م 5 / ف 18 الحياة في ظل تطبيق الشريعة السنية عام 840

أحمد صبحى منصور
2021 / 7 / 30

قراءة في تاريخ السلوك للمقريزى / المقريزى شاهدا على العصر
قال المقريزى في التأريخ لسنة 840
شهر رجب ، أهل بيوم الثلاثاء‏:‏
تعيين ابن البارزى قاضيا للقضاة في دمشق بلا رشوة بسبب شيوع فساد قاضى دمشق سراج الدين الحمصى .
قال المقريزى : ( وفيه ( أول رجب ) خلع على القاضى كمال الدين محمد ابن القاضى ناصر الدين محمد بن البارزى‏ ، وأعيد إلى قضاء القضاة بدمشق ، عوضا عن سراج الدين عمر الحمصى ، بغير مال يحمله ولا سعى منه‏. وإنما كثرت القالة السيئة في الحمصى ، فعين السلطان عوضه القاضى كمال الدين ثم ولاه‏. ) .
تعليق
نعلم فساد القاضي ابن البارزى من الخبر السابق . ولكن نعرف هنا من هو أكثر منه فسادا وهو القاضي الحمُّصى .
دوران المحمل
( وفي ثالثه‏:‏ أدير محمل الحاج بالقاهرة ومصر ، ولم نعهد فيما تقدم أنه أدير قبل النصف من شهر رجب ، إلا فى هذه الدولة الأشرفية فإنه أدير غير مرة قبل النصف منه‏. )
تعليق
دوران المحمل تشريعى سُنّى محدث ، وهم يملكون تغيير موعده ، وتغيير مسار موكبه ، فهو ( دين ملّاكى ) يملكه أصحابه ، وكبيرهم هو أكبر أكابر المجرمين .
استطالة المماليك الجلبان على المصريين المستضعفين في دوران المحمل .
يقول المقريزى : ( ونْزل بالناس في ليلة إدارته من المماليك السلطانية بلاء كثير ، من صفع أقفية المارة في الشارع، ومن حرق لحاهم بالنار ، وخطف عمائمهم ، إلى غير ذلك مما لا نستجيز ذكره‏.)
تعليق
1 ـ في هذه الشعيرة الدينية السنية ( دوران المحمل ) أُتيح للمماليك الجلبان ممارسة هوايتهم في التطرف في إيذاء المصريين المستضعفين . رجع المماليك الجلبان منتصرين فأرادوا الاحتفال بالنصر ، والتسلية على حساب المصريين . وتنوّع الأذى ، مثل صفع أقفيتهم ، وحرق لحاهم بالنار ، وخطف عمائمهم ، وكان كشف الرأس من أساليب العقوبة والتحقير , ثم يقول المقريزى عبارة موجزة : ( إلى غير ذلك مما لا نستجيز ذكره‏.). وهذا يعنى الاغتصاب للنساء والصبيان ، وكان هذا من المعلوم من دينهم السنى بالضرورة . وعفّ المقريزى عن شرحه والاستفاضة فيه ، مكتفيا بهذا الايجاز المُخلّ .
2 ، تخيل أناسا مسالمين في الشارع يتسلّط عليهم الجنود ، يصفعون أقفيتهم ويحرقون وجوههم ويغتصبون صبيانهم ونساءهم . ويحدث هذا في موكب عام يأخذ شكل طقس دينى ، ويحضره قضاة القضاة وعموم الأكابر من الفقهاء ، يرونه رأى العين ، ولا يجد المستضعفون نصيرا منهم ، بل يتطرف الجنود في الاعتداء متمتعين بموافقة قُضاة القُضاة ، ورئيسهم ابن حجر العسقلانى ، وهو القاضي المؤرخ الذى لم يكتب يعترض على ما كان يشاهده في تاريخه لعصره في كتابه ( إنباء الغُمر بأبناء العُمر ) .
3 ـ علينا أن نتذكر أن المماليك الجلبان كانوا يتصرفون بضوء أخضر من أكبر أكابر المجرمين الذى يسميه المقريزى ( سلطان الإسلام ) والذى تعلم الإسلام من شيخه بدر الدين العينى .
4 ـ وحتى لا نكتفى بلعن الماضى وأكابر مجرميه علينا أن نتذكر أيضا أن أولئك المماليك الجلبان جىء بهم كبارا الى وطن لا ينتمون اليه ، ولكن يمتلكونه ويعتبرون أهله ملكية خاصة لهم . هم ( مماليك غرباء ) ولكنهم يملكون الأحرار المصريين أصحاب البلد ، وهذا تناقض عجيب الشأن .
5 ـ الأعجب أن العسكر المصرى الحاكم الآن ـ والمولود في مصر ـ يتصرف بنفس العقلية . معه تسليح حربى للجيش المحارب ، ويستخدمه ضد المصريين العُزل المسالمين . والويل لمن يقع تحت أيديهم في السجون مكبّلا .. يمارسون عليه إنتصارا أكبر من انتصارت المماليك الجلبان في عصر برسباى . وأيضا يحدث هذا بمباركة شيخ الأزهر وزمرته ، لاعقى أحذية العسكر .
6 ـ عليهم ــ جميعا ــ لعنة الله جل وعلا والملائكة والناس أجمعين .!
وظائف أكابر المجرمين
( ‏ وفيه خُلع على الأمير الوزير غرس الدين خليل ، واستقر أمير الركب. )
تنقلات في الوظائف ودفع أموال
( وفي سابعه‏:‏ توجه جكم خازندار المقام الجمالى وخاله إلى طرابلس ، بإنتقال الأمير الكبير بها‏ ، وهو تمربغا المحمودى إلى الحجوبية الكبرى بها‏. وإنتقال الأمير آق قجا العلاى من الحجوبية إلى الإمرة الكبرى‏. وأن يقوم تمربغا بأربعة آلاف دينار وللمسفر المذكور بألف دينار‏. ورسم لجكم المذكور أن يكون مسفر قاضى القضاة كمال الدين ابن البارزى ، فبعد جهد حتى أخذ منه في يومه ثلاثمائة دينار‏. ولم تجر العادة بمثل ذلك‏. ) .
تعليق
1 ـ انتقل الأمير جكم خال ( ولى العهد ) ( جمال الدين يوسف بن برسباى ) الى طرابلس ( الشام ) تابعا للأمير تمربغا الذى تولى الحاجب الأكبر فيها . وانتقال الأمير آق قجا من الحاجب الأكبر ليتولى كبير الأمراء . ويدفع الأمير تمربغا 4 آلاف دينار لمن يصحبه في سفره .
2 ـ المسفّر أي المصاحب للأمير في سفره ، وياخذ ما يُسمّى الآن بدل سفر . وكان الأمير بجكم هو ( مُسفّر ) قاضى القضاة ابن البارزى ، واستطاع جكم بجهد جهيد أن يحصل منه على 300 دينار عن كل يوم .
تنقلات في الوظائف بدون دفع أموال
1 ـ ( وفي عاشرة‏:‏ خلع على الأمير أينال العلاى الأجرود وإستقر في نْيابة صفد عوضا عن الأمير يونس ، ورسم ليونس أن يقيم بالقدس بطالا . وخلع على الأمير طوخ بن بازق الجكمى رأس نوبة ، ليخرج مسفر الأمير أينال إلى صفد‏. )، أي ليكون مصاحبا للأمير أينال العلاى الأجرود في السفر.
2 ـ ( وفي رابع عشرة‏:‏ أنعم بإقطاع الأمير أينال الأجرود وإمرته على الأمير قراجا شاد الشرابخاناه‏. وإستقر أينال الخازندار أحد الأمراء الطبلخاناه شادا عوضا عن قراجا ، وإستقر على باى الأشرفى الساقى الخاصكى خازندارا عوضا عن أينال‏. )
عودة التركمانى كاشفا للبحيرة
( وفي تاسع عشرة‏:‏ خلع على حسن بيك بن سالم الدكرى التركمانى ، وأعيد إلى كشف البحيرة عوضا عن دمرداش‏. )
تصليح قناطر خربة في الفيوم
( وفي يوم السبت خامسه‏:‏ توجه القاضي زين الدين عبد الباسط لكشف قناطر اللاهون من عمل الفيوم ، وقد خربت‏. )
حفر خليج الإسكندرية وتكلفة حفره على حساب الفلاحين
1 ـ قياس خليج الإسكندرية قبل حفره:
( وفي سادسه‏:‏ قدم الأمير يشبك الحاجب والصاحب كريم الدين والأمير أينال الأجرود ، وقد قاسوا خليج الإسكندرية ، فإذا عرضه عاشرة قصبات فى طول ثلاث وعشرين ألف قصبة ، منها ستة آلاف وأربعمائة قصبة ، تحتاج إلى أن تحفر ، وبقيتها تحتاج إلى الإصلاح‏. )
2 ـ تعيين أمير مملوكى ليتولى الاشراف على الحفر :
( وخلع على الأمير أقبغت التمرازى ، ليلى حفر خليج الإسكندرية‏. )
3 ـ تحديد تكلفة الحفر فريضة على أهالى الغربية والمنوفية والبحيرة :
( وفي هذا الشهر‏:‏ جبى ما فرض على نواحى الغربية والمنوفية والبحيرة برسم حفر خليج الإسكندرية ، وهو عبارة كل ألف دينار نصف راجل ، يؤخذ عنه مبلغ ألفين وخمسمائة درهم ، من معاملة القاهرة‏. )
4 ـ عدد العمال وأجورهم : ( وندب للحفر ثلاثمائة رجل ، تصرف أجورهم من هذا المتحصل . )
5 ـ تجهيز أدوات الحفر :
(وعُمل بالميدان تحت القلعة بين يدى السلطان من الجراريف والمقلقلات مائتي قطعة وعشر قطع‏. وعُيّن من البقر ستمائهْ وعشرين رأسًا‏. وجهز ذلك لحفر الخليج المذكور‏. )
تعليق
هدم كنيسة في شبرا الخيمة ونهبها واحراق عظام رهبانها
قال المقريزى : ( وفي سابع عشرينه‏:‏ ركب الأمير جانبك أستادار إلى ناحية شبرا الخيام من ضواحى القاهرة، وهدم كنيسة النصارى بها ، ونُهبت حواصلها ، وأُحرقت عظام رمم كانت بها ، يزعمون أنها رمم شهداء منهم‏. ).
تعليق
1 ـ المقريزى لا يحتجُّ على هدم الكنيسة ، بل يصف ما تبقى من جثث الرهبان بأنها ( رمم ) وهذا وصف صحيح لكل جُثّة بشرية ، وهو ينطبق أيضا على ( رمم ) الأولياء المقدسين للمحمديين . ويقول عن تلك الكنيسة وبقايا الجثث فيها : ( يزعمون أنها رمم شهداء منهم‏. )، فهل يجرُؤ أن يقول هذا عن القبور المقدسة لدى المحمديين ؟ وهل يرضى بهدم وحرق مساجد وقبور مقدسة للمحمديين ونهب حواصلها وحرق رفات المقبورين فيها ؟ اضطهاد اهل الكتاب من المعلوم من الدين بالضرورة في أديان المحمديين الأرضية ، خلافا لدين الإسلام العظيم .
2 ـ في الشريعة الإسلامية حصانة لبيوت العبادة من مساجد وبيع وصوامع لأهل الكتاب وصلوات لأى طائفة دينية ، بغضّ النظر عن معتقد أصحابها إن كان متفقا أو مخالفا للقرآن الكريم . هذا يقع ضمن تشريع الحرية الدينية المطلقة في الدولة الإسلامية ، وهو بذلك مقصد من مقاصد تشريع القتال في الإسلام . قال جل وعلا : ( وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40) الحج )
شهر شعبان ، أهل بيوم الخميس‏:
وظائف أكابر المجرمين
1 ـ ( في ثانيه توجه قاضى القضاة كمال الدين محمد بن البارزى الى محل ولايته بدمشق . )
2 ـ ( ‏ وفي ثالثه‏:‏ خلع على القاضى معين الدين عبد اللطف أحد موقعى الدست وشيخ خانكاة قوصون‏ . وإستقر في كتابة السر بحلب عوضًا عن والده القاضى شرف الدين أبى بكر الأشقر المعروف بإبن العجمى الحلبى .)
3 ـ ( وخلع على القاضى شرف الدين المذكور ليكون نائب كاتب السر على ما كان عليه، قبل إنتقاله إلى كتابة السر بحلب‏. )
4 ـ ( وأُنعم على الأمير ناصر الدين محمد بن إبراهيم بن منجك ، بتقدمة أرغون شاه وإقطاعه بدمشق‏. )
5 ـ ( وأضيف إلى الأمير طوغان العثمانى نائب القدس أستادارية الشام ، والتحدث في الأغوار عوضًا عن أرغون شاه‏. )
بقية المسلسل التركى
( وفي يوم الأربعاء رابع عشرة‏:‏ نودى بإحتماع الجماعة التى قطعت أيديهم عندما أخذوا من الغراب ليفرق فيهم السلطان مالًا‏. فلما إجتمعوا جىء بهم ليأخذوا صدقات السلطان، حتى صاروا بقلعة الجبل قُبض عليهم ، وساقهم أعوان الظلمة بأسوأ حال‏. وأنزلوا في مركب ليسيروا إلى بلاد الروم ، وقد جعل كل إثنين منهم في قُرمة خشب ، فكان هذا من شنيع الحوادث ، ولو شاء ربك ما فعلوه‏. ).
تعليق :
1 ـ خدع السلطان أولئك الذين قطّع أيديهم . دعاهم لأخذ الصدقات ، فلما جاءوا عنده الى القلعة إعتقلهم أعوانه وكبّلوهم بالأغلال ، كل إثنين منهم في قُرمة خشب وأرسلوهم بهذا الشكل الى بلادهم العثمانية . تخيل معاناة شخص مقطوع اليد في هذا التكبيل .!! السبب : هو أن برسباى أراد الانتقام من السلطان العثمانى مراد الثانى فأوقع الانتقام بهؤلاء المساكين .
2 ـ تعليق المقريزى : (، فكان هذا من شنيع الحوادث ، ولو شاء ربك ما فعلوه‏. ). ). عادة المقريزى أن ينسب ظلم البشر لرب العزة جل وعلا ناسيا حرية البشر في الطاعة أو المعصية ، وأن الله يزيد المهتدى هُدى ويزيد الضال ضلالا ، ثم تكون مسئوليتهم عن هذه الحرية يوم الحساب .

نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية