م 4 / ف 18 الحياة في ظل تطبيق الشريعة السنية عام 840

أحمد صبحى منصور
2021 / 7 / 28

قراءة في تاريخ السلوك للمقريزى / المقريزى شاهدا على العصر
قال المقريزى في التأريخ لسنة 840
تابع شهر جمادى الأولى
عزل قاضى القضاة الحنفى بدر الدين العينى بسبب سرقاته
‏ قال المقريزى : ( وفيه رُفعت يد قاضى القضاة بدر الدين محمود العينى الحنفى عن وقف الطرحاء من الأموات ، وفُوّض إلى الأمير صفى الدين جوهر الخازندار، ورُسم له أن يسترفع حساب الوقف فْيما مضى. ثم نُقصْ ذلك ، وإستمر بيد قاضى القضاة على العادة‏. )
تعليق :
1 ـ قاضى القضاة الحنفى كان يسرق من الوقف الخاص بالصرف على دفن الموتى الذين لا أقارب لهم. في الأوبئة والمجاعات كان من المعتاد عجز الفقراء عن دفن ذويهم فتمتلىء بجثثهم الطرقات تنتظر من يدفنها . تكفلت بعض الأوقاف الخيرية في دفنهم ، وكانت وقتها بيد قاضى القضاة الحنفى ، العينى ( بدر الدين ) ، وهو الذى تكفل بسرقة ايراده ، وعلم برسباى بذلك فعزله ، واستبدل به اميرا مملوكا رأى أنه أقلّ فسادا من العينى ، لم يتم هذا ، ورجع العينى للوقف يسرقه ( على العادة ).
2 ـ نعيد التأكيد على أن هذا العينى اللّصّ :
2 / 1 : كان أثيرا لدى أكابر المجرمين من السلاطين . كان يدخل على السلطان المؤيد شيخ وقتما يشاء . وكتب العينى ينافقه في كتاب ( السيف المهند في سيرة الملك المؤيد ) ، ومن بعده كتب ينافق السلطان الظاهر ططر ( الروض الزاهر في سيرة الملك الظاهر : ططر ) . وكان نديم السلطان برسباى ، وربما كان برسباى يطمع أن يؤلف العينى كتابا في مناقبه كما فعل مع المؤيد شيخ والظاهر ططر
2 / 2 : كتب في الحديث وفى الفقه والنحو، وهى كالعادة في هذا العصر ليست مؤلفات أصيلة ، بل شروح لكتب السابقين أو تلخيص لها ، ثم شرح التلخيص ، وهو جهد عقيم يؤدى الى لا شىء . من أهمّ ما كتب :
2 / 2 / 1 : ( عُمدة القارى في شرح صيح البخارى ) وفيه ينافس رفيقه ابن حجر قاضى القضاة الشافعى صاحب كتاب ( فتح البارى بشرح صحيح البخارى )
2 / 2 / 2 : ( البناية في شرح الهداية ) في الفقه الحنفى .
2 / 2 / 3 : ( منحة السلوك في شرح تحفة الملوك )
2 / 2 / / ( رمز الحقائق في شرح كنز الدقائق )
2 / 2 / 5 : ( فرائد القلائد في مختصر شرح الفوائد ) في النحو .
2 / 2 / 6 : ( شرح خطبة كتاب فرائد القلائد ) في النحو.
3 : لم يستطع برسباى محاسبة العينى على سرقاته ، لأن العينى وابن حجر وأضرابهما هم الركيزة الدينية التي يستند عليها برسباى في حكمه . يكفى أنه قال عن العينى ينافقه : ( لولا القاضي العينى ما حسُن اسلامنا ، ولا عرفنا كيف تسيّر المملكة ).! هذا هو الإسلام الحسن الذى تعلمه برسباى ( سلطان الإسلام ) من شيخه بدر الدين العينى . وهذا يذكرنا بقول ضابط المخابرات الذى يحكم مصر الآن لشيخ الأزهر : ( يا فضيلة الامام ) .
4 ـ وليس مثل الإسلام دين ظلمه أكابر المجرمين الذين ينتسبون اليه ظلما وعدوانا وبهتانا .
. محاولة فاشلة لإصلاح القضاء السُنّى الفاسد
قال المقريزى : ( وفي سابع عشرينه‏:‏ نودى بأن من كانت له ظلامة فعليه بالوقوف إلى السلطان‏.) ( ورسم أن تجتمع قضاة القضاة الأربع‏ بمجلس السلطان للحكم في يومي الثلاثاء والسبت‏. ثم إنتقض ذلك ولم يعمل به‏. وجلس السلطان للحكم في يوم السبت تاسع عشرينه‏. وحضروا عنده‏. ثم بطل ، وإستمر على عادته من غير حضور القضاة‏. )
تعليق
بسبب سوء سُمعة القُضاة وقُضاة القضاة اضطر برسباى أن يتصدى بنفسه للحكم . وليست هذه سابقة ، مثله فعل سلاطين مماليك سابقون في دولة بنى قلاوون ، ومثله فعل فيما بعد السلطان قايتباى الذى عزل القضاة جميعا ، وتصدّر هو للحكم . وتنتهى النتيجة الى لاشىء . لكن تظل الحقيقة التاريخية مؤكدة ، وهى أن القُضاة السنيين وكبراءهم كانوا الأكثر فسادا من السلاطين ، بحيث يتولى السلطان الحكم بين الناس بدلا منهم .‏
شهر جمادى الآخرة ، أوله يوم الإثنين‏:‏
احتكار
1 ـ ( في ثالثه‏:‏ ركب الأمير تمرباى الدوادار النيل إلى الإسكندرية ، حتى يبيع الفلفل المحمول من جدة على الفرنج الواردين الثغر ببضائعهم ، بعدما عين لذلك القاضى زين الدين عبد الباسط ، ثم أعفى منه‏. ).
تعليق
أمير مملوكى يتوجه بأحمال الفلفل الهندى المجلوب من جدة الى الإسكندرية ليبيعه الى تجار الفرنجة المنتظرين هناك ، والذين كانوا مُجبرين على الشراء بالسعر الذى يحدده برسباى . وكانت معهم بضائع يشتريها منهم السلطان بالسعر الذى يريده السلطان .
2 ـ ( وفي ثامن عشرة‏:‏ قدم الأمير تمرباى الدوادار من الإسكندرية بعدما باع بها ألف حمل من الفلفل ، بحساب مائة دينار الحمل ، وقيمته دون ذلك بكثير. بلغ ثمن ذلك مائة ألف دينار). رجع هذا الأمير تمرباى من الإسكندرية بعد أن باع ألف حمل من الفلفل بالسعر المفروض .
3 ـ ( وفي هذا الشهر‏:‏ رسم أن يشترى من الغلال ثلاثون ألف أردب ، ليخزن، فأخذ الناس في شراء الغلة من القمح والشعير والفول خوفا من غلاء السعر‏. ).
تعليق
فرض برسباى سعرا محددا يجمع به الغلال من الناس ، ليقوم هو بتخزينه ، ثم يبيعه وقت الغلاء . جعل هذا الناس الميسورون يسارعون في شراء الغلال وتخزينها أيضا خوفا من الغلاء . أي أن برسباى يتاجر بأقوات الناس وبآلامهم .. فإذا كان من يملك المال يستطيع شراء الغلال وتخزينها كما يفعل السلطان ، فما هو حال المستضعفين الذين لا يجدون ما ينفقون ؟ انهم المساكين الذين تكرر في القرآن الكريم الأمر باطعامهم والانفاق عليهم ورعايتهم .
‏أخبار أكابر المجرمين
1 ـ ( وفي تاسع عشرة‏:‏ قدم القاضى شرف الدين أبو بكر الأشقر المعروف بابن العجمى كاتب سر حلب ، وقدم من الغد السلطان تقدمة جليلة ، ما بين ثياب حرير ووبر وخيل وبغال‏. ) . جاء لتقديم الولاء مع الهدايا ، من حرير وصوف وخيل وبغال .
حفر خليج الإسكندرية
2 ـ ( وفي عشرينيه‏:‏ رسم للأًمير يشبك حاجب الحجاب والأمير أينال الأجرود الوارد من الرها ، بالتوجه لحفر خليج الإسكندرية‏. ) ( وتوجه القاضى زين الدين عبد الباسط ليرتب الأحوال في ذلك ثم يعود‏. فتوجه في رابع عشرينه ، وسار الوزير الصاحب كريم الدين ابن كاتب المناخ أيضا للنظر في أمر الحفير‏. ).
تعليق
تكلفة الحفر كانت على ( أهل النواحى ) .. وليس من جيب برسباى ، وستأتى التفاصيل فيما بعدُ في أخبار شهر رجب .
‏فساد القضاة : تعيين من لا يستحق بالرشوة
قال المقريزى : ( وفي هذا الشهر‏:‏ اتفقت نادرة لم نر ولا سمعنا بمثلها ، وهى إستقرار الأمير صفى الدين جوهر الخازندار فى قضاء دمياط . وكانت العادة أن يفوض قاضى القضاة الشافعى قضاء دمياط لمن يقع اختياره عليه من الفقهاء ، فلما إتصل ولى الدين محمد بن قاسم المحلاوى بالسلطان شره في المال ، وأخذ قضاء عدة بلاد منها دمياط‏. وقرر على من أقامه فى قضاء البلاد التى وليها مالا ، يحمله على سبيل الفريضة في كل شهر أو كل سنة كما هى ضرائب المكوس ، سوى ما يتبع ذلك من هدايا الريف‏. وكان الجاه عريضا ، فما عفّت نوابه ولا كفّت ، فلما ذهب إلى الحجاز نزل عن قضاء دمياط للقاضى جلال الدين عمر والقاضى كمال الدين محمد بن البارزى كاتب السر‏ ، بمبلغ خمسين ألف درهم مصرية‏. فجرى على عادة ابن قاسم في ذلك ، إلى أن عين السلطان القاضى كمال الدين لقضاء دمشق ، سأله الأمير صفى الدين جوهر الخازندار أن ينزل له عن قضاء دمياط ، فلم يجد بدًا من إجابته ونزل له عن ذلك‏. فأمضى قاضى القضاة النزول رغمًا ، وصار أحد نواب الحكم العزيز بدمياط ، فإستناب عنه على العادة في هذا . وإستمر‏. وصار يكتب في مكاتبته إلى نائبه بدمياط ‏"‏ الداعى جوهر الحنفى ‏"‏، كما كان قاضى القضاة يكتب‏. وحمد أهل البلد سيرته بالنسبة لمن كان قد ابتدأ ذلك‏. ولم يعهد فى مثل ذلك نزول ولا ما يشبهه. فلله الأمر‏. )
تعليق
1 ـ يعتبرها المقريزى نادرة لم تحدث من قبل ، وهى تعيين أمير مملوكى عسكرى قاضيا في دمياط . المفترض في القاضي أن يكون فقيها مدنيا ، وليس عسكريا مقاتلا .
2 ـ المقريزى لو عاش عصرنا لفتح فمه على آخره من الاستغراب ، وربما سيرفض إغلاق فمه ، فالعسكر المصرى الخائب الفاشل الذى لا يستطيع الحرب اصبح الآن يحترف الأعمال المدنية ، ويتعين منهم القُضاة والمهندسون والقانونيون والمديرون في المصالح الحكومية ، وتراهم يفتون في كل شيء ، ويفشلون في كل شيء . الضابط الذى يحكم مصر الآن لا مثيل له في السرقة ، في التاريخ المصرى الممتد عبر عشرات القرون . من النوادر أنه يغتصب الشركات التي يمتلكها المدنيون بسلطاته ، ومن يرفض منهم يضعهم في السجن بتهمة تمويل الإرهاب ، ويساومهم حتى يشتروا منه حريتهم . برسباى السلطان المملوكى لم يصل الى هذه العبقرية في الاجرام . تعجز قواميس اللسان العربى عن وصف دناءة وإجرام هذا ( السيسى ).!! هذه شهادتنا للأجيال القادمة على ( السيسى ) مقابل شهادة المقريزى على برسباى .
3 ـ نعود للمقريزى : تعيين قاضى في دمياط هو من سُلطة قاضى القُضاة الشافعى ( ابن حجر في هذا الوقت )، وهو الذى يختار من يشاء ، وبالطبع يعيّن من يدفع له أكثر من الفقهاء .
4 ـ كانت للفقيه ابن قاسم المحلاوى صلة بالسلطان برسباى ، أراد الاستفادة منها فدفع رشوة لبرسباى ليتولى قضاء عدة بلاد منها دمياط . وصار يعيّن نوّابا عنه قُضاة بالرشوة ، أو بتعبير المقريزى : ( وقرر على من أقامه فى قضاء البلاد التى وليها مالا ، يحمله على سبيل الفريضة في كل شهر أو كل سنة ، كما هى ضرائب المكوس ، سوى ما يتبع ذلك من هدايا الريف‏. ). أي يجمعون له الأموال وخيرات الريف من الفلاحين ، بمثل ما يجبى السلطان الجمارك والمكوس من التجار . تمتع هؤلاء القضاة بنفوذ هائل ، استغلُّوه شرّا ، فتطرفوا في السّلب والنهب بلا ضمير ، أو بتعبير المقريزى : ( وكان الجاه عريضا ، فما عفّت نوابه ولا كفّت . )
5 ـ ذهب القاضي ابن قاسم المحلاوى الى الحجاز فباع منصبه للقاضى جلال الدين عمر والقاضى كاتب السّر ابن البارزى مقابل 50 ألف درهم . واستمر العمل بطريقة ابن قاسم المحلاوى في السلب والنهب ، لتعويض الرشوة المدفوعة .
6 ـ ثم عيّن برسباى القاضي ابن البارزى قاضيا لقضاة دمشق ، وكان لا بد أن يترك قضاء دمياط . وطمع الأمير المملوكى جوهر الخازندار في ايراد منصب القضاء في دمياط ، فسأل ابن البارزى أن ينزل له عنه مقابل مال بالطبع ، وحدث . ولم يستطع ابن حجر الاعتراض . وهو لم يعترض من قبل على فساد قضاته وسلبهم الفلاحين المستضعفين لأنه استاذهم في الفساد وظلم العباد .!.
7 ـ بهذا صار الأمير المملوكى جوهر الخازندار نائبا عن قاضى القضاة الشافعى في دمياط . واصبح مُخوّلا بتعيين قُاض عنه هناك بحكم العادة ، مع إقامته في القاهرة . وصار يكتب لنائبه القاضي يصف نفسه ب( الداعى جوهر الحنفى ) مثلما يكتب قاضى القضاة ابن حجر العسقلانى .
8 ـ المفاجأة أن هذا الأمير المملوكى الذى تولى منصب القضاء كان خيرا من سابقيه ، وشكره الناس . هذا مع أن تعيينه هذا المنصب ليس معهودا من قبل . يقول المقريزى ( وحمد أهل البلد سيرته بالنسبة لمن كان قد ابتدأ ذلك‏. ولم يعهد فى مثل ذلك نزول ولا ما يشبهه. فلله الأمر‏. ).هذا يدّلُّ الى أي حد إنحطّ القضاة الفقهاء ، وكبيرهم ابن حجر العسقلانى .!!
9 ـ ولكن مهما بلغ انحطاطه فلا يصل الى أسفل السافلين ، هذا الدرك من الحضيض الذى وصل اليه القضاء في عهد السيسى في هذا العصر .
10 ـ ألا لعنة الله جل وعلا على أكابر المجرمين .!

نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية