كلمة في زيف وأوهام ثنائية الرأسمالية والديمقراطية

غازي الصوراني
2021 / 7 / 24


لاشك أن انتصار الثورات السياسية البورجوازية الديمقراطية في أوروبا نهاية القرن الثامن عشر دشّن ميلاد عصر جديد في هذا الكوكب، هو عصر النهضة والتنوير والديمقراطية والمواطنة ، حيث انتقلت أوروبا من مجتمع الطبيعة المحكوم لنظرية الحق الالهي إلى المجتمع المدني أو مجتمع الديمقراطية.
ويبدو أن هذه النشأة التاريخية المتفاوتة لكل من الديمقراطية الحديثة والبورجوازية كرّست لدى العديد من المفكرين تلك الثنائية أو عقد القران بين النظام الرأسمالي والديمقراطية، وهذا صحيح جزئياً ، لأن الديمقراطية الليبرالية في النظام الرأسمالي ، منذ ولادته إلى يومنا هذا ، كانت –ولا تزال- شرطاً من شروط السوق الحر والمنافسة بين الأقوياء لضمان عملية التوسع الرأسمالي كما عبر عنها "آدم سميث" في مقولته "دعه يعمل .. دعه يمر"، إلا أن هذه العملية الديمقراطية لم يكن ممكناً تطبيقها بصورة كليه على كافة الشرائح والطبقات الاجتماعية بوتائر متساوية ، لأن جذر الديمقراطية الرأسمالية ينمو ويكبر من خلال المنافسة بين الرأسماليين، او المنافسة بين الأقوياء ، في إطار قانوني أو دستوري يغلق الأبواب في وجه أي برنامج نقيض للمصالح الرأسمالية، ما يجعل من امكانية تطبيق الديمقراطية على جميع أفراد المجتمع مسألة نسبية بالغة التعقيد، مثالي على ذلك تجربة الديمقراطية الليبرالية الغربية عبر المجالس أو البرلمانات المنتخبة التي جاءت دوماً تجسيداً لمراكز القوى الرأسمالية عبر المنافسة بين الأقوياء عبر حزبين رئيسيين –غالباً- كما هو حال المجتمعات الغربية الرأسمالية عموماً والولايات المتحدة الأمريكية خصوصاً، انها إذن برلمانات القوى الرأسمالية ، التي لا تتيح المجال لأي سلطة في هذه البلدان بعيداً عن سلطة وقوة رأس المال.
وهنا بالضبط نلاحظ ان هذه الثنائية أوعقد القران بين النظام الرأسمالي والديمقراطية هو في حقيقته عقد قران بين شرائح الرأسمالية العليا المتنفذة أو نسبة 10% من مجموع السكان على الأكثر، وبين الديمقراطية الليبرالية، إذ أن وجود البرلمان المُعَبِّر عن مصالح الشريحة الرأسمالية العليا، ليس ضمانة في حد ذاته على وجود وانتشار الديمقراطية ببعديها السياسي والاجتماعي في المجتمع، حيث يمكن – والأمثلة كثيرة على ذلك- ان يستخدم البرلمان أداة لطمس جوهر الديمقراطية الاجتماعية والحفاظ على شكلها السياسي فقط .
لكن على الرغم مما تقدم ، لا أستطيع انكار أو تجاوز تطور انتشار وتكريس الديمقراطية الليبرالية في المجتمعات الأوروبية المعاصرة، كما لا أستطيع – وهذا هو الأهم- انكار إقراري واقتناعي –بالمعنى الموضوعي- بمعاني ومضامين العقلانية والحرية الفردية والتعددية السياسية والفكرية وحق الاقتراع والانتخابات التي تجلت وتفتحت في التجربة الديمقراطية الغربية، في موازاة الهيمنة البورجوازية الرأسمالية والملكية الخاصة والاستلاب في إطار المجتمع المدني البورجوازي والصراع الطبقي والتفاوت الهائل بين الثروات والدخل أو بين الطبقات الرأسمالية والطبقات الفقيرة ، بما يكرس شكلانية الديمقراطية الليبرالية، ويعري التناقض بين المساواه المواطنية وبين الصراعات والتناقضات الطبقية التي لا يمكن حلها إلا بإلغاء تلك التناقضات وتحقيق الانعتاق الاجتماعي عبر الثورات الشعبية الديمقراطية.
وفي هذا السياق لابد من اقرارنا بأن النظام الرأسمالي الذي استطاع الخروج – حتى اللحظة- من كل أزماته التي تعرض لها في التاريخ الحديث والمعاصر، ونجح في إعادة مراكمة شروط الرأسمالية من جديد عبر توفير الفرص الجديدة من خلال استغلال فائض القيمة للشعوب الفقيرة ، ومن خلال التطور العلمي الهائل، إلا أن هذا النظام بعد أن تعرض لأزمته الكبرى عام 1929 بدأ في تطبيق العديد من القوانين والأنظمة التي تحد من بشاعة الاستغلال وفق مقترحات وأفكار عالم الاقتصاد الانجليزي "جون مينارد كينز"، الذي دعا إلى ضرورة تدخل الدولة في الاقتصاد ، والبدء بتطبيق العديد من الامتيازات والضمانات التي تكفل حداً معيناً من العدالة الاجتماعية للعمال والعاطلين عن العمل ، مما أدى إلى خلق ما يسميه الفيلسوف الأمريكي "هربرت ماركيوزه" الانسان ذو البعد الواحد عبر التطور النوعي لقوى الانتاج وارتفاع الدخل في أوساط العمال ، والآثار الناجمة عن ذلك في التغيير التدريجي التراكمي الذي عزز استقرار البنية التحتية الاقتصادية والعلاقات الاجتماعية التي انتجت بدورها بنية فوقية موازية على صعيد الثقافة النخبوية والشعبية في المجتمعات الرأسمالية استطاعت –بتأثير وسائل الإعلام وضعف أحزاب اليسار- وإضعاف التناقضات الطبقية الحادة والصراع الطبقي ، وخاصة في الدول الاسكندنافية (النرويج والسويد والدنمرك) ، الأمر الذي أدى – لدى البعض- بتكريس عقد القران بين النظامين الرأسمالي والديمقراطي بصورة شموليه بكل مكونات المجتمع ، وهو استنتاج خاطئ، يقفز ويتجاوز عن الحقيقة الموضوعية التي تؤكد –عبر الوقائع- على أنه عقد قران بين الطبقة السائدة والنظام ضمن سقف محدد لا يسمح أبداً بتطوير الديمقراطية والحريات - في أوساط العمال والفلاحين والبورجوازية الصغيرة- من شكلها السياسي إلى مضمونها الاجتماعي والطبقي.
وفي هذا السياق علينا أن نتوقف ونتأمل بوعي نتائج المتغيرات النوعية في بنية النظام الرأسمالي العالمي الامبريالي المعولم خلال العقود االاربعة الأخيرة، وآثارها ليس على قوى الانتاج المادي والسلعي فحسب، بل آثارها العميقة على تحويل العلم والمعرفة والتكنولوجيا إلى قوه انتاجية هائلة، حيث لم تعد الأصول الرأسمالية التقليدية عاملاً رئيسياً وحيداً في البنية الرأسمالية في ظل بروز دور تكنولوجيا العلم والمعلومات كقوة انتاجية استطاعت أن تفرض نفسها على مجمل الأوضاع الاجتماعية والطبقات والمفاهيم في المجتمعات الرأسمالية بما يزيد من تعزيز "عقد القران" بين الديمقراطية والرأسمالية بعد أن بدأت التغيرات في بنية الطبقة العاملة، الصناعية التقليدية (البروليتاريا) لصالح أنواع جديدة من الأعمال والتخصصات لدى ذوي الياقات البيضاء من المهندسين والعاملين في قطاعات الانتاج الإلكتروني ، والمعلومات والاتصالات.
أخيراً .. إن الديمقراطية تفترض إلغاء جميع المطلقات ، وفي المقدمة منها عقود "عقد القران"، وإحلال محلها مطلق وحيد هو حرية الفكر والرأي في جميع الميادين, فالديمقراطية ليست سوى تحرير الذهن من أحكام مسبقة مهما كانت, وبالتالي فإن العلمانية شرط لا مفر منه ولابد من أن يترافق معها, هذه العلمانية تفترض فصل شؤون الدين كعقيدة فردية عن شؤون الدولة, وإقامة نظام سياسي ديمقراطي تعددي ذي طابع اجتماعي... مدني بحت ، مع التأكيد على ان الديمقراطية بدون تأمين وتطبيق مضمونها الاجتماعي لمصلحة الفقراء ، فانها تتحول الى ديمقراطية ليبرالية تسخدم جسرا لتكريس التبعية، ولا تتجاوز الحرية فيها حرية قبول قواعد الرأسمالية المعولمة وشروطها، وفي هذه الحالة ستؤدي هذه الديمقراطية الليبرالية الى مأزق اجتماعي حاد تخطى "عقد القران" المؤقت بينها وبين النظام الرأسمالي .
على أي حال ، إن كل ديمقراطية كشكل من أشكال التنظيم السياسي للمجتمع تخدم الانتاج في النهاية، وتتحدد في النهاية بالعلاقات الانتاجية في مجتمع معين ، ومن ثم فمن الجوهري تقدير التطور التاريخي للديمقراطية الاجتماعية وعلى طابع الصراع الطبقي ومدى حدّته.
والأهم من ذلك أن الديمقراطية في الأنظمة الرأسمالية لا يكون لها وجود في الحقيقة إلا بالنسبة لأعضاء الطبقة المسيطرة، القادرين على الدخول إلى ملعب المنافسة الرأسمالي . فالديمقراطية في المجتمع البورجوازي – مثلا – شكل من أشكال السيطرة الطبقية (وليس عقد قران) من جانب البورجوازية. وتريد البورجوازية أن تكون الديمقراطية – حتى حد معين – أداة لحكمها السياسي. فهي تضع دستورا، وتشكل برلمانا وغير ذلك من الأجهزة النيابية، والحريات السياسية الشكلية. ولكن مكاسب الجماهير الشعبية للاستفادة من كل هذه الحقوق والمؤسسات الديمقراطية تُنْتَقَصْ بشتى الطرق، حيث يمارس الجهاز البيروقراطي – الأمني- "الديمقراطي" لجمهورية بورجوازية أسلوباً معينا يشل النشاط السياسي للعمال وجماهير الفقراء والكادحين، ويقصيه عن الشؤون السياسية. وليست هناك ضمانات للحقوق السياسية المعلنة رسميا. ومما يميز الديمقراطية البورجوازية النظام البرلماني – أي فصل السلطتين التشريعية والتنفذية – مقرونا بنمو متميز نسبيا للأخيرة منهما، من هنا حرصنا –كمثقفين وقوى يسارية عربية- على تطوير مفهوم الديمقراطية ونقله من طابعه السياسي البرجوازي الشكلي ، إلى جوهره الحقيقي الذي تتوحد فيه الحريات السياسية جنباً إلى جنب مع قضايا التوزيع العادل للثروة والدخل وتكافئ الفرص والمساواة وكافة اوجه العدالة الاجتماعية بآفاقها الاشتراكية.

فهد سليمان نائب الامين العام للجبهة الديمقراطية في حوار حول القضية الفلسطينية وافاق و دور اليسار
لقاء خاص عن حياته - الجزء الاول، مؤسسة الحوار المتمدن تنعي المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب