الملك ادريس، هل كان (مسلم اصولي) أم (مسلم ليبرالي)؟

سليم نصر الرقعي
2021 / 7 / 29

كتب احد الاصدقاء في صفحتي تعليقًا على هامش مقالة لي انتقدت فيها مشروعات الاسلاميين الأصولية فقال: "لو كان الملك الصالح، ادريس السنوسي، عايش بيننا الآن لتهمتوه بالارهابي والإسلامي المتطرف وبأنه بتدينه يريد أن يدخل الدين في السياسة وأنه يستعمل الدين مطية للحكم ووووووالخ ..الخ .. أليس كذلك؟"
فكان جوابي:
"لا ، ليس كذلك، فلم ولن اتهم السيد ادريس السنوسي، رحمه الله، بشيء مما قلت حضرتك، فهو ملك (مسلم ليبرالي) معتدل وليس مسلمًا (اصولي متشدد)، يكفي ان تتأمل دستور إمارة برقة عام 1949 أو دستور المملكة المتحدة الليبية عام 1951 لتعلم مدى عبقرية (الاتجاه العربي الاسلامي الليبرالي) الذي كان يسود تلك المرحلة قبل هبوب موجة وتسونامي التطرف القومي الاشتراكي الشمولي الانقلابي ثم التطرف الاسلامي الاصولي والارهابي ثم انتشار موجة العلمانية كرد فعل عليهما بطريقة (التطرف يولد التطرف في اتجاه معاكس)!! ...

والاتجاه الاسلامي العربي الليبرالي الذي كان عليه ادريس ومن معه ومن حوله من رجال دولة الاتحاد والاستقلال هو نفس الاتجاه الذي انتمي اليه انا شخصيًا اليوم، وادعو اليه بعيدًا عن شطحات وتطرف الاصوليين الاسلاميين وشطحات وتطرف الاصوليين العلمانيين، فدستور دولة امارة برقة 1949 ثم دستور المملكة الليبية المتحدة 1951 يعكسان مدى الانفتاح الفكري والسياسي عند السيد ادريس السنوسي، رحمه الله، وكتبة ذلك الدستور وعلى رأسهم كبير فقهاء القانون الدستوري في العالم العربي (عبد الرزاق السنهوري باشا) كمسلمين ليبراليين يحترمون ثوابت الدين وفي الوقت ذاته يحترمون الحريات الشخصية للأفراد وكذلك حريات الاقليات غير العربية وغير المسلمة، لهذا لا يمكن المقارنة بين فكر السيد ادريس كمسلم ليبرالي مستنير، وبين افكار ومشروعات تنظيمات الاسلام السياسي الاصولي، فالفرق كبير جدًا! .


انظر الى صورة الملك والملكة المرفقة(*)، فستكتشف أن الملك مع تدينه وورعه الشخصي لم يفرض حتى (الحجاب) على زوجته بالقوة !!، فالمسلم الليبرالي يعتز بالاسلام ويلتزم بثوابته، ولكنه مع تدينه الشخصي، لا يحاول ان يفرض تدينه على الآخرين بالقوة والاكراه بما فيهم من يقعون تحت سلطانه، فلا اكراه في الدين، وانما المسلم الليبرالي مع تدينه وارتباطه بالاسلام يسلك سبيل (الدعاة المصلحين) بالدعوة الى الله بالحكمة والموعظة الحسنة وبالجدال بالتي هي أحسن، وبالنصيحة الطيبة التي تخرج من قلب محب ومخلص ومشفق كما كان يتعامل معنا آباؤنا وأعمامنا ومعلمينا قبل هبوب ثقافة الغلظة والقسوة والتصفيات الجسدية والعنف الثوري والاسلاماوي!!، فاذا كان هذا المسلم الليبرالي على رأس الدولة فلا يجبر الناس على فكر ديني او سياسي معين بقوة الدولة ولا على التزام سلوك شكل معين من اشكال التدين الاسلامي، انما يترك ذلك للافراد والعائلات ويكتفي بتطبيق ما هو من (اختصاص الدولة المسلمة) من الشريعة وهو قليل جدًا، كمنع شرب الخمر والزنى والسرقة وانتشار الفواحش ويعاقب عليها وفق شريعة القرآن او القوانين التعزيرية الرادعة التي يقرها مجلس الامة، فمعظم الشريعة واحكامها، اي ما يقارب 85%، ليس من اختصاص الدولة المسلمة تطبيقها بل من اختصاص الافراد والعائلات، ولهذا فمشروع الدولة المسلمة (الليبرالية) الذي ندعو اليه هو غير مشروع الدولة الاسلامية (الاصولية) ذات النزعة الأبوية والشمولية الذي يدعو اليه انصار جماعات الاسلام السياسي الاصولي!، كما أنه يختلف جذريًا عن مشروع الدولة العلمانية الذي يقوم على أن الدولة في ليبيا ينبغي أن لا يكون دين لها ؟؟!!!، فمشروع الدولة الليبرالية الديموقراطية المسلمة الذي ندعو اليه يقوم على مبدأ ان (الاسلام دين الدولة) ولكنه، ومن منطلقات فهم عقلاني منفتح ومستنير للاسلام، يحترم الحريات الشخصية والسياسية للأفراد والى اقصى حد ممكن، وفي ظل الثوابت العامة للمجتمع الوطني الليبي المسلم وخطوطه الحمراء المتمثلة في احترام مقدسات الليبيين ورموزهم الدينية، (الله ورسوله وقرآنه)، وفي احترام (الحياء العام) وفق المعايير الليبية، واحترام خصوصيات الافراد والعوائل وحرمات بيوتهم!، فهذه على سبيل المثال الخطوط الحمراء الكبرى على حرية التعبير في دولة ليبيا المسلمة، فلا توجد حرية مطلقة في أي بلد في العالم، فلكل بلد حدوده وخصوصياته الواجب احترامها مع احترام حقوق وحريات الافراد والاقليات.... وهذا هو الطريق لبناء دولة مسلمة لكنها تتمتع بقدر جيد من الليبرالية والديموقراطية!، وهذا هو مشروعنا في مواجهة مشروعات الاسلاميين والعلمانيين على السواء!.
أبو نصر
(*) الملكة فاطمة السنوسية تظهر في صورة مع الملك ادريس السنوسي، ملك المملكة الليبية المتحدة https://linksharing.samsungcloud.com/dmSNzZ09rKRS

نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية