العتب على قدر المحبة يا دار فواصل

كامل عباس
2021 / 7 / 24


بين يديّ كتاب
موت الديمقراطية – صعود هتلر الى السلطة وسقوط جمهورية فايمار -
تأليف الكاتب الأمريكي بنجامين كارتر هث
ترجمة عدي جوني
توزيع ونشر دار فواصل في اللاذقية
الطبعة الأولى 2019 .
دار فواصل حديثة العهد في اللاذقية وهي من الدور القليلة المهتمة بنشر ثقافة جادة ومميزة همّها تنوير العقل والقلب وليس الربح كما هي عادة الدور في العالم الآن, وحرصا مني على استمرارها في نهجها الذي تابعته في أربع روايات عالمية صدرت عنها كان لي هذا التعليق على الكتاب
حقيقة الكتاب يقدم للقارئ تجربة هامة لمن هو مهتم بالشأن العام والكاتب موفق في عرضها الى حد بعيد , لكن اعتراضي جاء على تقديم المترجم وجهة نظره في الكتاب من خلال ما سماه مقدمة المترجم
أنا أحترم الرأي الآخر ومقياس الرقي الحضاري بالنسبة لي سواء على مستوى الفرد او الحزب او الدولة هو بمقدار احترامها للرأي الآخر, والحوار بين الرأي والرأي الأخر يساعد في النهاية على مقاربتنا للحقيقة الى حد كبير , هذا يعني أنني احترم حق المترجم في إبداء وجهة نظره في الكتاب الذي ترجمه ولكن ليس كمقدمة للكتاب فمقدمته يجب ان تقتصر على ظروف الترجمة وملاحظاته في هذا المجال, اما اذا كان للمترجم وجهة نظر في مضمون الكتاب فبإمكانه نشرها - وهذا حقه- بعد صدور الكتاب وفي أي صحيفة أخرى او على الأقل تثبيت وجهة نظرة في خاتمة الكتاب كرأي .ولما كنت احمل وجهة نظر مخالفة لمقدمة المترجم وحرصا مني على القرّاء لكي يتعرفوا على الرأي والرأي الآخر في موضوع يتصل بشكل كبير في معاناتنا الحالية كسوريين كان لي هذا التعليق
ان مقدمة المترجم مقدمة سياسية بامتياز وفيها يقول حرفيا :
(يكاد الكتاب يعارض العبارة الهرقليطية الشهيرة -لا يمكن ان تسبح في النهر ذاته مرتين- لينحوا صوب ترسيخ مقولة ان التاريخ في الواقع يكرر نفسه, ولكن بأشكال وأوجه مختلفة.فالديمقراطيات الكبرى في التاريخ الانساني وضمن ظروفها التاريخية والجغرافية لم تشّكل ضمانة لعدم نشوء الديكتاتوريات, بل على العكس تماما نجد ان أنظمة ديمقراطية متعددة أسهمت في إنتاج أبشع الانظمة الديكتاتورية مثل نظام هيتلر الذي وجد نفسه في السلطة بفضل النظام الانتخابي القائم على تعدد الأحزاب وحرية التصويت والنظام البرلماني الدستوري .
من اهم الأسئلة التي يطرحها د.هت في كتابه من وراء السطور: هل يمكن للديمقراطية والشرعية الدستورية ان تستولد أبشع أنواع الأنظمة الاستبدادية وأكثرها توحشا؟
اذن هل فشلت الديمقراطية لأنها كأي نظام سياسي تحمل في تناقضاته بذور موتها ؟
الا ترى عزيزي القارئ كيف ان المناخ العام لعالمنا، الذي يقترب من نهاية العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين لا يختلف كثيرا عما كانت عليه ثلاثينات القرن الماضي: توتر في العلاقات الدولية وتنافس محموم للسيطرة على موارد الطاقة والثروات، عولمة حركة رأس المال باسم الديمقراطية والليبرالية ......... الخ . ) ص 12 - 22
دكاترة كثيرون مثل هذا المؤلف يعملون الآن في الجامعات الأمريكية مثل جوزيف تينتر وبيتر تورشين، الذي يدرّس في جامعة كونيتِكت، وإيريك إتش كلاين الذي يدرّس في جامعة جورج واشنطن: جميعهم معاصرين للكاتب وفي عقد السبعينات من العمر يتكلمون في أمريكا الآن عن الانهيار المجتمعي وعن تفكك كل الحضارات في التاريخ والحضارة الأمريكية لاتشذ عن القاعدة فهي في طريقها الى التقكك على ما يبدو , انهم يعزفون على وتر التكرار الأبدي للفيلسوف الألماني نيتشه . لقد بدت لي أمريكا من خلال أربع روايات قدّمتها الدار مشكورة وكأنها ما تزال تعيش حرب جاهلية بين الجنوب والشمال, بين البيض والسود ,بين المؤيدين للتغيير والرافضين له واذا كان هذا التيار متشائما فهناك تيار معاكس وأقوى وأكثر تفاؤلا بالمستقبل الأمريكي وقد تحدثت عن هذا في تعليقي على رواية جنين ليمتد – التراب الأمريكي- لكن العودة الى الموضوع من قبل الدار فلسفيا بدت لي وكأنها متحيزة مع كل أسف مما اضطرني لتقديم هذه المداخلة وأكون شاكرا للدار لو عرضتها على صفحات موقعها الالكتروني احتراما للرأي الآخر
عزيزي المترجم انا القارئ لمقدمتك وترجمتك لا أرى ان العلّة في الديمقراطية بل العلّة في فهمك وأمثالك لها .انت تخلط بين اللبرالية والديمقراطية ولا تميز بينهما . اللبرالية نظام سياسي والديمقراطية أداة أو أسلوب حكم وأنت تحمّلها حدا أدني من العدالة الاجتماعية والمساواة بين الناس وهي ليست كذلك . بربك هل كان هذا العنصر شرط للديمقراطية في قديم الزمان ؟ الجواب بالتأكيد لا , فالديمقراطية نشأت في اليونان , ولم تكن معنية أبدا بالعدالة الاجتماعية بدليل أن الديمقراطية الأثينية كانت حكرا على الطبقة الحاكمة وكان العبيد محرومون من حقهم الانتخابي فيها .
كل الكتاب اللبراليين بدءا بعميدهم جيمس ستيوارت ميل مرورا بكّتاب قرن الأنوار انتهاء بالكاتب اللبرالي الأمريكي جون رويلز لهم ملاحظات على الديمقراطية وعلى سلبياتها ويتفقون حتى الآن مع الخطوط العريضة لعرض ميل في كتيبه الصغير وعنوانه - بحث في الحرية – ترجمته وزارة الثقافة عام 2004 والذي جاء فيه حرفيا :
( لا يزال استبداد العادة في كل مكان العقبة الرئيسية في سبيل التقدم البشري , ولا غرو فان العادة منافية بطبيعتها لتلك النزعة التي تطمح الى الارتقاء عن المألوف والتي تسمى بحسب الظروف تارة روح الحرية وتارة روح الاصلاح , وجدير بالملاحظة في هذا المقام ان روح الاصلاح ليست على الدوام روح الحرية , فإنها قد ترمي الى إكراه شعب على قبول ضروب من الاصلاح بالرغم من أرادته , كما ان روح الحرية عند مقاومتها أمثال هذه المجهودات قد تكون منافية لروح الاصلاح .... على أن مبدأ التقدم سواء تجّلى في صورة حب الحرية ام في صورة حب الاصلاح , لا يفتأ منابذا لسلطان العادة او على الأقل مطالبا بخلع نيرها وصدع أغلالها , ولا يزال النزاع القائم بين هاتين القوتين مصدر الفائدة وبيت القصيد في تاريخ الإنسانية بأجمعه . )) ص 109 . هذا ما دعاه على ما اعتقد الى اقتراح حق الاقتراع المتغير تدريجيا الذي يمنح أصواتا إضافية لأولئك الذين يحملون ثقافة ومعرفة رفيعة أكثر من العامة التي تستهويها استبداد العادة - من اجل تغليب كفة الرأي التنويري في المجتمع.
نعم أنا أوافقك يا عزيزي المترجم على وصفك لواقعنا الحالي أنت والمؤلف وزملاؤه في امريكا ولكنني اختلف معكم عن الأسباب التي أدّت الى هذا الواقع المرير فليس السبب هو موت الديمقراطية – هذا العنوان البائس حيث المكتوب يُقرأ من عنوانه- بل السبب في فهمنا الخاطئ لحركة التاريخ . لقد توهمنا أننا وصلنا الى لحظة من التطور أنتجنا فيها الميثاق العالمي لحقوق الانسان الذي يُعلي الانساني على الطبقي ليتبين لنا أن تلك كانت لحظة انحنى فيها الأغنياء والأقوياء لإرادة المجتمع مؤقتا بعد الحرب العالمية الثانية وهاهم يرفضونها الآن بوقاحة وأكثر ما يزعجهم المنحى العام الصاعد لعامة الناس في رفض قيمهم وأخلاقهم.
ليست اللبرالية مسئولة ابدا عما جرى للحضارة الغربية وانبعاث الفاشية فيها سواء داخل امريكا او اوروبا, الا اذا كانت الظاهرة الدينية والظاهرة الاشتراكية قبلها هي المسئولة عن فقر العالم وانقسامه الحاد بين أغنياء وفقراء
المضحك المبكي في الموضوع هو قدرة الطبقات المسيطرة على تجيير كل تلك الفلسفات والمحاولات الاصلاحية لخدمتها بالنهاية , واقعنا الحالي يقول صراحة ان الدين والاشتراكية واللبرالية جُيّرت لخدمة الفاسدين والاستغلاليين على حساب البيئة والمجتمع مع كل أسف .
لقد زورت التعاليم اللبرالية بنفس الطريقة لتبدو - كما اراد اللبراليون الجدد- لها متماهية مع فهمهم للحرية : حرية السوق ,حرية مصالح الدول الغنية, حرية الموت جوعا . حتى وصلنا الى انقسام غير مسبوق في هذه المجمعات مما مهّد لظهور إشكال جديدة من الفاشية داخلها
فقط عندما نتمكن من ثنيهم عن هذا الطريق ستفعل الحضارة فعلها لترفع من سوية وعي عامة أفراد الجنس البشري وتجعل ممارسته للديمقراطية ممارسة صحيحة لن تنتج ثانية هتلر جديد ولا ترامب جديد ولا بوتين جديد.
ما قولك عزيزي المترجم ؟

فهد سليمان نائب الامين العام للجبهة الديمقراطية في حوار حول القضية الفلسطينية وافاق و دور اليسار
لقاء خاص عن حياته - الجزء الاول، مؤسسة الحوار المتمدن تنعي المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب