الجمهورية الجديدة.. بين دولة ما بعد الاستقلال والمجتمع الفعال

حاتم الجوهرى
2021 / 7 / 24

في ذكرى ثورة 23 يوليو

بالأمس الجمعة 23 يوليو مرت الذكرى الـ 69 لثورة عام 1952م تلك الحركة العسكرية المصرية، التي أزاحت النظام الملكي من سدة الحكم، وأسست للنظام الجمهوري في البلاد.
وفي الآونة الأخيرة طرح البعض تصورات للدولة المصرية تحت شعار: "الجمهورية الجديدة"؛ وفي هذا المقال سوف نحاول إجراء مقابلة بين دولة يوليو ونظامها الجمهوري، وبين النظام الجمهوري السائد حاليا وبنيته السياسية.
بداية ربما يقول البعض أن هناك محاولة لـ"إعادة إنتاج" ظرفيات دولة 23 يوليو تماما، من جانب بعض "الحرس القديم" بالإدارة السياسية الحالية لمصر، أو يقولون إن الإدارة السياسية الحالية بخلفياتها العسكرية تميل لإعادة إنتاج الظروف نفسها الخاصة بـ"دولة ما بعد الاستقلال" عن الاحتلال الأجنبي التي تنتمي لها دولة 23 يوليو، أي الدولة التي قامت بنيتها السياسية على قلب عسكري مركزي لظروف مقاومة الاحتلال الأجنبي والتحرر منه القرن الماضي.
ويستدل القائلون بمحاولة "إعادة الإنتاج" تلك بدلائل رئيسية منها:
- تمرد تنظيم الضباط الأحرار على نظام سابق كان الملكية، وتمرد الإدارة السياسية الحالية على نظام الإخوان وإزاحته، لكن في الحالة الأولى كان الحراك نخبويا عسكريا ثم دعمه الشعب، وفي الحالة الثانية كان الحراك شعبيا ثم دعمته النخبة العسكرية.
- بدافع احتمالية وجود ازداوج في البنية السياسية استنادا لوجود نظام سابق (سواء كان الملكية في دولة يوليو أو الإخوان في دولة ما بعد 30 يونيو)، اعتمدت الإدارة السياسية في الحالتين على أهل الثقة وارتفع نفوذ التنظيم الفئوي والعلاقات الشخصية أو "التراتب الاجتماعي" للمؤسسة العسكرية ورجالها على فكرة الدولة ومؤسساتها، بحثا عن الحيطة والحذر وضمانا للولاء في ظل الاستقطاب.
- ترسيخ الازدواج المؤسسي وتداخل الأدوار والتوصيفات الوظيفية، لمؤسسات الدولة المدنية السياسية وحقائبها الوزارية ومهامها، مع أبنية المؤسسة العسكرية وحضورها في المساحات نفسها التي تعمل بها الحقائب الوزارية المدنية، من داخل المنطق نفسه الذي يقول بالثقة والطمأنينة بين أصحاب البيت الواحد، باعتبار الإدارة السياسية في الحالتين انتمت مباشرة للمؤسسة العسكرية، سواء في دولة 23 يوليو أو دولة ما بعد 30 يونيو.
- حضور التهديدات الأجنبية العسكرية المباشرة في دولة 23 يوليو، والتمددات العسكرية والمخاطر الوجودية في دولة ما بعد 30يونيو، بما كان يغري البعض بتمديد الدور السياسي للمؤسسة العسكرية لقيامهما بمهامها القومية، في استمرارٍ وإطالة أمدٍ لمشروع "دولة ما بعد الاستقلال" عن الاحتلال ودور المقاومة المسلحة فيها للاحتلال والعدوان الأجنبي.

مسارين سياسيين متجاورين
أولهما وحدة الصف
وهنا لابد من الإشارة إلى أن شعار "الجمهورية الجديدة" في الذكرى الـ 69 لدولة 23 يوليو يرى البعض أنه في حاجة لمسارين سياسيين متجاورين جنبا إلى جنب؛ المسار الأول يقوم على التأكيد على وحدة صف مؤسسات الدولة المصرية ورفدها بكل السبل الممكنة، في لحظة خطر وجودي عظيم يتمثل في مخلفات "صفقة القرن" وتيار "الاستلاب للآخر" والترويج للتصور الثقافي الغربي وتفكيك الذات العربية و الدعوة لإلحاقها به، وفي ظهور خطر وجودي أكثر قربا وتهديدا لمصر التاريخية، يتمثل في مشروع السد الأثيوبي المسمى "سد النهضة".

مسار التبصرة باستكمال المسيرة
لا إعادة إنتاج "دولة ما بعد الاستقلال"
والمسار الثاني يقوم على أهمية التبصرة بعدم إعادة إنتاج "دولة ما بعد الاستقلال"؛ وأن ترتبط الجمهورية الجديدة باستكمال مشروع التحول الديمقراطي الذي كان من المفترض أن تتجه له مصر بعد مرحلة الاستقلال والتحرر، لولا الظروف المرتبكة لما بعد حرب تحرير سيناء (عام 1973م) واختيارات الرئيس السادات التي جمدت وثبتت حضور "دولة ما بعد الاستقلال" عموما، وأسست لتحولها إلى "دولة حارسة للتناقضات" التي يرغب الغرب/ أمريكا في بقائها على ما هي عليه عند الذات العربية، حتى وصلت الذات العربية حاليا إلى مرحلة التآكل والتفكك لكن في ظل حضور رغبة شعبية جارفة في التغيير والإصلاح، تمثلت في الدعوة للاستعادة الذات العربية وثوراتها.

رصف المسافة بين تصورات الدولتين
وفي هذا السياق يطرح البعض تصوراته للجمهورية الجديدة وتصالحها مع المطالب الثورية الشعبية، بعيدا عن تناقضات الفصائل السياسية وتوظيفها في "تفجير التناقضات"، وبعيدا عن إعادة إنتاج "دولة ما بعد الاستقلال"، محاولا ردم الفجوة ورصف المسافة بين "دولة ما بعد الاستقلال" التي تمثلها الإدارة السياسية الحالية لمصر، وبين "دولة المجتمع الفعال" و"الفرز الطبيعي" التي تطالب بها الجماهير العربية.

سياسة "بناء المشترك القيمي العام"
وهنا سيكون الفيصل هو القرار والإرادة السياسية المجردة بـ"التحول الطوعي" لدى الإدارة السياسية الحالية للبلاد، واتباع سياسة "بناء المشترك القيمي العام" مجددا لدى عموم المصريين، لا الاعتماد على سياسة "الاستقطاب وتفجير التناقضات"، ويمكن أن يكون ذلك عبر مرحلة بينية أو انتقالية يتم فيها توظيف القدرات المدنية لأجهزة الجيش المصري للمساعدة في التنمية وسياساتها، لكن مع تغيير سياسات بناء "التراتب الاجتماعي" التي صاحبت فترة إزاحة نظام الإخوان وما بعدها، حيث اتسمت تلك الفترة بالاستقطاب الحاد وصعود بعض وجهات النظر داخل الإدارة السياسية الحالية التي اعتمدت على "خلق التناقضات" وتفجيرها، كوسيلة لبناء استقطاب يقوم على الولاء والمصلحة في مواجهة بقايا نظام الإخوان.
وأن يعتمد بناء "التراتب الاجتماعي" المصري على "الفرز الطبيعي" والفرص المتساوية والعدالة في إتاحة المعلومات وقواعد الاختيار و"الترقي الاجتماعي"، وتنحية "التنخيب الزائف" الذي يعتمد على شبكة العلاقات والمعارف القديمة، وكف يد آليات "الدمج والتسكين" الاجتماعي وفق الولاء والاستقطابات السياسية.

توصيفات وظيفية فعالة
لمؤسسات الدولة المدنية
ومن ثم سيحدث تعاون بين مؤسسات الدولة كلها و"كتلتها الجامعة"، لوضع "توصيفات وظيفية" فعالة لمؤسسات الدولة المدنية وحقائبها الوزارية، تضمن لها التصحيح الذاتي والنقد البناء والتطوير باستمرار والأداء الفعال، خاصة مع الانتقال لـ"العاصمة الإدارية" الجديدة.
حقيقة هناك مسافة يمكن رصفها بسهولة في "الجمهورية الجديدة" بين "دولة ما بعد الاستقلال" القديمة، و"دولة المجتمع الفعال" و"الفرز الطبيعي" والعدالة التي يطالب بها الناس، لكنها تتطلب القدرة على تجاوز مرحلة الصراع مع الإخوان ورفض إعادة إنتاج ظروف "دولة ما بعد الاستقلال" القديمة، وسيتبقى فقط إرادات الرجال وقدرتهم على تجاوز هوى النفس وإعلاء المصلحة العليا للوطن الجامع.

فرصة مصر لإلهام العالم العربي مجددا
بمشروع يتجاوز انسداد الأفق وتفجر التناقضات
مع السعي لبناء نموذج ثقافي مصري ينقذ الذات العربية من تيهها في كافة دول الثورات العربية، بين انسداد الأفق للأبنية السياسية والاجتماعية القديمة، وبين مطالب الناس بالتغيير، ومتاهات الفصائل السياسية وصراعاتها العبثية رد الفعل لـ"المسألة الأوربية".
يمكن لمصر أن تقدم نموذجا ثقافيا ملهما للذات العربية إذا اختارت "التحول الطوعي" والتصالح مع "دولة المجتمع الفعال" و"الفرز الطبيعي"، وفي فترة وجيزة أيضا يمكن لهذا النموذج الجديد برفضه لشعارات "المسألة الأوربية" يمينا ويسارا أن يتحول إلى نموذج عالمي، يكون للذات العربية فيه السبق ومصدر الإلهام والوحي.

عن إرادات الرجال وصلابتها النفسية
وهذه القوة الثقافية الناعمة الناتجة عن التصالح مع "دولة المجتمع الفعال" ستمنح مصر أفضلية نفسية/ روحية غائبة في القارة السمراء، تواجه بها الترويج الأثيوبي الناعم ضد مصر.
والأمر كله يعتمد على القوة السيكولوجية سياسيا لتجاوز مرحلة الصراع والاستقطاب فيما بعد ثورة 25 يناير وموجتها الثانية في 30 يونيو، ويعتمد على إرادات الرجال في إعلاء المصلحة العليا للبلاد والذات العربية، وتحويل الحصار والأزمة إلى فرصة للاستعادة والصعود الحضاري للأمة العربية كلها.

فهد سليمان نائب الامين العام للجبهة الديمقراطية في حوار حول القضية الفلسطينية وافاق و دور اليسار
لقاء خاص عن حياته - الجزء الاول، مؤسسة الحوار المتمدن تنعي المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب