روسيا والسد الأثيوبي: عودة المسألة الأوربية في شكلها الديني

حاتم الجوهرى
2021 / 7 / 26

بالأمس 24 يوليو وبفارق يوم واحد تقريبا خرجت تصريحات من وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف تتناول مسيحي الشرق الأوسط، وخرج بيان رسمي من وزارة الخارجية الروسية يتناول أزمة "السد الأثيوبي"! وربما قد تبدو تصريحات الوزير سيرغي بعيدة في ظاهرها عن بيان وزارته فيما يخص السد الأثيوبي.
لكن الصلة بينهما أعقد وأعمق مما يتخيل البعد، وتشي بأن هناك تحولا خطيرا يجري في الكواليس تجاه المنطقة العربية، وأنه إذا لم تلتفت له الفواعل السياسية في المنطقة وتبادر بطرح مقاربات مضادة لمواجهته، فستكون العواقب وخيمة والثمن سيكون باهظا للغاية.

تصريحات دينية
لدولة شيوعية سابقة!
صرح سيرجي لافروف لقناة "روسيا 24" قائلا: "إن مئات الآلاف من المسيحيين فروا من الشرق الأوسط عندما بدأ فرض "الديمقراطية" هناك". واستطرد في الحديث نفسه قائلا: "إن وزارة الخارجية الروسية بالتعاون مع الكنيسة الروسية تتخذ "خطوات ملموسة لحماية المسيحيين، وخاصة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا". وفَصلَ لافروف إِجمالَ حديثه حين قال: "لقد هرب مئات الآلاف منهم بعد أن بدأ هناك فرض الديمقراطية، في العراق في البداية، ثم في ليبيا وسوريا".

من المادية الليبرالية والماركسية
إلى المسيحية الشرقية والغربية
وفي الواقع تطرح تصريحات لافروف دلالات خطيرة للغاية في تحليل مضمون روسيا و توجهاتها نحو المنطقة العربية؛ في إشارة لعودة روسيا لمرحلة الصراع والتدافع مجددا مع أمريكا، لكن هذه المرة واستنادا على تحليل "المسألة الأوربية" وتناقضاتها التاريخية، لن يكون التدافع بدافع مادي أيديولوجي بحت ألحت عليه "المسألة الأوربية" قديما حول الصراع بين المادية الرأسمالية الليبرالية أو المادية الشيوعية التنميطية، لأن "المسألة الأوربية" قد استهلكت هذه الشعارات بالفعل.
لذا فتعود روسيا هذه المرة للتدافع والصراع حول منطقة الشرق الأوسط بحجة مضمرة وكامنة في "المسألة الأوربية"، فهي وإن ادعت في تطرفها المادي تجاهل الجانب الروحي أو الديني، إلا أن فكرة الحملات الصليبية والتبشير المسيحي لم تغادر الذهنية "الجرمانية" أبدا، وكثيرا ما كان يرتبط الاستعمار الغربي بنشر التبشير بالديانة المسيحية.

حضور العنصر الجرماني المتطرف نفسه لـ"المسألة الأوربية"
في أمريكا الحديثة وروسيا التاريخية
وهنا لابد من الإشارة إلى أن النقيض والطرف الآخر من "المسألة الأوربية" مع دونالد ترامب والمادية الرأسمالية؛ قد وصل للنقطة نفسها في مشروع "صفقة القرن" لتفكيك القضية الفلسطينية والسيطرة على الذات العربية، حينما أعلن عن "الاتفاقيات الإبراهيمية" وانتصر لوجهة النظر الدينية المرتبطة بالمسيحية الصهيونية.
وإذا كنا أشرنا سابقا لأمريكا باعتبارها مستعمرة تنتمي للقبائل الجرمانية سكان شمال أوربا التي هاجرت وسيطرت على الموجة الحضارية الأوربية الثالثة، بعد الموجة اليونانية والرومانية، لقلنا أن روسيا في متنها التاريخي الأبرز تنتمي للهجرات الجرمانية نفسها وثقافة تلك القبائل المتطرفة والعنصرية,

المزايدة الدينية
والخلطة المسيحية الروسية الشرقية
فهنا يزايد لافروف على نقيضه الأمريكي على الأرضية الدينية نفسها؛ لكن مع إشارة مضمرة وكامنة إلى أن الخلطة الدينية المرتبطة بالليبرالية الغربية لم تحقق الغرض منها، وذلك حينما أشار إلى "فرض الديمقراطية" وهو شعار أمريكا دوما في احتلال العراق والتدخل في ليبيا وسوريا، لذا من المتوقع قريبا أن تطور روسيا الخلطة الدينية الشرقية المرتبطة باشتراكيتها القديمة، في خططها الكامنة للدخول على خط اقتسام غنائم "الذات العربية" إن لم تستيقظ تلك الذات وتتوصل إلى مقاربة مضادة، ردا على محاولات إعادة إنتاج تناقضات "المسألة الأوربية" القديمة نفسها، ولكن بوجوه جديدة في القرن الحادي والعشرين.

تصريحات شديدة العداء لموقف مصر
في السد الأثيوبي
خطورة تصريحات لافروف تكمن في تزامنها مع بيان وزارة الخارجية الروسية في اليوم ذاته؛ والتي كانت سافرة الوجه -وباردة برودة قاتلة- في تحفزها للخطاب المصري واستعدائه ضمنا، حيث ورد في بيان الخارجية: "يثير استغرابنا ربط التعاون العسكري التقني بين الاتحاد الروسي والجمهورية الاتحادية الديمقراطية الإثيوبية بالعملية التفاوضية غير السهلة وطويلة الأمد بين مصر والسودان وإثيوبيا حول بناء محطة النهضة للطاقة الكهرومائية على نهر النيل".
واستطردت الخارجية الروسية: " ندعو إلى عدم تسييس بناء محطة النهضة للطاقة الكهرومائية بهدف تفادي أي تصعيد محتمل للتوتر القائم بين الدول المذكورة أعلاه على خلفية هذه القضية"، وقال البيان أيضا: "نود الإشارة إلى أن روسيا تقيم تعاونا [عسكريا] مشتركا مماثلا مع عدد من الدول الأخرى بينها مصر والسودان".

الخطاب الروسي: محطة لتوليد الكهرباء
وليس سدا للهيمنة وفرض الوصاية!
ويبدو الخطاب متحيزا للغاية بشكل ضمني وكامنٍ، فهو يصف السد ومشكلة حجز الماء بـ"محطة النهضة للطاقة الكهرومائية" متجاهلا وجهة نظر مصر تماما، ويدعي ضمنا أيضا أن مصر هي التي تسيس القضية متجاهلا كافة المخاطر الوجودية التي يحملها السد والتي تتبناها أثيوبيا بفكرة الهيمنة واستعداء مصر، وكان صوتهم عاليا وباردا –ووقحا كالثلج- للغاية حينما أشاروا إلى مساواة التعاون العسكري مع مصر بالتفاهم العسكري الأخير بينهم وبين روسيا.
خطورة الأمر حقيقة أنه يتشكل في الأفق استقطاب غربي جديد في ملف السد الأثيوبي؛ محاولا إعادة إنتاج تناقضات "المسألة الأوربية" على خلفية دينية صريحة هذه المرة، ولا ننس أن أثيوبيا تحاول تقديم نفسها كممثل للمسيحية واليهودية بشكل ما في أفريقيا، من ثم لا تقف تصريحات لافروف عن المسيحية في الشرق الأوسط بعيدا عن تصريحات وزارته عن القرن الأفريقي والسد الأثيوبي، كذلك تواكب ذلك مع إعلان انضمام "إسرائيل" كمراقب في الاتحاد الأفريقي.

هل يستعد الغرب بجناحيه
لتفكيك الحصن الأخير "مصر"
حقيقة الأمر أخطر مما يتخيله البعض ويتعامل معه ببساطة، ويكاد أصحاب النظر الثاقب يقولون بوجود أطروحة غربية تستعد للتفكيك الأخير للحصن الأخير للذات العربية؛ ألا ونقصد القلب والمركز التاريخي للحاضنة العربية في مصر، ويستعدون لتقاسم تركتها وتوزيع مناطق نفوذها القديم، بعد سقوط العراق وتفكيك الشام، واستقطاب الخليج، وعجز دولة ما بعد الاستقلال في المغرب العربي عن تجاوز تناقضاتها الداخلية التاريخية.

هل تصلح الحلول الجزئية
في مواجهة استراتيجيات كبرى!
حقيقة ورغم كل التناقضات التي تتعرض لها مصر فهي الحصن الأخير، الذي لو سقط لسقطت آخر معاقل الذات العربية في وجه المخططات الغربية يسارا ويمينا، وهنا لابد من المواجهة والصراحة مع النفس بطرح السؤال: هل يصلح التكتيكي للتعامل مع الاستراتيجي؟!
هل تصلح كل التكتيكات الصغيرة العظيمة مهما كانت ناجعة للتصدي لإعادة إنتاج "المسألة الأوربية" وتناقضاتها القديمة بين الشرق والغرب، على حساب الذات العربية!
وهل يمكن لبعض المقاربات القديمة التكتيكية والجزيئة التي يطرحها البعض على الدولة المصرية، أن تواجه مقاربة كلية واستراتيجة فادحة الخطورة مثل التي يخطط لها الغرب يمينه ويساره حاليا للذات العربية، وفي حصنها الأخير مصر!!

ضرورة تبنى مصر لاستراتيجية
"ما بعد المسألة الأوربية"
أقول أنه توجد استراتيجية ومقاربة تكاد تكون وحيدة لمواجهة مخططات إعداة إنتاج تناقضات "المسألة الأوربية" في أشكالها المادية الأيديولوجية القديمة أو الدينية الجديدة؛ وهي مقاربة "ما بعد المسألة الأوربية" التي تطرح صراحة خطاب الرفض لسياسات أمريكا وروسيا والغرب بأكمله بحجة الوصاية على الذات العربية.
إن لم تحتضن مصر صراحة خطابا سياسيا استراتيجيا يخلق "استقطابا عالميا مضادا" يرفض إعادة إنتاج "المسألة الأوربية"، فسوف تفاجئ مصر قريبا -والذات العربية معها- بتصويرها في صورة المعتدي والمستحق للعقاب والذي يحتاج لفرض الوصاية الغربية عليه، سواء من الشرق أو الغرب، والصين ستقف متفرجة انتظارا لبحث دورها مع إعادة إنتاج "المسألة الأوربية"، لأنها تنتصر أيديولوجيا لشعارات المادية الماركسية القديمة.

أهمية المبادرة بخلق "استقطاب عالمي "
قبل أن نكون ضحية لاستقطاب يُجهزُ
حقيقة تكاد مصر تملك فرصة وحيدة لإنقاذ الذات العربية من مصير يلوح في الأفق، وتملك الفرصة للتحول القوي وخلق استقطاب عالمي مضاد في سياساتها الداخلية، يستبق مخططات روسيا وأمريكا كي يرثونها حية ويوزعون تركتها عليهم.
ببساطة الأمر هكذ؛ إما نجحت أمريكا وروسيا والصين والغرب بأكلمه في فرض "المسألة الأوربية" على مصر –والذات العربية- وإعادة إنتاج تناقضاتها بأشكال دينية أو أيديولوجية أو ثقافية..
أو بادرت مصر –بوصفها الحصن الأخير للذات العربية- بحشد كل مواردها وراء استراتيجية مضادة تنادي بـ"ما بعد المسألة الأوربية"، وتدعو لها في كل مكان بالعالم.







هوامش:

- موقع روسيا اليوم الإخباري بتاريخ 24/7/2021
https://arabic.rt.com/world/1255099
- موقع روسيا اليوم الإخباري بتاريخ 23/7/2021
https://arabic.rt.com/middle_east/1255013

عصام الخفاجي مناضل واكاديمي وباحث يساري في حوار حول دور وافاق اليسار والديمقراطية في العالم العربي
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي