م 3 / ف 18 الحياة في ظل تطبيق الشريعة السنية عام 840

أحمد صبحى منصور
2021 / 7 / 26

قراءة في تاريخ السلوك للمقريزى / المقريزى شاهدا على العصر
قال المقريزى في التأريخ لسنة 840
تابع شهر ربيع الأول
محاولة ‏هروب أمير عثمان استضافه برسباى : ( مسلسل تركى أكشن )
يقول المقريزى :
1 ـ ( وفي ليلة الاثنين خامسه‏:‏ فُقد سليمان بن أَرْخُن بك بن محمد كُرشجى ابن عثمان وأخته شاه زاده وجماعته ، وكانوا يسكنون بقلعة الجبل ، وتمشى سليمان هذا فى خدمة المقام الجمالى ولد السلطان‏.)
2 ـ ( ومن خبره أن مراد بن كُرشجى صاحب برصا وغيرها من بلاد الروم ، قبض على أخيه أَرْخُن بك وكحله وسجنه مدة ، فكان يقوم بخدمته ـ وهو فى السجن ــ مملوك من مماليكه ، يقال له طوغان‏ ، فأدخل إليه جارية إلى السجن ، وهى متنكرة ، فاشتملت من أَرْخن على هذا الولد وغيره‏. ومملوكه هذا يخفى أمرهم حتى مات أرخُن فى سجنه‏. ففر المملوك بهذين الولدين وهما سليمان وأخته شاه زاده وأمهما إلى مدينة حلب ، وأقاموا بها حتى قدم السلطان ( برسباى ) حلب فى سنة ست وثلاثين وقف بهما إليه ، فاًكرمهم وأنزلهم بقلعة حلب ، ثم سيّرهم إلى القاهرة ، وأسكنهم فى الدار التى كانت قلعة الصاحب من قلعة الجبل ، وكساهم ورتب لهم فى كل شهر إثنين وعشرين ألف درهم من معاملة القاهرة ، ولم يحجر عليهم فى النزول إلى القاهرة‏. وأضاف هذا الصبى سليمان بن أرخُن إلى خدمة ولده المقام الجمالى ، فكان يركب معه إذا ركب ، ويظل بين يديه ويبيت إذا شاء عنده ، إلى أن فُقدوا‏.)
3 ـ ( وفي ثالث عشرة‏:‏ وصل الأروام ( العثمانيون ) الهاربون ، وعدتهم خمسة وستون شخصا ، منهم ثمانيهْ من مماليك السلطان، فوسّطوا الثمانية ( المماليك ) تحت المقعد السلطانى بالإصطبل من القلعة بين يدى السلطان‏. ووُسّط طوغان لالا ( خادم ) سليمان بن أرخن، ورجل آخْر لتتمة عشرة‏. وقطعت أيدى سبعة وأربعين رجلا ، وضرب رجل بالمقارع‏. فكانت حادثة شنعة‏. وكان من خبرهم أن طوغان المذكور قصد أن يفرّ‏ بموسى إلى بلاد الروم‏ ( دولة العثمانيين ). ونزل فى غراب قدم فى البحر ، ومعه جماعة ، منهم المماليك الثمانية وعدة من الأروام‏ ( العثمانيين ). ورافقهم فى المركب جماعة من الناس ، ليسوا مما هم فيه في شيء، إنما هم ما بين تاجر وصاحب معيشة ومسافر لغرض من الأغراض‏. وانحدروا فى النيل ليلا يريدون عبور البحر ، فأدركهم الطلب من السلطان ، وقد قاربوا رشيد‏. وكانت بينهم محاربة في المراكب على ظهر النيل ، قُتل فيها عدة‏. وتخلصوا ، حتى عبروا بغرابهم من النيل إلى بحر الملح ، فخرجت عليهم ريح ردتهم ، حتى نزلوا على وحلة ، فلم يقدروا أن يحركوا غرابهم من شدة الوحل ، فأدركهم الطلب وهم كذلك ، فقاتلوا ليدافعوا عن أنفسهم، وقد جاءهم نائب الإسكندرية في جمع موفور‏. فمازالوا يقاتلون حتى غُلبوا وأُخذوا ، فسيقوا في الحديد ، إلى أن نزل من البلاء ما نزل‏. وسجن سليمان بن أرخن مدة ، ثم أفرج عنه. )
تعليق
1 ـ كان ــ ولا يزال ـ من المتعارف عليه بين المستبدين أن يكيد أحدهما للآخر باستضافة المعارضين واستعمالهم ضد الطرف الآخر ، حدث هذا في الماضى ، ويحدث الان ، وسيحدث غدا طالما بقى في العالم نُظُم حكم استبدادية . وفى باب قادم سنعرض لجانبك الصوفى غريم برسباى الهارب منه الى الشرق ، وقد إستغله خصوم ـ بل وحلفاء برسباى ــ ضده ، حسب تقلُّب الأحوال . وأيضا هروب دلغادر وجانبك الصوفى الى مراد الثانى العثمانى في عام 839 . أي تبدلت علاقة العثمانيين والمماليك الى عداء بعد وداد .
2 ـ عانت الأسرة العثمانية الحاكمة أكثر من هذه المشكلة بسبب نظام التوارث في الحكم داخل الأسرة ، وتأثر بها تاريخهم في الحقبة الأولى ، إذ كان الأمراء ( أخوة السلطان ) في تآمرهم يستعينون بآخرين خارج دولتهم ليقفزوا على السلطة، وقد يهرب بعضهم للخارج ليستعين بعدو لبلده ليكون سلطانا . وأخيرا لجأ العثمانيون الى تقليد جعله ( الخليفة العثمانى ) شريعة تحظى بموافقة الكهنوت السُّنّى لديه ، وهو أن يقوم السلطان الجديد بقتل كل أخوته ، وينفرد بالحكم ، ثم يموت تاركا كثيرين من الأبناء ، والذى يتولى السلطنة منهم يقتل أخوته ، وتتكرر القصة . وبها إستمر الحُكم العثمانى قرونا ، بلا انشقاق من داخل الأسرة .
3 ـ ونعطى خلفية تاريخية لهذه الأحداث التي رواها المقريزى :
3 / 1 مراد الثانى ــ المعاصر للسلطان برسباى ـ هو الذى وطّد الدولة العثمانية بعد هزيمتها على يد تيمورلنك ، وقد حكم مرتين ( 824 ك 844 ) ثم ( 849 : 855 ) ، وحاول فتح القسطنطينية فلم يفلح ، واكتفى بالزام الأمبراطور البيزنطى بدفع الجزية ، ثم تمكن ابنه محمد الفاتح من فتحها عام 857 ، وجعلها عاصمة للدولة العثمانية بدلا من برصا . تقع برصا الآن بين أنقرة والقسطنطينية . وقد فتحها السلطان العثمانى أورخان غازى قبل قرن من هذا الوقت ، ثم صارت عاصمة لهم ، واصبح الحاكم العثمانى يُقال عنه ( صاحب برصا ) في وقت المقريزى .
3 / 2 : مراد الثانى هو الذى أخضع الامارات التركمانية في الأناضول ، وأهمها امارة بنى قرمان التي دخلت طوعا في حكمه بعد تاريخ من العداء. كان الذى يؤرق مراد الثانى هو خروج عمه الشاه زاده مصطفى بن بايزيد ، والذى لجأ الى القسطنطينية ، وكان هذا السبب في حصاره القسطنطينية .
4 ـ ونسترجع ما قاله المقريزى من أن مراد بن كُرشجى صاحب برصا وغيرها من بلاد الروم قبض على أخيه ( أَرْخُن / ارخان ) وسجنه ، وأعمى عينيه بالحديد المحمى ، أو ( كحله ) . في السجن كان يخدمه مملوك له اسمه ( طوغان‏ ) ، أدخل طوغان إلي سيده أرخان جارية إلى السجن ، ، فعاشرها وولدت ولدا ثم بنتا . مات ( أرخان ) في السجن فهرب طوغان بالولد ( سليمان ) والبنت ، الى حلب ( المملوكية ) .
5 ـ نجح ( طوغان ) في مقابلة برسباى حين زار برسباى حلب عام 836 . أنزلهم برسباى مؤقتا بقلعة حلب ، ثم جىء بهم الى قلعة الجبل بالقاهرة . ‏وأكرمهم ، وجعل الأمير العثمانى الصغير تابعا لابنه جمال الدين يوسف المنتظر تعيينه سلطانا فيما بعد.
6 ـ لا نتصور أن حاكما قويا مثل مراد الثانى ليس له عيون وجواسيس داخل وخارج مملكته ، خصوصا وهو مُحاط بأعدائه المحمديين والأوربيين المسيحيين . أي إنه لا بد قد عرف بهرب طوغان خادم أخيه المسجون ، وبأن طوغان هرب بطفلين لأخيه بعد موت أخيه ، وان طوغان لجأ الى ( حلب ) وأنه قابل فيها برسباى ، وان برسباى بعثه بالطفلين الى قلعة الجبل . وأن برسباى سيستغل هذا ضده ردا على استضافة مراد الثانى لجانبك الصوفى . ونتصور أنه أرسل عملاءه الى طوغان يُمنُّونه بالرجوع بالولد والبنت ، وان طوغان استجاب ، واستمال اليه ثمانية من المماليك ، وعدهم ومنّاهم . كل هذا بدون علم برسباى الذى فوجئ بإختفاء ( سليمان بن أَرْخُن بك بن محمد كُرشجى بن عثمان وأخته شاه زاده وجماعته ،) وكان هذا عام 840 . ‏
7 ـ كانوا 65 شخصا في السفينة الى أقلّتهم ، يتزعمهم طوغان ومعه ثمانية من المماليك ، وجواسيس مراد الثانى العثمانى ، وبعض التجار والمسافرين الى آسيا الصغرى . الأمير الطفل المخطوف سليمان لا حول له ولا قوة ولا إختيار ، ولا يعلم إن عمه مراد سيقتله حال العثور عليه .
8 ـ طبقا لخطة مُعدة سلفا ، هرب طوغان وأتباعه المماليك ، وكان في انتظارهم مركب ( غُراب )، ركبه طوغان والأمير والأميرة والمماليك والعثمانيون ، وسمحوا أن يرافقهم بعض الناس من مسافرين عاديين وتُجّار ، ليبدو المركب برىء المظهر ، مجرد مركب مدنى . سار بهم المركب في النيل قاصدا ميناء رشيد على البحر المتوسط .
9 ـ وصل النبأ سريعا الى برسباى ، فبعث حملة سريعة أدركتهم قبيل وصولهم رشيد .وحدثت مواجهة انهزم فيها المماليك مما يدلُّ على قوة الفرقة العثمانية في المركب. نجحوا في الإفلات وركبوا البحر، وكان ممكنا أن يشقوا طريقهم فيه ، ولكن عصفت بهم الريح وألجأتهم الى منطقة وحلة ، وادركتهم حملة بحرية مملوكية أخرى ، هزمتهم ، واعتقلتهم ، وجىء بهم الى برسباى في قلعة الجبل .
10 ـ حكم برسباى بتوسيط طوغان والمماليك الثمانية بين يديه ، وتوسيط شخص آخر معهم لمجرد تكملة العدد الى عشرة.!، وقطع أيدى 47 رجلا ، وضرب آخر بالمقارع ، كانوا من المسافرين بالصدفة في هذا المركب. وسجن الأمير الصغير ثم أفرج عنه ، وما لبث أن مات بعدها . يقول المقريزى في وفيات عام 841 : ( ومات الأمير سليمن بن أورخان بك بن محمد كرشجى بن عثمان. ملك جدة محمد كرشجى بلاد الروم، وقبض عمه مراد بن محمد كرشجى ملك الروم على أبيه أورخن بك، وسجنه حتى مات، وقد ولد سليمان ففر به مملوك أبيه، حتى قدم على السلطان الأشرف برسباى فأكرمه ورباه. ثم فر به مملوك أبيه، يريد بلاد الروم، فقبض عليه برسباى وسجنه، ثم أفرج عنه، وتزوج السلطان بأخته شاه زاده. ).
11 ـ لم تنته حلقات ( هذا المسلسل التركى ). الحلقة القادمة موعدها في شهر شعبان القادم .
شهر ربيع الآخر، أوله الجمعة‏:‏
نزهة السلطان
( في سادس عشرة‏:‏ ركب السلطان من قلعة الجبل وشق القاهرة وخرج من باب القنطرة للصيد‏. وهذه أول ركبة ركبها فى هذه السنة للصيد‏.)
احتكار
( وفيه جمع الأمير جوهر الخازندار الجزارين ، وأشهد عليهم ألا يشتروا اللحم إلا من أغنام السلطان التي تذبح‏. وصار يذبح لهم من الأغنام ما يبيعوا ( يبيعون ) لحمه للناس، ولم يسمع بمثل ذلك‏. ).
تعليق
1 ـ وصل الاحتكار الى شراء وبيع اللحوم . الشراء من عند برسباى وحده ، وبالسعر الذى يحدده ، وهذا تشريع لا سابقة له ، أو بتعبير المقريزى ( ولم يسمع بمثل ذلك‏. ).
2 ـ لم يعترض ابن حجر وبقية الكهنوت السُنّى . ونفس الحال الآن في العسكر المصرى المحتكر ، ومعه كهنوت الأزهر الذى لا يعترض على إحتكار العسكر للموارد المصرية وأرزاق المصريين .
‏شهر جمادى الأولى ، أوله السبت‏:
نزهة السلطان
( وفي هذا الشهر‏:‏ كثر ركوب السلطان للصيد‏. )
رسول من مراد الثانى العثمانى بهدية الى برسباى
( فيه قدمت رسل مراد بن محمد كرشجى بن بايزيد بن عثمان ملك الروم بهدية‏.)
هل لهذا صلة بوجود ابن أخ مراد الثانى في حوزة برسباى ؟
الحج
( وفي سادسه‏:‏ برز الأمير جانبك وإبن المرة إلى ظاهر القاهرة ، وتلاحق بهما جماعة ، إلى أن إستقلوا بالمسير إلى مكة في عاشرة‏. )
وظائف أكابر المجرمين
( وفى ثالث عشرة‏:‏ خلع على دمرداش وأعيد إلى نيابة الوجه البحرى، عوضًا عن حسن بيك التركمانى‏. )
عزل التركمانى اللاجىء الى برسباى ، وتعيين غيره في الضيعة التي يملكها برسباى ، واسمها ( مصر ).
رجوع الحملة على أعراب البحيرة
( وفيه أيضا ، قدم الأمير قرقماس الشعبانى أمير سلاح ، والأمير جانم أمير أخور ، والأمير قراجا شاد الشرابخاناه ، والأمير تمرباى الدوادار الثانى ، من تجريدة البحيرة ، وصحبتهم الأمير حسن بك بن سالم الدكرى التركمانى، وقد عُزل ، ومحمد بن بكار إبن رحاب وقد دخل فى الطاعة‏. ).
تعليق
تصالح زعيم أعراب البحيرة مع المماليك ، وجاء للسلطان يُعلن الطاعة . يتحاربون ويتصالحون فوق أجساد وجثث الفلاحين المصريين المستضعفين في الأرض ... في أرضهم .!

عصام الخفاجي مناضل واكاديمي وباحث يساري في حوار حول دور وافاق اليسار والديمقراطية في العالم العربي
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي