مصطفى الفقي.. المزيد من خطاب الاستلاب في ملف السد

حاتم الجوهرى
2021 / 7 / 29

في مقال له مؤخرا بعنوان: "السد العالى وسد إثيوبيا .. مقارنة تاريخية"، نشر بتاريخ 27/7/2021 في جريدة الأهرام، حاول د.مصطفى الفقي أن يُجري مقارنة بين "السد العالي" المصري والسد الأثيوبي المسمى "سد النهضة"، مدعيا أنه ينتصر للموقف المصري ويبحث في حلول له.
لكن حقيقة كان مصطفى الفقي يخوض بأقدامه الواسعة وينتظم في صف تيار "الاستلاب للآخر"، والسعى للترويج لهذا الاتجاه في سياسات مصر الخارجية، وهو التيار الذي يمكن أن يؤرخ له بظهور يوسف زيدان في نهاية عام 2015م، مروجا لصفقة القرن الأمريكية ومخططاتها تجاه القدس.

العودة لآليات تشويه السردية التاريخية
تكأة للترويج للاستلاب وخطابه في الموقف الحالي
ما يفعله مصطفى الفقي حاليا ممثلا لتيار "الاستلاب للآخر" في ملف "السد الأثيوبي؛ أنه يستخدم آليات تشويه الرواية التاريخية وتزييفها كما كان يفعل يوسف زيدان بالضبط، لكي يقدم هدف "الانسلاخ عن الذات" المصرية وروايتها، ويساوي بينها وبين "الآخر" الأثيوبي وروايته! بغرض أن يُفقد من يقرأ خطابه حجية الموقف المصري وعدالته بالمقارنة التاريخية الزائفة التي يقدمها.

مساواة في الموقف الدولي من السد
واستمرار لمعيار الفساد في القياس والمقارنة
سيحاول مصطفى الفقي في مقالته أن يدس السم في العسل؛ ليظن من يقرأ أنه يدافع عن موقف مصر وحق شعبها في الحياة وفي الماء، لكنه لا يفعل ذلك على الإطلاق، مصطفى الفقي يمنح الآخر/ أثيوبيا رواية أو سردية تاريخية في الموقف الدولي من السدين؛ تضع البلدين وموقفهما من السياسات الدولية موضع المساواة!!
مساويا الفقي بين العداء الدولي الشديد لسد مصر والعداء لدورها التاريخي المفترض، والدعم الدولي الشديد للسد الأثيوبي كثمرة لحصار مصر غربيا، والاستفادة من الحضور في القرن الأفريقي بالنسبة لروسيا والصين.
حقيقة رواية وسردية تاريخية مشوهة تنضم لرواية تيار "الاستلاب للآخر" في ملف السد الأثيوبي، التي قوامها الأساسي هو استدعاء الآخر الصهيوني والاستعانة به، كما صرح مصطفى الفقي من قبل، وهدفها الأخير الخضوع للرواية الصهيونية المباشرة ووصول ماء النيل لهم عبر سيناء، والخضوع أيضا للرواية غير المباشرة وهي الهيمنة وكسر الإرادة المصرية للأبد، عبر وضع محبس على نهر النيل يطوق عنق المصريين للأبد.

تفريغ الشئ من محتواه
بين مواجهة الغرب، وتنفيذ مخططاته
لبيان رواية الاستلاب للآخر وتفكيك رواية الذات المصرية في الموقف الدولي وما يمنحه لمصر من أفضلية نفسية وروحية وقوة ناعمة، يقول الفقي في مقالته:
"أولاً: جاء السد العالى المصرى فى وقتٍ كانت فيه القاهرة قلعة لتحرير القارة ومنطلقًا لتأكيد حق تقرير المصير للشعوب وكان عبد الناصر زعيمًا إفريقيًا، فالزعامة الإقليمية تختلف عن الأنانية المحلية، نعم إن كلا السدين قد جرى بناؤه فى غمار حماس وطنى ومشاعر شعبية دافقة وذلك أمر طبيعى عندما يتمكن قائد الدولة من حشد جماهير شعبه فى اتجاه معين، ولقد رفعت الحكومتان المصرية فى القرن الماضى والإثيوبية فى القرن الحالى من الشعارات الملتهبة ما أدى إلى تعبئة الجماهير وراء هدفٍ تحلم به، فتحريك الشعوب أمر برعت فيه بعض الأنظمة فى غمار الالتهاب القومى والحماس الشعبي."
وهنا فساد في القياس وذر للرماد في العيون بين الموقف المصري من العالم في السد العالي، وموقف العالم من سد أثيوبيا، وتفريغ الموقف الدولي من السدين من مضمونه والتي هي حيلة رخيصة عندما يركز الفقي في المساواة على: "الحماس" و"المشاعر الشعبية"!
وحينما يضع على قدم واحدة موقف مصر في الستينيات الذي كان ضمن سياسة عامة للتحرر، وموقف أثيوبيا الآن الذي هو ضمن سياسة لتفجير التناقضات الدولية وحصار مصر! عبر استخدام حجة المنطق والعقلانية والرصد البرجماتي للأمور وهم حجة كل من نوى "الانسلاخ عن الذات" العربية و"الاستلاب للآخر" الغربي بأشكاله المتنوعة، وذلك حين يساوي بين الموقفين التاريخيين من السدين قائلا في الفقرة السابقة: "فتحريك الشعوب أمر برعت فيه بعض الأنظمة فى غمار الالتهاب القومى والحماس الشعبي.".

اختلال المنطق
مقارنة الموقف الدولي بالمبرر المحلي!
ويصل الزيف والتلفيق لذروته من أجل خلق رواية و"سردية مضادة" للموقف المصري وحجيته التاريخية عند مصطفى الفقي حينما يقول:
"ثانيًا: يتشابه المشروعان أيضًا فى درجة التدويل لكلٍ منهما، فمشروع السد العالى ارتبط بتأميم قناة السويس وتحرك القوى الغربية لضرب المشروع الناصرى بالعدوان الثلاثى عام 1956، أما المشروع الإثيوبى فإنه يأتى فى غمار الصراع من أجل التنمية والإعلان الدائم عن الظروف الصعبة التى يعانيها الشعب الإثيوبى الفقير.."
وحقيقة هنا تشوه في المنطق وارتباك في الوعي يتسم به أصحاب "الحيرة القيمية" وعدم حسم "الاختيارات القيمية"، واستمرار لمنهج الفساد في القياس، فالمفترض أن الفقي يتحدث هنا عن معيار "درجة التدويل" او الموقف العالمي من السدين، وفي الحالة المصرية يذكر ضرب مشروع ناصر وتحالف الغرب ضده، لكن في الحالة الأثيوبية يصيب منطقه الاختلال والعوار فيذكر لنا مسوغات داخلية وليست دولية عن "معاناة الشعب الأثيوبي الفقير"، دون أن يلتزم بالمنهجية العلمية في القياس، ويذكر لنا أسباب الدعم الدولي للسد الأثيوبي!

مخطط قديم لقطع المياه عن مصر
وذلك لأن الفقي يروج لرواية خاصة بها، هو لا يريد أن يتحدث عن المخططات الأثيوبية التاريخية المثبتة لقطع الماء عن مصر، والتي أفرج عن بعض وثائقها في بريطانيا، ولا يعير بالا للمخططات الصهيونية واللقاءات السياسية المعلنة مع الجانب الأثيوبي في سياق نهر النيل وتسليع الماء، ولا يريد أن يرجع للمصادر التاريخية التي تحدثت عن نية الغرب قطع الماء عن مصر منذ وقت طويل، كل هذا لا يريد الفقي الوقوف عليه ليؤكد على روايته وسرديته التاريخية المشوهة عن السد الأثيوبي.

ضبط مدخلات رواية الفقي كلها
ليكون المخرج النهائي: حتيمة الاستعانة بالصهيونية
ويستمر تجاهل الفقي للسياق الدولي الحاكم والداعم لموقف أثيوبيا وتجاهل حتمية اتخاذ موقف لسياسة خارجية مضادة وهادئة لكن قوية وحاسمة في الوقت نفسه، حينما يصور الأمر وكأن طرح مسارات للتعاون مع أثيوبيا هو الحل، وكأن أثيوبيا قد ولد موقفها تجاه مصر من الفراغ، ولا تدعمه قوى غربية وصهيونية تسعى للنفوذ على حساب الوجود المصري، وفي ذلك يقول الفقي في مقالته:
" ثالثًا: إن الأمر فى ظنى – وهذا اجتهاد خاص – أن الحل المحتمل الوحيد لأزمة سد إثيوبيا لن يأتى إلا فى إطار شبكة من المصالح المشتركة بين مصر والسودان وإثيوبيا بحيث تشعر أديس أبابا بأن هناك التزامًا جماعيًا بقضية التنمية فى الدول الثلاث وما أكثر المشروعات التى تحقق ذلك.."
مشكلة الرواية والسردية التي يقدمها د. مصطفى الفقي أنها تتجاهل تماما السياقات الدولية المعادية لمصر، وتحاول أن تجرد الصراع والتدافع في ملف السد الأثيوبي من حضور السياسات الدولية بجذورها التاريخية فيه، هي رواية لـ"لاستلاب للآخر" الصهيوني في البداية والنهاية، والغرض من كل هذه الرواية التي يقدمها الفقي بكافة مدخلاتها أن يخرج بنتيجة ومخرج بسيط لبناء ذلك التعاون بين مصر وأثيوبيا الذي ينادي به، وهي أن هناك وسيط وحيد مقبول إقليميا ودوليا يمكن له بناء الجسور بين مصر وأثيوبيا، وهي "إسرائيل"..

طريق استعادة الذات
وبناء مصادر القوة الذاتية للرواية المصرية
الفقي وفي انتمائه المضمر والمعلن لتيار "الاستلاب للآخر" يتجاهل الطريق الآخر، وهو طريق بناء مقومات القوة الذاتية و"اكتساب المكانة" الدولية وفق الحضور الذاتي، وعبر "مستودع الهوية" المصري بطبقاته المتعددة عربيا وأفريقيا وإسلاميا ودوليا، الفقي بسبب "حيرته القيمية" وعدم وضوح تصوره عن "الذات" أو بسبب تصوره الكامن الذي يقول بـ"الانسلاخ عن الذات"؛ يتجاهل مقومات استعادة الذات العربية والمصرية وينظر فقط للمدى القصير وتقديم التنازلات، التي مصيرها في النهاية تفكيك الذات العربية وتفكيك وجودها التاريخي.
حقيقة يجب خروج خطاب علمي موضعي يتصدى لتيار "الاستلاب للآخر" الصهيوني والغربي، وسعيهم إلى "الانسلاخ عن الذات" العربية وروايتها التي تمثلها مصر حاليا في ملف سد النهضة، إن هذا التيار أسير للمتلازمات الثقافية لـ"المسألة الأوربية" ويحاول الآن إعادة إنتاج هذه المتلازمات، والخضوع لها ثقافيا من خلال تأويلات وروايات عدة.
لكن يبقى الطرح المضاد في قدرة الذات العربية على الاستعادة وظهور "عالم ما بعد المسألة الأوربية" هو الأمل، وتبقى الإرادة الشعبية المصرية الكامنة سندا ينتظر الفرصة للتعبير عن اختياراته، كما اعتادت أن تفعل في الآونة الأخيرة وفي ظل الاستقطابات التي تفجرت في المنطقة، بين حلم الثورات العربية والصعود والتدخلات الأجنبية لمحاولة التثبيط والهيمنة عبر وسائل عديدة للتوظيف والإرباك وتفجير التناقضات.





هوامش
- مصطفى الفقي، السد العالى وسد إثيوبيا .. مقارنة تاريخية، جريدة الأهرام، 27/7/2021
https://gate.ahram.org.eg/daily/News/817202.aspx
- موقع البي بي سي الإخباري بتاريخ 4/7/2021
https://www.bbc.com/arabic/middleeast-57704997

عصام الخفاجي مناضل واكاديمي وباحث يساري في حوار حول دور وافاق اليسار والديمقراطية في العالم العربي
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي