إغلاق الصحف المسائية..ألف مبروك..عقبال الصباحية!

محمد القصبي
2021 / 7 / 24

هنيئا للصحافة المصرية ..لكل مصر ..توقف إصدار النسخة الورقية من الصحف المسائية!
هل تبدو تهنئة "شاذة" ؟!..وقد تفجر حالة من الاستهجان ..من الغضب ..ربما من الذهول لدى هيئات التحرير بتلك الصحف ..خاصة هؤلاء الذين نصبوا سرادقات العزاء في فضاءات السوشيال ميديا..ويبندون القرار في خانة "أبشع" الكوارث الصحفية..؟!
لكن لو تروينا قليلا ..لربما رأينا الحقيقة الموجعة.. أنه قرار صائب.. تأخر مايقرب من العقد..وأنه ينبغي ..بل من الحتمي أن يتبعه وسريعا قرارات أخرى تنهي مهزلة الصحافة الورقية في مصر!!
...
في أواخر القرن التاسع عشرة طرق رجل الأعمال الأمريكي الشهير هنري فورد باب أحد أصدقائه الأثرياء ..قال له : لديَّ مشروع ، وأود أن تكون شريكي.
سأله الثري: أي مشروع ؟
قال فورد: مصنع للسيارات.
صاح الثري وهو يقهقه:أي سيارات تتحدث عنها عزيزي فورد ..كنت أظنك ترى مثلي أن المستقبل للحصان!
وإني أراهم -كثر في بلاط صاحبة الجلالة - مثل الثري الأمريكي..يراهنون على الحصان!
وهذا ما أرهقني منذ أكثر من عقد ..وأنا أصرخ في يأس عبر كتاباتي وفوق المنصات ..أن الصحافة الورقية على وشك الانقراض ..وأن المستقبل للصحافة الأليكترونية ، وأن المسئولين عن الصحافة المصرية ينبغي أن يسارعوا بالتعامل والتكيف مع تلك المستجدات، لكنهم -العديد منهم- يتجاهلون تلك الحقائق، حتى انهم ينشئون مطابع ويسعون إلى الاستثمار في مصانع للورق ، وشراء سيارات للتوزيع!
إنهم للأسف
يشيدون مزارب ومعالف .. للحصان!
حتى شاع في دواخلي الأمل من خلال وجوه عشرات الطلاب والطالبات..حين كنت ألقي محاضرة في كلية البيان للصحافة في العاصمة العمانية مسقط..في أبريل عام 2014 ..كانوا يتابعون ما أقول ..ربما بدهشة ..لكن بتفهم، أن الصحافة الورقية سوف تنقرض ، وأن رائحة الموت بالفعل بدأت تفوح منها منذ سنوات.
وسقت لهم العديد من الوقائع ، صحيفة/كريستيانساينس مونيتور الأمريكية أوقفت نسختها الورقية عام
2008. ،
توقف النسخة الورقية لصحف
ومجلات مثل فرانس سوار،نيوزويك وإنديبيندنت
الأسبوعية ، الموسوعة
البريطانية الشهيرة أيضا أوقفت طبعتها الورقية.
قلت أن هذا ما تنبأ به حتى أباطرة
خبراء شركة مايكروسوفت منذ أكثر من عقد حين قالوا إن نهاية
الصحافة الورقية ستكون عام 2018 ..بينما توقع إمبراطور الصحافة روبرت مردوخ أن
تكون النهاية 2020.
"صحيح أننا تجاوزنا عامي 2018 و 2020 دون أن تغيب شمس الورقي ..لكن كل المؤشرات تؤكد أنها في أفول ..كما يفهم من تقرير لمعهد رويترز حول مصير الصحافة الورقية ..خاصة مع تفشي وباء كورونا..حيث توقفت مئات الدوريات الورقية ..مما يفهم منه أن الصحافة الورقية في دقائقها الخمس الأخيرة ! وربما كما قال الكاتب الصحفي د.محمد الباز في حوار تليفزيوني قد ماتت بالفعل!" ..
كان شباب كلية البيان ينصتون باهتمام ، فإن حان موعد الأسئلة فلم تكن أسئلتهم في الغالب من النوع المستهجن لما أقول ، بل توق للتعرف على ما بعد اختفاء الورقي، وهذا ما بدا منطقيا ..شباب يتواصلون مع الكوكب ..كل الكوكب عبر جهاز يحملونه في اليد لايزيد وزنه عن 200جرام ، يتابعون من خلاله ثانية بثانية مايجري من حروب وصراعات ومباريات كرة قدم ..شباب هذا حاله وهذا زمنه.. من المنطقي أن تصبح الصحافة الورقية من منظوره أضحوكة !!

ألم نلحظ هذا ..
كتيبة من رؤساء التحرير يرافقون الرئيس عبد الفتاح السيسي في زياراته الخارجية ."بالطبع على حساب مؤسساتهم التي تعاني من أنيميا مالية حادة ، والمذهل أننا كنا نفاجأ بأربعة أو خمسة منهم ينتمون إلى مؤسسة واحدة ضمن كتيبة المرافقين ، رغم أن صحفياً واحداً فقط يكفي لأداء المهمة "! فإن التقى الرئيس السيسي والرئيس الأمريكي في الثامنة مساء بتوقيت واشنطن ، أي فجر اليوم التالي بتوقيت القاهرة ، فليس مستبعداً أن تطل علينا صحفنا بعد 36ساعة بهذا المانشيت: الرئيس السيسي يلتقي ببايدن لبحث العلاقات بين الدولتين؟
هل قلت بعد 36 ساعة ؟ بل 36 سنة!
هكذا الأمر من منظور قاريء تلتهم عيناه عبر هاتفه أحداث القارات الست ثانية بثانية، وعبر البث المباشر !
لذا من الطبيعي أن ينخفض توزيع الورقي ، وهذا ما أكده تقرير للجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء،تراجع توزيع الصحف من 2.5 مليون نسخة يومياً، إلى 400 ألف نسخة في 2017 ،"أي ثلث ماكان عليه توزيع صحيفة أخبار اليوم في أواخر السبعينيات" ..
وكيف واجهت قيادات المؤسسات الصحفية خلال السنوات الماضية هذا التحول التاريخي ؟!
لاأبالغ إن قلت أن بعضهم كان يتعامل معها بأمية شديدة ،بعضهم لم يكن يرى هذه التغييرات الثورية .."وربما ..لايرى سوى نفسه والكرسي الذي يجلس عليه..ومازال هذا حال العديد منهم الآن !!"..
إنهم في عصر السوشيال ميديا يراهنون على الشاعر أبو ربابة !
فهل يعد إنهاء الإصدار الورقي للصحف المسائية برهانا على أن بيننا قيادات صحفية أصبحت تعي ا ..أن الحاضر والمستقبل للسيارة وليس للحصان ؟
...........
وعودة إلى البدايات ..إلى السؤال الذي تهربنا منه كثيرا: هل كان إصدار صحف مسائية في مصر بالقرار الصائب؟!
مع الثورة الصناعية التي شهدتها أوربا خلال القرنين ال18 و19 ..ظهرت صحف مسائية تصدر عصرا ..ووجدت اقبالاً كبيرا ..حيث بأخبارها القصيرة وموضوعاتها الخفيفة والطريفة لبت احتياجات الموظفين والعاملين العائدين من مصانعهم إلى منازلهم
فهل هذا حال الصحافة المسائية في مصر؟
على نحوما لبت صحيفة المساء التي صدرت عام 1956 حاجة قاريء الضحى و منتصف النهار إلى معرفة الجديد الذي حدث عقب صدور الصحف الصباحية ..
لكن لم يكن هذا حال الأهرام المسائي والمسائية التي بعد اندماجها في مؤسسة أخبار اليوم تم تعديل إسمها إلى الأخبار المسائي؟
أتذكر حين تولى الصديق أ. محمد الهواري رئاسة إدارة مؤسسة أخبار اليوم سألته : كيف نسمي صحيفة ب"المسائية" وهي تصدر صباحا ؟
بدا متفائلا وقال أنه يخطط لإصدار "المسائية" بعد الظهر..لتواكب انصراف العمال والموظفين من أعمالهم..
وأضاف أنه سيسعى لشراء أسطول من السيارات لتوزيع الصحيفة بعد الظهر..
لكن ذلك لم يتحقق وظلت الصحيفة التي يطلق عليها كذبا "المسائية" ثم "الأخبار المسائي" تصدر وتوزع مع صحيفة الأخبار صباحا!!!
.....
والآن ثمة
خلل آخر مضحك ..وهو احتفاظ تلك الصحف باسمها مع تحويلها إلى بوابات الكترونية ..المساء-الأهرام المسائي- الأخبار المسائي-
حيث تلاحق قارئها بالأحداث دقيقة بدقيقة عبر ال24 ساعة؟
ألا يبدو الإصرار على مثل هذه الأسماء مثاراً للسخرية؟!!!
وماذا عن الصحفيين في هذه الصحف..هل يملكون باقتدار أدوات العمل في الصحافة الأليكترونية ..من لغة ومرجعية معرفية عالية ووعيا بتحديات الداخل والخارج التي تهدد بتقويض ثوابت الدولة المصرية ..وانتماء للمهنة والوطن ..؟
ويقينا.. التخلص من أعباء الورق والطباعة سيوفر للمؤسسات الصحفية مئات الملايين من الجنيهات سنويا..ألا ينبغي إذن رفع الحد الأدنى لمرتب الصحفي الأليكتروني الذي يتخذ من الشارع مقرا لعمله ..ومتابعا على مدار الساعة مايجري من أحداث إلى 10آلاف جنيه!!
هو يستحق ذلك ..المهم أن يكون كفئا وصاحب مرجعية معرفية عميقة ..مؤمنا بأنه يؤدي رسالة.. فلايزنزن تطلعاته في كرسي أو سبوبة ..بل مع كل كلمة يكتبها تكون دوماً عينه على هموم وأحلام هذا البلد الذي ينتمي إليه.. !!

فهد سليمان نائب الامين العام للجبهة الديمقراطية في حوار حول القضية الفلسطينية وافاق و دور اليسار
لقاء خاص عن حياته - الجزء الاول، مؤسسة الحوار المتمدن تنعي المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب