إسرائيل في أفريقيا ونقطة تحول للسياسات الخارجية المصرية

حاتم الجوهرى
2021 / 7 / 31

فرضية أن كل أزمة تحمل معها فرصة كامنة
قد يرى البعض في مجال الظواهر الإنسانية وأنشطتها المتعددة خاصة في دراسات "التدافع الحضاري" وتطبيقاتها السياسية، أن كل أزمة تحمل معها فرصة كامنة إذا تم دراسة "النمط التاريخي" الخاص بها جيدا، وتم الوقوف على المحددات التاريخية السابقة التي أوصلتها إلى ما هي عليه، من ثم يمكن تغيير المقاربة المختارة تجاه تلك المحددات لتتحول الأزمة إلى فرصة للازدهار والصعود، شرط توفر الإرادة الكافية والعمل بجهد وإخلاص.

كيف يكون دخول "إسرائيل" كمراقب في الاتحاد الأفريقي
فرصة للتحول في سياسات مصر الخارجية
ووفق فرضية أن كل أزمة تحمل فرصة عكسية للازدهار والتفوق والاستعادة؛ يمكن النظر لموضوع إعلان "إسرائيل" عضوا مراقبا في الاتحاد الأفريقي، لتصبح "نقطة تحول" (Turning point) في السياسات الخارجية المصرية في الساحة الأفريقية والعالمية كذلك، وفرصة للاستعادة وتقديم خطاب "استقطابي" وفق معايير الحرية والعدالة والحق.
فهي فرصة مثالية جاءت على طبق من فضة لتقدم الدبلوماسية المصرية خطابا جديدا ضد السياسات العنصرية الصهيونية التي تتبعها "إسرائيل"، بحيث تقدم مصر خطابا وفق فكرة ثقافية مركزية جديدة مفادها: عدالة القضية الفلسطينية وعنصرية السياسات الصهيونية، ومخالفتها لكل القوانين الأممية ذات الصلة.
على أن يصبح هذا الخطاب السياسي "نمطا ثابتا" وعلامة مميزة للسياسات المصرية الخارجية، ويحضر في كافة نطاقات الوجود المصري وفي شبكة علاقاتها الدولية برمتها، ومع الدول الكبرى مثل أمريكا وفرنسا وبريطانيا من الغرب، وروسيا والصين من الشرق.

استعادة الاتزان
وضبط العلاقة مع "مستودع الهوية"
وهذا الخطاب السياسي الجديد سيمنح مصر هويتها التي تشوهت فيما قبل 25 يناير 2011م، وسيعيد لها مركز الاتزان في علاقتها بـ"مستودع هويتها" التاريخي، وفي الوقت نفسه سيكون فرصة عظيمة لاستعادة الخطاب التحرري والقوة الناعمة النفسية لمصر، بعد محاولة أثيوبيا بإيعاز صهيوني تقديم مصر في صورة "الامتداد للرجل العنصري الاستعماري الأبيض".

عجز السياسات الخارجية الخشنة
دون قوة ناعمة تصحبها
السياسات الخارجية المصرية الخشنة أو الصلبة التي تقوم على التعاون الثنائي مع الدول الأفريقية، لن تصبح ذات جدوى على المدى الطويل إلا إذا صُحبت بسياسة ناعمة تقوم على فكرة ثقافية وسياسية عادلة وجذابة للآخرين، وهنا يكون دخول "إسرائيل" كمراقب في الاتحاد الأفريقي فرصة، لتصبح "نقطة تحول" في استعادة السياسات المصرية الخارجية لقوتها الناعمة وروحها الغائبة، وخروجها من تيهها القديم.

الجزائر وجنوب أفريقيا: محور للبناء عليه
وفي هذا السياق يمكن البناء على موقف جنوب أفريقيا والبيان شديد الاحترام والوضوح الذي أصدروه، رفضا لدخول "إسرائيل" بصفتها مراقبا في الاتحاد الأفريقي في ظل ممارساتها العنصرية تجاه الشعب الفلسطيني، والذي رفض الآلية الإدارية لدخولها إلى الاتحاد واعترض عليها وطلب بمراجعتها.
وكذلك يمكن البناء على الموقف الجزائري الذي ربما لم يكن بوضوح موقف جنوب أفريقيا، لكنه أعلن أن وجود "إسرائيل" داخل الاتحاد الأفريقي لن يؤثر على دعم القضية الفلسطينية.
وهنا نتذكر الموقف التاريخي للبلدان الثلاثة مصر والجزائر وجنوب أفريقيا من الاستعمار والتحرر منه.

مكانة مصر ليست تركة ولا إرثا
إنما هي مسئولية ودور في "مستودع الهوية"
حقيقة الموقف الأفريقي ينتظر البيان المصري، مصر ليست تركة ولا إرثا نفرض به الوصاية على أحد، وندعي التفضل عليه ونتفاخر، مصر هي حاضنة لـ"مستودع هوية" المنطقة منذ فجر التاريخ، وفي كافة العصور والسياقات الثقافية والإنسانية، وإذا تخلت مصر عن هذا الدور أصيبت بالتيه والعجز، وتكالبت عليها الدنيا، لذا فحين تدافع مصر عن القضية الفلسطينية هي تدافع عن روحها التاريخية الغائبة، وليس عن فلسطين فقط.

تصحيح السياسات القديمة
إن ما اعتبره السادات تكتيكا أو استراتيجية ناجحة في "كامب دافيد"، وتورط مبارك فيه بعد حرب ضرب العراق في التسعينيات بحجة الفشل الاقتصادي؛ ليس "كتابا مقدسا" على السياسات المصرية الحالية والمستقبلية أن تحرسه!
أخطأ السادات في اختياراته تماما وقضى على قوة مصر الناعمة وتفككت مع هذه الاختيارات بنيتها الاجتماعية والثقافية، وحاليا نحن في أمس الحاجة لشجاعة مواجهة النفس واتخاذ قرارات حاسمة، وقدرة الرجال على تجاوز الصعاب وهوى النفس والتناقضات مهما كانت ثقيلة على النفس.

ضبط العلاقات الخشنة والناعمة
مع أمريكا راعية الصهيونية الأولى
نعم فيما قبل 25 يناير تمددت الهيمنة الأمريكية الخشنة والناعمة على مصر، لكن الأيام هي خير معلم والتجربة قاسية للحضور الأمريكي في العراق ولبنان والصومال وأفغانستان وغيرهم، وعلى مصر تطوير لحظة مركزية ثقافية جديدة تعلن فيها "قطيعة كبرى" مع التمدد الناعم الأمريكي/ الصهيوني، الذي وصل لكافة قطاعات الدولة المدنية والعسكرية والسياسية والاجتماعية.
بالفعل بيننا وبينهم اتفاقيات ومسارات سياسية ومدنية وعسكرية؛ لكن لابد من ضبطها على المدى القصير والطويل مع محددات "مستودع الهوية" المصري، والبتر التدريجي والمخطط لكل ما يتعارض مع "مستودع الهوية" هذا بكافة طبقاته، مع الوعي بأن أمريكا تعتمد على سياسة "تفجير التناقضات" داخل "مستودع الهوية"، حتى يصل لنقطة العجز أو الانسداد، كمبرر وذريعة لها للتدخل في شئون الدول.

لتكن "نقطة تحول" وفرصة للاستعادة
في السياسات الخارجية المصرية برمتها
مصر تملك فرصة ذهبية لاستعادة روحها في القارة السمراء قدمت لها على طبق من فضة، وتستطيع أن تجعل من الأزمة "نقطة تحول" في رسم سياساتها الخارجية كلها، واستعادة الصلة الجادة والحقيقية مع "مستودع هويتها" وفي القلب منه القضية الفلسطينية.
وفي الوقت نفسه تملك الفرصة لتقوية علاقتها مع دول القارة والبداية مع جنوب أفريقيا والجزائر، حقيقة هي فرصة رائعة لضبط السياسات الخارجية المصرية في القارة السمراء، وتوظيفها لصالح استعادة مصر لصلتها الحقيقية بـ"مستودع هويتها" وبث الروح مجددا في الذات العربية.
ستكون هذه "نقطة تحول" في سياسات مصر الخارجية تفيدها في عموم مساراتها، في ملف "سد النهضة" تحديدا، وفي الحضور في أفريقيا، وفي استعادة "مستودع الهوية" العربي، وفي تأكيد هويتها السياسية في كافة المحافل الدولية والأممية، وتغيير الصورة النمطية السلبية التي ارتبطت بها منذ التحول القديم في سياستها الخارجية، مع السادات ومبارك، والذي أدى إلى تأكل حضورها في القارة السمرا،ء وعلى المستوى العربي، وفي كافة المحكات الدولية.





هوامش
- حول بيان جنوب أفريقيا انظر : موقع روسيا اليوم الإخباري بتاريخ 28/7/2021
https://arabic.rt.com/world/1256427
- حول الموقف الجزائري انظر موقع روسي االيوم بتاريخ 25/7/2021
https://arabic.rt.com/middle_east/1255370

نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية