التصميم والضبط الفيزيائي الدقيق

يحيى محمد
2021 / 7 / 24

يختلف الجدل المتعلق بالادلة الفيزيائية حول «التصميم الذكي» عن نظيره المتعلق بالادلة الحيوية. فعادة ما يفسر نشوء الظواهر الحيوية بالاعتماد على قانون الانتخاب الطبيعي كبديل عن التصميم، وان التطور قائم على هذا الانتخاب دون حاجة الى افتراض الاخير. اما في عالم الفيزياء فالحال مختلف لعدم تضمنه لقانون الانتخاب، وبالتالي فان المعارضة جاءت من منطق اخر مغاير.
وفي القبال تستند اطروحة التصميم الى ادلة قائمة على اساس مشترك في العالمين الحيوي والفيزيائي. ففي كلا الحالين تعتمد هذه الاطروحة على المنطق الاحتمالي، وبالتحديد الكشف عن ضآلة الاحتمال العشوائي التي تسببه الصدفة العمياء لدى كل من النظم المعقدة للكون والحياة. مع اخذ اعتبار ان تطبيق المنطق الاحتمالي على القوانين والثوابت الدقيقة للكون انما يجري وفق الحالة الافتراضية المتخيلة. ومبرر ذلك هو انه لا يمكن الوقف عند الضبط الدقيق لهذه القوانين والثوابت، كما لا يمكن اعتبار نشأتها تلقائية بفعل الحتمية او الجواذب الذاتية كما تفرضها طبيعة المادة والطاقة من دون اعتبار اخر. فهي كمسألة الحياة لا يمكن افتراض نشأتها تلقائية. وبالتالي لا بد من تحليلها الى المنطق الاحتمالي وعلاقته بالصدف العشوائية.
ففي الفيزياء ثوابت رياضية عديدة هي منبع القوانين والخصائص الدقيقة، وبحسب اطروحة التصميم ان من غير المنطقي ان يكون مصدرها الصدفة العمياء. وبعض الارقام المقدرة في هذا المجال هي ارقام فلكية كبيرة، لذلك يعرف الدليل القائم عليها بالضبط الدقيق للكون، ويشار اليه احياناً بالمبدأ الانساني، لأن اي اختلاف ضئيل في ضبط العلاقات الكونية سوف يمنع من ان تنشأ الحياة وما ترتّب عليها من ذكاء. وبحسب الفلكي الانجليزي جون بارو John Barrow والفيزيائي الامريكي فرانك تبلر Frank Tipler فان حجج المبدأ الانساني قد اُستخدمت بنجاح طيلة التاريخ العلمي كله.
مع هذا فان عدداً من النقاد يعتقدون أن مسألة التغييرات الطفيفة في الثوابت الفيزيائية لن تؤدي إلى إنشاء كون مختلف بشكل كبير عن عالمنا الذي نعرفه، بل قد يشابهه.
ومن الفيزيائيين من اشار الى وجود اكثر من 100 خاصية دقيقة للكون، تسمى الثوابت الانسانية. ومن ذلك ان الفلكي اللاهوتي هيو روس Hugh Ross أشار الى ان قائمة خصائص تصميم نظامنا الشمسي المناسبة لايجاد الحياة على الارض قد تزايد اكتشافها حيناً بعد آخر، ففي عام 1966 كانت الخصائص الدقيقة المكتشفة عبارة عن اثنتين، ثم نمت الى ثمانية نهاية الستينيات، وفي نهاية السبعينات اصبحت 23 خاصية، ثم تحولت في نهاية الثمانينات إلى 30، حتى وصلت القائمة بعدها الى 123 خاصية دقيقة.
وقد اقتصر بعض الفيزيائيين على ذكر ستة ثوابت، كما جاء في كتاب مارتن ريس Martin Reesالموسوم (فقط ستة ارقام Just Six Numbers).
ومن اهم هذه الثوابت الانتروبيا الاولية والثابت الكوني وطاقة الفراغ والبنية الدقيقة وثوابت القوى الاربع للطبيعة وكتل الجسيمات وغيرها..
وبالنسبة الى الانتروبيا الاولية او الشروط الابتدائية لنشأة الكون، فهي تفترض كما حددها عالم الرياضيات البريطاني روجر بنروز ان الكون بدأ ناعماً وليس عشوائياً فجاً، وقدّر قيمة هذه النعومة بثابت يساوي 10-123. ويعني هذا المقدار ان للخالق قائمة لا حدود لها من الشروط الابتدائية الممكنة، ولا ينفع فيها سوى اختيار انسبها ليكون الكون على ما هو عليه الان من سلاسة ونظام.
وفي هذه الرؤية القائمة على النموذج الافلاطوني فان الكون يصبح محدداً باكمله تبعاً لمخطط رياضي دقيق ولجميع الازمنة. فبنروز يشاطر اينشتاين في مقولته التي يرى فيها العالم منظماً الى درجة يصعب معها خيار اخر لخلق الكون، خلافاً للكوانتم التي ترى عوالم مختلفة متعددة ذات تواريخ مختلفة والتي لم يرتح اليها بنروز.
هذه هي الشروط الابتدائية التي تتحدد عليها سائر الثوابت، وعلى رأسها ثابت تمدد الكون المتعلق باول دفعة للانفجار العظيم، فهي ذات سرعة محددة لا تزيد ولا تنقص بمقدار ضئيل للغاية هو 10-60. اذ لو كانت سرعة تمدد الكون ابطأ قليلاً لانهار الكون على نفسه الى الداخل، ولو تمدد اسرع قليلاً لما كان هناك وقت لتشكل بنى المجرات والنجوم والكواكب، ولا كان هناك شيء يطلق عليه ثابت البنية الدقيقة. ولو كانت الشروط الابتدائية قد بدأت بشكل اخر لما كانت هناك نجوم ولا كواكب ولا حياة.
وبالنسبة الى ثابت طاقة الفراغ فيعود الى ما تنبأ به الميكانيك الكمومي بوجود الجسيمات الافتراضية في الفراغ لتوليد مضاد الجاذبية ليحصل توازن شبيه بما اقترحه اينشتاين حول الثابت الكوني الذي يعمل على استقرار عالمنا. وتحدد هذه الطاقة بانها ذات كتلة ولها قيمة معينة، وهي تعمل على عكس تأثير جاذبية المادة فتؤدي الى اتساع التمدد كما في حالة التضخم.
لكن أظهرت الحسابات ان هذه الطاقة عند تحويلها إلى كتلة فستعادل (1093 غرام لكل سم مكعب)، وهو مقدار ضخم للغاية، وتعتبر أكبر فشل للتنبؤ النظري في تاريخ الفيزياء. فالفراغ الخالي لا يحمل سوى أقل قدر ممكن من الطاقة، وهي المسماة بالحالة القاعية.
أما الثابت الكوني فهو صغير جداً وموجب مما يسمح بالحياة. وقد جاء على خلفية تقدير كمية المفقود من كثافة الكتلة الكونية، والمقدرة بحوالي (80ـ90%)، الامر الذي ينهض باعبائها هذا الثابت. وكان ستيفن واينبرغ قد حدد خلال ثمانينات القرن الماضي قيمة هذا الثابت بمقدار 10-121 من وحدات بلانك، اي نحو 10-27 غرام لكل سنتمتر مكعب من الفضاء. لكن بحسب التقديرات الحالية يكون الثابت عبارة عن 10-124 وحدة بلانكية، وهو يعني انه لكي يتحقق كون منتظم فيه حياة فسوف يحتاج الى ما لا يقل عن 10124 كون ليصادف واحد منها كوناً مثل الذي نعيشه.
اذ لو كان هذا الثابت كبيراً وسالباً لمرّ الكون بدورة توسع وانكماش اسرع من ان تتيح زمناً كافياً لنشوء الحياة. ولو كان كبيراً وموجباً لجعل توسع الكون ابدياً من دون ان تتاح الفرصة لتشكّل المجرات والنجوم التي تتوقف عليها الحياة.
وبالنسبة الى ثابت البنية الدقيقة، فهو يحدد خصائص الذرات والجزيئات، ويعرف بانه مربع شحنة الالكترون مقسوماً على سرعة الضوء مضروباً بثابت بلانك، ويقدر بحوالي 1/137. فلو كان هذا الثابت مختلفاً بمقدار أقل من 1٪ تقريباً، فسوف لا تكون ذرات أو جزيئات كما نعرفها. كما يحدد هذا الثابت كيفية انتقال الإشعاع الشمسي وكيفية امتصاصه في الغلاف الجوي للأرض، ومثل ذلك كيفية عمل التمثيل الضوئي كما تحتاجه الحياة.
يضاف الى ان لهذا الثابت اهمية للتفاعل الكهرومغناطيسي لتكوين الكاربون ضمن الاندماج النجمي، فلو اختلف بنسبة 4% فقط فسيكون من المحال انتاج الكاربون. وبدون وجود كمية كافية من هذا العنصر فإن أشكال الحياة الكاربونية لن تتحقق، ولما كنا هنا.
وكذا هو الحال بالنسبة الى ثوابت القوى الاربع للطبيعة والنسب الدقيقة فيما بينها، فاي تغيير لها مهما كان ضئيلاً فسوف يجعل الكون مختلاً وغير قابل للحياة. وكان التوازن العجيب لهذه القوى قد ادهش العلماء. والنظرية المعول عليها حالياً ترى ان هذه القوى قد تشكلت في اقل من جزء من المليون من الثانية بعد الإنفجار الكوني العظيم. ولو تأخر هذا التشكل ولو بأقل مقدار لتشتت مواد الانفجار دون امكانية لصنع المجرات والنجوم والكواكب.
ولو بدأنا بالقوة النووية الشديدة، وهي اعظم القوى الاربع، اذ هي اقوى من تأثير القوة النووية الضعيفة بحوالي 106 مرة ، ومن الكهرومغناطيسية بحوالي 137 مرة، ومن الثقالة او الجاذبية بحوالي 10138 مرة. وثمة من حدد طاقتها بمقدار (0.007)، ولو كانت اصغر، مثل ان تكون (0.006)، فسوف لا يتكون اي شيء اخر في الكون سوى الهايدروجين. اما لو كانت بمقدار (0.008)، فستلتحم البروتونات مباشرة ولم يبق شيء من الهايدروجين ليوفر الوقود في النجوم العادية ولما تكون الماء، أما اذا كانت اكثر من تلك القيمة لتنافرت البروتونات من بعضها البعض من دون التحام.
كما من خاصية هذه القوة هي انها تجعل الانوية مستقرة، فاي تغير طفيف في الشدة النسبية بين هذه القوة والكهرومغناطيسية سيجعل النواة مضطربة. فهي تتغلب على قوة التنافر بين البروتونات التي تحدثها القوة الكهرومغناطيسية، وبذلك تستقر النواة.
كذلك الحال مع القوة النووية الضعيفة، حيث يقدر ثابت قوة الربط فيها بين (10-7 و10-6) مقارنة بثابت ربط تأثير القوة النووية الشديدة المقدر بحوالي واحد، وهي بذلك اضعف من القوة الكهرومغناطيسية التي تبلغ حوالي (10-2). لذا لو كانت القوة النووية الضعيفة اكبر قليلاً لتحول الكثير من الهيدروجين إلى الهليوم بداية الانفجار العظيم، وهو ما يؤدي الى احتراق النجوم بسرعة فائقة. اما لو كانت اصغر فسينتج القليل جداً من الهيليوم بداية الانفجار العظيم، وهو لا يكفي لتوليد عناصر ثقيلة في النجوم. وفي كلا الحالتين لا يمكن للحياة ان تنشأ.
كذلك لو كانت القوة الضعيفة اقل مما هي عليه لما تكون الكاربون، وهو العنصر الاساس في خلق الحياة. ومثل ذلك لو كانت القوة النووية الشديدة مختلفة بنسبة 1% اقل او اكثر فسيعطل ذلك رنين الكاربون من العمل، ومن ثم لا يتم صنع الكاربون والعناصر الاثقل منه. ومعلوم انه حتى مطلع خمسينات القرن العشرين كان تخليق العناصر الثقيلة بدءاً من الكاربون فصاعداً يمثل لغزاً كبيراً، لكن فريد هويل قام باكتشاف رنين نشط بما يكفي للسماح بتفاعل نووي ثلاثي الهليوم لانتاج نواة الكاربون. والمقصود بالرنين هو مستوى من الصدى او الطاقة الناتجة عن تصادم شظايا الانوية. وقد اعتبر فريد هويل ان مثل هذا الاكتشاف في الفيزياء، مع ما يرد في الكيمياء والبايولوجيا، كلها تشير الى التفسير الفطري السليم بان عقلاً فائقاً هو من قام بتسخير هذه المهام الكونية، وأنه لا توجد قوى عمياء تستحق الحديث عنها في الطبيعة.
كما إذا كانت القوة الكهرومغناطيسية أقوى أو أضعف قليلاً، فإن الروابط الذرية، وبالتالي الجزيئات المعقدة، لا يمكن أن تتشكل. كما ان اي تغيير بسيط في هذه القوة مثل (4%)، ومثل ذلك اي تغيير ضئيل في القوة النووية الشديدة مثل (0.5%)، سيفضي الى تدمير: إما كل الاوكسجين، او كل الكاربون في النجوم.
تبقى الثقالة او الجاذبية، فلو كانت قيمتها أكبر بقليل فستصبح النجوم ساخنة جداً فتحترق بسرعة كبيرة ومن ثم ينتهي وقودها دون امكانية حفظ الحياة. ولو كانت أصغر فستصبح النجوم باردة جداً دون امكانية حصول الاندماج النووي الذي يترتب عليه انتاج العناصر الثقيلة اللازمة لكيمياء الحياة.
كذلك لو كانت الثقالة اكبر لصارت النجوم كلها اشعاعية، أما لو كانت اقل لاضحت كلها حملية، وفي كليهما تمتنع الحياة.
ولولا الثقالة لكانت الشمس غازاً متناثراً. ولولا التفاعلات الحرارية النووية للشمس لكانت الاخيرة اشد حرارة واصغر حجماً ولادى ذلك بها الى الموت، وان التفاعلات النووية الحرارية تساهم في خفض انتروبيا الشمس.
يضاف الى ما سبق، يجب أن تكون نسبة القوة الكهرومغناطيسية إلى الثقالة متوازنة بشكل دقيق جداً. وإذا ازدادت بشكل طفيف على قيمة (10-40) فان جميع النجوم ستصبح أكبر من شمسنا بما لا يقل عن 40٪. وهذا يعني أن حرق النجوم سيكون قصيراً وغير متوازن لدعم الحياة المعقدة. وإذا انخفضت هذه القيمة قليلاً، فإن جميع النجوم ستكون اصغر من شمسنا بما لا يقل عن 20٪. وهذا من شأنه يجعلها غير قادرة على إنتاج عناصر ثقيلة ضرورية لنشأة الحياة والحفاظ عليها.
كما تمتد النسب الدقيقة الى الجسيمات الذرية، من حيث اعدادها وكتلها وغير ذلك، فاي اختلاف صغير فيها قد يؤثر على اضطراب الكون وانعدام الحياة. وقد تكلم الكثير من الفيزيائيين بهذا الشأن. ناهيك عن اهمية احجام وكتل ومواقع الشمس والارض وسائر الكواكب بالنسبة الى الحياة، ومثل ذلك اهمية الغلاف الجوي وغرائب الماء والهواء ونسب عناصره مما له علاقة مباشرة بحفظ الحياة.
الاعتراض على حجة الضبط الفيزيائي
لقد تم تقديم بعض الاعتراضات على حجة التصميم في الضبط الدقيق، منها القول بانه اذا لم تكن فرضية الصدفة مقنعة فذلك لا يبرر لزوم هذه الحجة. وكمثال على هذا الاعتراض انه عند رمي قطعة نقد محايدة 1000 مرة سنحصل على نتائج تشير الى ان لكل صورة توافيقية قيمة احتمالية صغيرة جداً قدرها 2-1000. لكن عدم حصولنا على صورة معينة بالصدفة لا يبرر الاعتقاد بان ذلك كان نتيجة تأثير مصمم ذكي.
وهناك من ردّ على الاعتراض السابق، كما هو الحال مع الفيلسوف اللاهوتي جورج شليزنجر George Schlesingerاعتماداً على الحدس العقلي، حيث ميّز بين اختبارين في لعبة اليانصيب، احدهما ينص بان جون قد فاز ببطاقة رابحة من بين مليار بطاقة يانصيب. والثاني ينص بان جون فاز ثلاث مرات على التوالي، في كل واحدة 1000 بطاقة يانصيب. ومن وجهة نظر شليزنجر أن رد الفعل الحدسي لهذين السيناريوهين مختلف، فرغم ان القيمة الاحتمالية للحالتين متساوية، الا ان فوز جون في ثلاث مرات متتالية تثير الدهشة وتدل على تدخل الذكاء البشري في الغش، بخلاف الثانية التي لا تعطي مثل هذا الانطباع.
مع هذا لم يقدم شليزنجر تفسيراً لمثل هذه الحالة، اذ كيف يمكن ان يكون الانطباع مختلفاً لقيمة احتمالية واحدة في الحالتين؟
وحقيقة ان من الممكن جعل الانطباع متماثلاً فيما لو حددنا البطاقة الرابحة قبل عملية السحب، ومن ثم ظهرت النتيجة موافقة لهذا التحديد المسبق، اذ في هذه الحالة يصبح الاختباران متكافئين.
أما لماذا لم نندهش في حالة الاختبار الاول المشار اليه؟ فذلك لأن جميع البطاقات متكافئة، وانه لا بد من فوز واحدة منها من دون ان يدعو ذلك للدهشة؛ سواء كانت البطاقة الرابحة تعود الى جون او غيره. في حين يختلف الحال في الاختبار الثاني، وبداية سوف لا نتعجب فيما لو فاز جون في الدورة الاولى، لكن بعدها يظهر التعجب، وسبب ذلك يعود الى حصول عدم تكافؤ شديد بين النتائج الخاصة بسحب جون من جهة، ونتائج البطاقات الاخرى من جهة ثانية. في حين من المتوقع ان تكون النتائج متكافئة للبطاقات او الافراد المشاركين في السحب المتكرر باستثناء واحدة تفوز للضرورة لا على التعيين.
مهما يكن فقد كان غرض شليزنجر من المثال السابق هو الاستدلال على وجود خالق لهذا الكون قصداً من خلال استكشاف نحو 20 خاصية فيزيائية دقيقة تدعم وجود الحياة وحفظها.
وقد تعرضت هذه الفكرة الى النقد من عدة نواح كالتالي:
1ـ ان الخصائص المذكورة في صلاحيتها لدعم الحياة انما تنطبق على الحياة الكاربونية.. لكن لو افترضنا انها مختلفة بعض الشيء، فقد لا يمنع هذا الاختلاف من ان يناسب حياة اخرى غير كاربونية.
وحقيقة ان هذا النقد هو مجرد فرضية محتملة، وفي هذه الحالة حتى لو صدقت فان جملة من الخصائص الدقيقة تعتبر ضرورية لنشأة الحياة؛ سواء كانت كاربونية او غير كاربونية. وبالتالي ليس في هذا النقد ما يمكن ان يدحض تلك الحجة تماماً.
2ـ يمكن تفسير الخصائص الدقيقة اعتماداً على فكرة الاكوان المتعددة كما ذهب اليها عدد من الفيزيائيين. وهو ما يعني ان نشأة الحياة تصبح حتمية لا صدفة، فالحال اشبه بحتمية الفوز باحدى بطاقات اليانصيب لا على التعيين.
ويعتبر هذا النقد شائعاً وسط الفيزيائيين، لكنه لا يحل مشكلة نشأة الحياة، ناهيك عن ان فكرة الاكوان المتعددة تعاني من عيوب قاتلة، كما فصلنا الحديث عنها في بعض الدراسات المستقلة.
3ـ يعتمد سبب اعتقادنا بفوز جون في الحالات المتكررة كما في المثال السابق على حقيقتين تجريبيتين، احداهما علمنا المسبق بوجود اذكياء لديهم دوافع وقدرات يمكن ان تسبب عمداً ما يحصل من غش وتلاعب في اليانصيب. والثانية انه سبق علمنا بحصول مثل هذه الحالة المفسرة وفق الغش والتلاعب. لذا فبدون وجود هاتين الحقيقتين لا يمكننا تبرير التصميم في مثل هذه الحالات. اي انه لو حصل لجون ان فاز ثلاث مرات او اكثر على التوالي سوف لا نندهش ولا نفسرها وفق الغش والتزوير لولا علمنا المسبق بحصول مثل هذه الحالات، او لعلمنا بوجود دوافع وقدرة على ايجاد هذا النوع من الغش الخادع.
أما مع فرضية التصميم الذكي للكون فنحن لا نمتلك اي خبرة سابقة، كما ليس لدينا علم ان كانت هناك دوافع وقدرات تسبب التصميم ام لا. لذلك لا يمكننا استنتاج الاخير عبر الضبط المتنوع والدقيق للكون.
هذا هو مفاد النقد الثالث، ومن السهل الرد عليه، حيث ان استنتاج الغش في المثال السابق لا يتوقف على الحالتين المذكورتين، بل ذلك ما يفرضه المنطق الاحتمالي، لذا ليس عليه خلاف بين البشر، بل ان نفس الحالتين المذكورتين قد تحصلان في حالات اخرى دون ان يستنتج منها ما يدل على الغش او التصميم.
كما طرح الفيلسوف روبن كولينز Collins Robin حجة مخففة لصالح التصميم عام 1999، وهي ان ملاحظة الضبط الدقيق توفر سبباً لقبول فرضية التصميم وترجيحها على الالحاد من دون ان تثبتها؛ طالما ان من الجائز دحضها بادلة اخرى فيما لو توفرت. لكن بما اننا اليوم نمتلك فرضيتين احداهما تعبر عن التصميم، والاخرى تعبر عن الصدفة، فان لحاظ الضبط الدقيق للكون يوفر سبباً لقبول فرضية التصميم واستبعاد فرضية الصدفة، فالاولى مرجحة على الاخيرة، لكنها ليست لزومية او حاسمة.
وبلا شك ان هذه الحجة المخففة تذكّر بما استدل عليه ثاكستون في (لغز اصل الحياة) عام 1984 قبل ان يتحول بعد سنتين الى استنتاج الحجة وليس مجرد معقولية الفكرة او ترجيحها.

فهد سليمان نائب الامين العام للجبهة الديمقراطية في حوار حول القضية الفلسطينية وافاق و دور اليسار
لقاء خاص عن حياته - الجزء الاول، مؤسسة الحوار المتمدن تنعي المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب