&fbclid=IwAR3JQgaxmpuhysY2Xp1Ij5ideGtIv8pezQUmgiAaxbOvI0cpa25swc2nOH4
- حاتم الجوهري، العرب وإعادة إنتاج المسألة الأوربية: المسيحية الشرقية والغربية، الحوار المتمدن، تاريخ 28/7/2021م
https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=726476&nm=1
- للمزيد حول تصريح وزير الخارجية الروسي، وبيان وزارة الخارجية الروسية، انظر موقع روسيا اليوم الإخباري بتاريخ 24/7/2021، 23/7/2021م
- انظر لقاء ألكسندر دوجين بقناة تن شهر سبتمبر 2020م
https://www.youtube.com/watch?v=FNsJ_tX7_5U
- للمزيد حول تصريحات السفير الروسي لقناة تن، انظر قناة روسيا اليوم بتاريخ 5/8/2021م
- للمزيد حول مركز الدراسات العربية الأوراسية انظر
https://eurasiaar.org/

نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية