م 3 / ف 19 الحياة في ظل تطبيق الشريعة السنية ( طاعون عام 841 )

أحمد صبحى منصور
2021 / 8 / 7

م 3 / ف 19 الحياة في ظل تطبيق الشريعة السنية ( طاعون عام 841 )
قراءة في تاريخ السلوك للمقريزى / المقريزى شاهدا على العصر
قال المقريزى في التأريخ لسنة 841
الطاعون في مصر
( شهر رمضان، أوله يوم الثلاثاء: )
1 : شيوع الطاعون في القاهرة ( وفيه كانت عدة الأموات التى رُفعت بها أوراق مباشرى ديوان المواريث بالقاهرة ثمانية عشر إنساناً، وتزايدت عدتهم في كل يوم ، حتى فشا في الناس الموت بالطاعون في القاهرة ومصر، لاسيما في الأطفال والإماء والعبيد، فإنهم أكثر من يموت موتاً سريعًا.)
تعليق
1: التركيز على ضحايا الطاعون في القاهرة ، وإمكانية حصر العدد لأن من يموت كان يتم غسله في مصليات ( جمع مصلى ) ، وكان يتم التبليغ عنهم الى ديوان المواريث . خارج القاهرة لا توجد إحصاءات عن الضحايا .! .
2 : أكثر الضحايا من الأطفال ومن الرقيق الآتين من الخارج حيث تناقص المناعة لديهم ، إذ كان الطاعون يحدث دوريا يقضى على بعض الناس ، وينجو منه بعضهم وقد إكتسب مناعة ، قد تصمد للطاعون التالى وقد لا تصمد . الأطفال والرقيق لم تكن لديهم هذه المناعة . لكن من ينجو منهم يكتسب مناعة قد تنجيه من الطاعون القادم .
3 ـ نفهم أن المماليك الجلبان كانوا ضمن الضحايا في القاهرة . كانوا في قلعة الجبل الحصينة ، ولم تُغن عنهم شيئا . هذه عبرة لأكابر المجرمين في عصرنا ونحن لا زلنا تحت قصف كورونا .!!
2 : شيوع الطاعون : ( هذا وقد عم الوباء بالطاعون بلاد حلب، وحماة، وطرابلس، وحمص، ودمشق، وصفد، والغور، والرملة وغزة، وما بين ذلك، حتى شنعت الأخبار بكثرة من يموت، وسرعة موتهم. وشناعة الموتان أيضًا ببلاد الواحات من أرض مصر، ووقوعه قليلا بصعيد مصر ). أي إستمر الطاعون ساريا من حلب الى الواحات والصعيد بمصر ، وتميز بسرعة الموت وكثرة الموت بدون إحصاءات .
3 : قراءة البخارى في ميعاده في حضور السلطان فى ليالى رمضان تحت قصف الطاعون :
( وفي يوم الأربعاء ثالث عشرينه: ختمت قراءة صحيح البخارى بين يدى السلطان بقلعة الجبل، وقد حضر قضاة القضاة الأربع، وعدة من مشايخ العلم وجماعة من الطلبة، كما جرت العادة من الأيام المؤيدية شيخ. وهو منكر في صورة معروف، ومعصية في زى طاعة. وذلك أنه يتصدى للقراءة من لا عهد له بمارسة العلم، لكنه يصحح ما يقرأه، فيكثر مع ذلك لحنه وتصحيفه وخطؤه وتحريفه. هذا، ومن حضر لا ينصتون لسماعه، بل دائما دأبهم أن يأخذوا في البحث عن مسأله يطول صياحهم فيها، حتى يمضى بهم الحال إلى الإساءات التى تؤول الى أشد العداوات. وربما كفّر بعضهم بعضًا، وصاروا ضحكة لمن عساه يحضرهم من الأمراء والمماليك. و اتفق في يوم هذا الختم أن السلطان ــ لما كثر الوباء قلق من مداخلة الوهم له ــ فسأل من حضر من القضاة والفقهاء عن الذنوب التى إذا إرتكبها الناس عاقبهم اللّه بالطاعون، فقال له بعض الجماعة: "إن الزنا إذا فشا في الناس ظهر فيهم الطاعون، وأن النساء يتزين ويمشين في الطرقات ليلًا ونهارًا في الأسواق." ، فأشار آخر : " أن المصلحة منع النساء من المشى في الأسواق." ، ونازعه آخر فقال : " لا يمنع إلا المتبرجات، وأما العجائز ومن ليس لها من يقوم بأمرها لا تمنع من تعاطى حاجتها." . وجروا في ذلك على عادتهم في معارضة بعضهم بعضاً، فمال السلطان إلى منعهن من الخروج إلى الطرقات مطلقًا، ظناً منه أن بمنعهن يرتفع الوباء. وأمر بإجتماعهم عنده من الغد، فاجتمعوا في يوم الخميس، وإتفقوا على ما مال إليه السلطان. فنودى بالقاهرة ومصر وظواهرهما ، بمنع جميع النساء بأسرهن من الخروج من بيوتهن، وألا تمر إمرأة في شارع ولا سوق ألبتة، وتهدد من خرجت من بيتها بالقتل . فامتنع عامة النساء، فتياتهن وعجائزهن وإمائهن من الخروج إلى الطرقات. وأخذ والى القاهرة وبعض الحجاب في تتبع الطرقات، وضرب من وجدوا من النساء، وأكدوا من الغد يوم الجمعة في منعهن، وتشددوا في الردع والتهديد، فلم تُر إمرأة في شىء من الطرقات. فنزل بعدة من الأرامل وربات الصنائع، ومن لا قيم لها يقوم بشأنها، ومن تطوف على الأبواب تسأل الناس ــ ضيق وضرر شديد. ومع ذلك فتعطل بيع كثير من البضائع والثياب والعطر، فإزداد الناس وقوف حال، وكساد معايش، وتعطل أسواق، وقلة مكاسب ) .
تعليق :
1 : كان البخارى ( كتابا وشخصا ) الإله الأكبر في دين التصوف السنى الذى ساد من عصر صلاح الدين الأيوبى بديلا عن دين التشيع . وفى البخارى أحاديث صوفية اشهرها حديث ( من عادى لى وليا فقد آذنته بالحرب ) . ومن مظاهر تقديس البخارى قيام بعضهم بشرحه مثل ابن حجر والعينى والقسطلانى . وفى الوقت الذى لم يكن فيه للقرآن الكريم إحتفال إعتادوا إقامة إحتفال رسمي حمل إسم ( ميعاد البخارى ) في رمضان من كل عام ، كما لو كان رمضان هو الذى أُنزل فيه البخارى وليس القرآن . . وفيه يقومون بتلاوة البخارى وليس تلاوة القرآن ، ويتم ختمه في 23 رمضان ، والمكان هو مقر الحكم وهو القلعة ، والحاضرون هم السلطان وكبار الأمراء المماليك والقضاة الأربعة ، ومنهم في هذا الوقت ابن حجر ، وبقية القضاة ، ويطلق عليهم نوّاب القضاة الأربعة ، وكبار الفقهاء . أي يجتمع في تقديس البخارى وعبادته أكابر المجرمين من المماليك ورجال الدين .
2 : المقريزى من وجهة نظره وبعقليته الناقدة يعلّق على ( ميعاد البخارى) قائلا : ( . وهو منكر في صورة معروف، ومعصية في زى طاعة. وذلك أنه يتصدى للقراءة من لا عهد له بمارسة العلم، لكنه يصحح ما يقرأه، فيكثر مع ذلك لحنه وتصحيفه وخطؤه وتحريفه. هذا، ومن حضر لا ينصتون لسماعه، بل دائما دأبهم أن يأخذوا في البحث عن مسأله يطول صياحهم فيها، حتى يمضى بهم الحال إلى الإساءات التى تؤول الى أشد العداوات. وربما كفّر بعضهم بعضًا، وصاروا ضحكة لمن عساه يحضرهم من الأمراء والمماليك. ). كان القُضاة والفقهاء مع جهلهم الرائع يتنافسون في تجهيل بعضهم البعض في حضور السلطان والأمراء ، ويصل بهم الجدل الى الشتم والتكفير ، فيصيرون كما قال المقريزى مضحكة للمماليك . ولأن المقريزى ينتمى الى نفس الفصيل فهو حانق على زملائه ، ويرى أن ميعاد البخارى بهذا الشكل غير لائق : أي هو : ( منكر في صورة معروف، ومعصية في زى طاعة. )
3 : في ميعاد البخارى في هذا العام كانت سطوة الطاعون ، فسأل السلطان برسباى القضاة الأربعة وغيرهم ، ومنهم ابن حجر والعينى عن الذنوب التي بسببها يأتي العقاب بالطاعون ، ولم يذكر المقريزى أسماء من أجاب السلطان ، ونفهم أنهم من أكابر القُضاة ، أي ابن حجر والعينى ، فلا نتصور أن يسبقهم في الإفتاء تلاميذهم التابعون لهم . وقد أفتى كبارهم للسلطان بأنه الزنا الفاشى في الناس . يتجاهلون أن الدولة فرضت الزنا وجعلت عليه ضريبة . ويتجاهلون شيوع الشذوذ الجنسى بالصبيان . وكالعادة ، وبالثقافة الذكورية وضعوا المسئولية على المرأة ، كما يجعل السلفيون اليوم المرأة مسئولة عن تحرش الذكور بها . في هذا المجلس جعلوا المسئولية على المرأة في موضوع الزنا كأنها هي التي تزنى بنفسها ، فقالوا إن النساء يمشين ليلا ونهارا ، ( وهذا يعنى الزنا ) وأنه يجب منعهن من المشى ( لوقف الزنا ) ، وإستثنى بعضهم العجائز من النساء . ورأى السلطان حظر التجول مطلقا على النساء حتى يرتفع الطاعون . وأُذيع بين الناس بمنع النساء من التجول وأن من تخرج منهن فعقوبتها القتل . ووافق ابن حجر والعينى على قتل من تخرج من النساء . وكان والى القاهرة ( أي مدير الأمن ) أرحم من أولئك القضاء ، فلم يقتل من تخرج من النساء ، كان يضربهن فقط ولا يقتلهن . فخلت الشوارع من النساء ، وتعطلت الأسواق والمصالح والمكاسب.
4 ـ كان مستحيلا سريان هذا الحظر الكلى المطلق على النساء ، فحدث تخفيف . يقول المقريزى : ( وفيه ( رمضان ) نودى بخروج الإماء لشراء حوائج مواليهن من الأسواق، وألا تنتقب واحدة منهن، بل يكن سافرات عن وجوههن، وأن تخرج العجائز لقضاء أشغالهن، وأن تخرج النساء إلى الحمامات، ولا يقمن بها إلى الليل، فكان في ذلك نوع من أنواع الفرج. ) . جاء التخفيف ليس بفتوى من شيوخ الشرع السُّنّى ، بل من السلطان .
تعليق
النقاب كان هو سيد الموقف ، وبه ينتشر الزنا ، العاهرة تتنقب وترتدى زيّا خاصا يعلن عنها وهى واقفة تعرض نفسها ، وقد وصف المقريزى زىّ العاهرات في الخطط . وبحماية النقاب أيضا تمارس الزنا النساء الأخريات ، وكانت المناسبات الدينية والمؤسسات الدينية فرصة للانحلال الخلقى ، فإلى الموالد وعند القبور المقدسة وفى القرافة ( مدافن القاهرة ) تأتى النساء منقبات ، فإذا وصلن خلعن النقاب ، وتصرفن كما يحلو لهن ، فلا أحد يتعرف عليهن . كما ذكر الفقيه ابن الحاج المغربى في كتابه ( المدخل ). والتفاصيل في كتابنا عن الانحلال الخلقى بتأثير التصوف ، وهو منشور هنا.
5 ـ : ( وفيه إبتدأ إنتشار الجراد الكثير بالقاهرة وضواحيها، وإستمر عدة أيام.). جراد + طاعون.
6 ـ انتشار الطاعون جعلهم يضطهدون الأقباط .
قال المقريزى :
6 / 1 : ( وفيه ( رمضان ) أُقيم بعض سفلة العامة الأشرار في التحدث على مواريث اليهود والنصارى، وخلع عليه، وكانت العادة أن بطرك النصارى ورئيس اليهود يتولى كل منهما أمر مواريث طائفته، فتوصل هذا السفلة إلى السلطان، والتزم له أن يحصل من هذه الطائفتين مالًا كبيراً، فجرى السلطان على عادته في الشره في جمع المال، وولّاه. )
6 / 2 : ( وفيه كشف عن بيوت اليهود والنصارى، وأحضروا ما فيها من جرار الخمر لتراق. )
6 / 3 : ( وفي هذا الشهر: هدم للنصارى دير المغطس عند الملاحات، قريب من بحيرة البرلس وكانت نصارى الإقليم قبليا وبحريا تحج إلى هذا الدير كما يحجون إلى كنيسة القيامة بالقدس، وذلك في عيده من شهر بشنس، ويسمونه عيد الظهور، وقد بسطت الكلام على هذا عند ذكر الكنائس والديارات من كتاب المواعظ والإعتبار بذكر الخطط والآثار.)
تعليق
1 ـ هذا تطرف في ظُلم أهل الكتاب ، استنكره المقريزى نفسه وهو المتعصب دينيا ضد أهل الكتاب ، في قوله : ( أُقيم بعض سفلة العامة الأشرار في التحدث على مواريث اليهود والنصارى، ).
2 ـ استغل هؤلاء السّفلة طمع برسباى فعيّنه السلطان قيّما على مواريث أهل الكتاب ليسلب مواريثهم ، يقول المقريزى عن برسباى ( فجرى السلطان على عادته في الشره في جمع المال، وولّاه.). ولم يعترض أكابر المجرمين من الفقهاء ، فالظلم أساس شريعتهم الشيطانية .
3 ـ هدموا أيضا دير المغطس المقدس عند الأقباط ، وكان معبدا مشهورا وقتها يحُجُّون اليه فيما يسمونه ب ( عيد الظهور ). لقد تشابهت مظاهر الحياة الدينية لدى المحمديين والمسيحيين ، كانت لهم قبورهم المقدسة التي يعكفون عليها ، والتي يقيمون عندها الموالد والأعياد . ما هو شعور المقريزى لو هدم الأقباط الأضرحة والقبور المقدسة للمحمديين مثل قبر الحسين والسيد البدوى والسيدة نفيسة ؟ ( ملاحظة : قبر السيدة زينب لم يكن قد تم إختراعه بعدُ ) .
7 : انتشار الطاعون شرقا وغربا ، يقول المقريزى : ( وفي هذا الشهر: شنع الموت بالطاعون في بلد عانة من بلاد العراق، بحيث لم يبق بها أحد. . وشنع الموت أيضاً في أهل الرحبة، حتى عجزوا عن مواراة الأموات، وألقوا منهم عددًا كثيراً في الفرات. وشنع الموت أيضًا في أزواق ( تجمعات ) التركمان، وبيوت العربان بنواحي بلاد الفرات، حتى صار الفريق من العرب، أو الزوق من التركمان، ليس به إنسان. ودوابهم مهملة، لا راعى لها. وأحصى من مات بمدينة غزة في هذا الشهر، فبلغوا إثني عشر ألفًا ونيف، ووردت الأخبار بخلو عدة مدن ببلاد المشرق لموت أهلها، وبكثرة الوباء ببلاد الفرنج ) .
تعليق :
1 ـ حتى هذا الشهر ( رمضان ) تجوّل الطاعون شرقا وغربا ، وصل الى التركمان و أوربا . أي كان يتنقل كما يحلو له بلا رادع .
2 ـ ألا يذكرنا هذا بكورونا وما يتحوّر منها وعنها ؟!!
قال جل وعلا : ( وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (96) أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَائِمُونَ (97) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (98) أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (99) الأعراف ).
ودائما : صدق الله العظيم .!

نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية