حكام الجيش المصرى فى 23 يوليو 1952

رفعت عوض الله
2021 / 7 / 24

حركة الجيش المصري في 23 يوليو 1952
--------------------------------------------
اخترق تنظيم الاخوان المسلمين الجيش المصري الناقم علي الاحزاب السياسية ، والملك ، والاحتلال الانجليزي .. ولما قامت الحرب العالمية الثانية في سنة 1939 ، واكتسحت الجيوش الالمانية اوروبا ، تنامي الاعجاب بشخصية الزعيم النازي لالمانيا ادولف هتلر ، وداعبت خيال الضباط المصريين احلام وتمنيات ان ينتصر هتلر وموسوليني ، وان يقهر الحلفاء "انجلترا وفرنسا "وبذا يخرج الانجليز من مصر، وتعود الكرامة السليبة لمصر والمصريين .
البنية الفكرية للعاملين بالجيش تجعلهم لا يحترمون الديمقراطية ، ولا الليبرالية ، بالاضافة الي تأثر الكثير من ضباط الجيش المصري بفكر وتوجهات جماعة الاخوان المسلمين الاصولية ، الحالمة بعودة دولة الخلافة ، والتي تري فيها منعة ومجد المسلمين ، ووقوفا امام التمدد الغربي الاستعماري .
عدم رضا الكثير من ضباط الجيش المصري ، ولاسيما في المستويات الوسطي والصغيرة دفع الضابط الشاب جمال عبد الناصر للتفكير الجدي في تكوين خلية من الضباط الرافضين لمجمل الاحوال المصرية ، والذين لا يطيقون الوجود الانجليزي الاحتلالي ، والساخرين من الملك ، والمحتقرين للاحزاب السياسية . فهي بنظرهم لا تسعي إلا الي تشكيل الوزارات تارة بالتقرب من الانجليز ، وتارة بالتقرب من الملك اللاهي ، والمستبد في نفس الوقت .
ازداد غضب اولئك الضباط بعد هزيمة الجيوش العربية وقيام دولة اسرائيل علي ارض فلسطين في سنة 1948...... كثف عبد الناصر من اتصالاته بزملائه ، واستطاع تحويل الخلية الصغيرة الي تنظيم يضم عشرات الضباط الشبان المشبعين بفكر جماعة الاخوان ، والرافضين في نفس الوقت لقيم الحداثة الغربية من ديمقراطية وليبرالية وعلمانية" . فهم يعتقدون ويؤمنون بالمخلص المستبد "المستبد العادل". "
جرت تفاهمات بين تنظيم الضباط الاحرار وجماعة الاخوان المسلمين ، وكان الاتفاق علي ان يقوم الجيش بأنقلابه علي الملك في شهر اغسطس من سنة 1952، ولكن وصلت اخبار لهم بأن الملك اصبح علي علم بهم وبتنظيمهم ، فغيروا الموعد ايضا بالاتفاق مع الاخوان ، الذي اصبح 23 يوليو . وتحركت الكتائب التابعة لهم في تلك الليلة ، وكان الحظ ، والتراخي من جهة اخري حليفا لهم ، فنجحوا ، ووضعوا قيادات الجيش رهن الاعتقال . وتوجهت قوات تابعة لهم صوب الاسكندرية لمحاصرة الملك المقيم بقصر التين هناك ، وفضل الملك عدم التصدي حقنا للدماء ، واستجاب لمطالبهم والتي تقول بالتنازل عن العرش لولي العهد الرضيع ، مع مغادرة مصر في الحال .
بعد ان استتب الامر لحركة الجيش ، اطلقوا عليها ثورة ، وشكلوا من انفسهم مجلس قيادة الثورة ، وشكلوا وزارة برئاسة السياسي المخضرم المناوئ لحزب الوفد علي ماهر باشا ، ووضعوا ممثلين لهم بكل وزارة . وكان اولئك المندوبون هم الوزراء الفعليون . وتعاملوا بصلف وكبرياء مع كل الرموز السياسية والحزبية . وتقربوا من الامريكان ، واعتقلوا العديد من السياسيين ورجال الاحزاب بلا تهم ، رغم ان كل الوان الطيف السياسي المصري طلبوا مقابلتهم ، وعبروا عن رضاهم عن ما فعلوه .
اصدروا قرارا بحل الاحزاب السياسية ، وبدأوا مسيرة تكريس حكم الفرد الواحد المستبد الخارج من صفوف الجيش الوصي علي مصر والمصريين . وهكذا اطاحوا بالرجل الواجهة "اللواء محمد نجيب" وحددوا اقامته بعزبة زينب الوكيل زوجة رجل الوفد الاول مصطفي باشا النحاس بالمرج . وبالتالي صار جمال عبد الناصر الزعيم والرجل الاول ، والذي اطاح بكل زميل اختلف معه "خالد محيي الدين ويوسف صديق " مثالا .
واكد الرجل زعامته في سنة 1965 بعد قرار تاميم قناة السويس والعدوان الثلاثي علي مصر ، الذي نتج عنه هزيمة عسكرية وتدمير لمدينة بورسعيد ، واحتلال اسرائيلي لكامل سيناء . الا ان الزعيم اعتبر انه انتصر بعد ان انذر الامريكان والروس انجلترا وفرنسا واسرائيل بوجوب الانسحاب .
وقبل هذا عبد الناصر المتحالف مع الاخوان تخلص منهم بعد حادث اطلاق الرصاص المزعوم في المنشية بالاسكندرية .
قلنا ان ضباط يوليو لا يؤمنون بالديمقراطية بل بالزعيم الملهم الوصي علي الناس ، والذي يسلك ويعمل ويتخذ القرارات وفقا لما يراه هو فقط ، وهكذا بعث جمال عبد الناصر فكرة القومية العربية ، وبالتالي الوحدة العربية علي اساس من التاريخ واللغة والدين ، وكأن كل العرب مسلمين فقط ، وهكذا فإن فكرة القومية العربية والوحدة العربية تقوم علي اساس ديني اسلامي . ولعل هذا نتيجه لتاثره بفكر جماعة الاخوان المسلمين ..والذي يدعم هذا الظن او الرأي انشاء اذاعة القرآن الكريم ، والمجلس الاعلي للشؤون الاسلامية ، وتحويل جامعة الازهر من جامعة دينية الي جامعة بها كليات للزراعة والطب والصيدلة والهندسة ، ولكنها قاصرة علي طلبة مسلمين مما يخل بمفهوم المواطنة . !
وفقا لنهج عبد الناصر القومي الوحدوي اقام وحدة مع سوريا ، سرعان ما تفككت ، ودخل الجيش المصري اليمن لمناصرة الانقلاب علي حكم الامام ، وهدد اسرائيل بل من يقف خلف اسرائيل مرارا وتكرارا . وخاض حربا ضد اسرائيل في يونيو 1967 دون استعداد . الجيش المصري كان قد عاد لتوه من اليمن ، وعاد مستنزفا . وبلغت الاستهانة من قبل القيادة المصرية العسكرية ،ان اسرائيل التي ظلت تعمل بجدية فائقة وعلمية ودأب علي مدي سنين طويلة استعدادا لمعركة مع العرب ومصر ، خططت جيدا للمعركة ، فضربت كل القوات المصرية الجوية وهي رابضة في المطارات ، وفي ظرف ساعات قليلة فقدت مصر سلاحها الجوي بالكامل ، وبالتالي انكشف الجيش المصري البري في سيناء . فصدر امر عشوائي بالانسحاب وكانت كارثة مروعة فيها مات الجنود المصريون عطشا وجوعا فى صحراء سيناء الشاسعة ، فضلا عن اكتساح الجولان السورية ، والضفة الغربية وغزة والقدس .
مات عبد الناصر في 28 سبتمبر 1970 فمات معه المشروع القومي الوحدوي العربي ، وحل محله النائب الاول له السادات رفيقه في تنظيم الضباط الاحرار . البذور الدينية الاسلاموية الاصولية التي كانت كامنة في المشروع الناصري صارت نباتا وشجرا له وجود في الساحة المصرية والعربية . فبعد الهزيمة في 67 وجد الناس المهزمون المنكسرون العزاء والسلوي في الدين وفي الاسلمة "الاسلام هو الحل ". السادات الذي كان مرفوضا من قبل زملائه ممن بقوا من مجلس قيادة الثورة القديم ، والذي لم يكن له حضور شعبي ، فهو في ظل الزعيم جمال عبد الناصر ، اراد ان يكون له ما كان لعبد الناصر ، فاخرج الاخوان وكل دعاة الاسلام السياسي من معتقلات عبد الناصر . والاخطر انه ترك لهم الشارع والمدرسة والجامعة والنقابات المهنية والمسجد وايضا الاعلام ليعيدوا تشكيل وصياغة العقل الجمعي المصري علي نحو اصولي . وكان بطل تلك المرحلة الشيخ محمد متولي الشعرواي الذي نجح في تحجيب المصريات ، بل وتوبة العديد من الممثلات المصريات وتبرأههن من مهنة التمثيل . والاخطر انه استند للنص القائل : "لن ترضي عنك اليهود والنصاري .." لزعزعة مفهوم المواطنة . فليس للمسلمين ان يصادقوا غير المسلمين ، وليس لهم او يودوهم . فقط يتعايشوا معهم كأمر واقع . وهكذا بذر الرجل بذور الكراهية والتوجس في النفوس ، فذهب السلام الاجتماعي وتوالت الفتن والاعتداءات من قبل مسلمين علي مواطنيهم المسيحيين ، وفي ظل صمت مريب من الحكومات والحاكم .
وقٌتل السادات بيد من من اطلق سراحهم ومكنهم في يوم المجد 6 اكتوبر 1981 ، وحل محله النائب الخارج من صفوف الجيش قائد القوات الجوية حسني مبارك الذي وعي الدرس ، فعمل علي حماية حياته ، والبقاء في الحكم . فعقد اتفاقا ضمنيا مع الاخوان وكل الوان الاسلام السياسي ، فزادت وتيرة تغييب العقل واسلمة كل المجال العام ، وتشويه العلمانية والديمقراطية ، وتسارع الاعتداءات علي المصريين المسيحيين وخصوصا في القري ، والتضييق عليهم كلما حاولوا بناء كنيسة .
وهكذا في ظل دكتاتورية حكام يوليو منذ الانقلاب في 52 عاش المصريون اجواء ضد تطورهم وترقيهم الحضاري ، وكان الفقر والجهل والمرض متفشيا فيهم رغم كل المشروعات التنموية ، ورغم مجانية التعليم ومجانية العلاج الشكلي ، واصبح العقل الجمعي المصري عقلا اسلامويا اصوليا وبالتالي منكرا لقيم الحداثة من علمانية وليبرالية وديمقراطية ، وحقوق للانسان .
نعم كانت مجمل احوال مصر والمصريين ليست مرضية ما قبل يوليو 52 ، فقدكان هناك الفقر والمرض والجهل منتشرا علي نطاق واسع ، وكان هناك الملك الذي يعمل علي كسر الدستور وتوكيد الاستبداد الشخصي ، وكان هناك الانجليز قوة محتلة ونافذة التاأثير ، وكانت هناك احزاب تمالئ الملك واخري تنافق الانجليز ، ولكن كان هناك دستور علماني علي غرار الدساتير الاوروبية الحديثة ، وكان هناك حزب الوفدالراعي للوطنية والمواطنة ، والذي له مشاريع اصلاحية ملحوظة منها مجانية التعليم العام ، وإبرام والغاء معاهدة 1936مع الانجليز وغيرها . كان هناك سير في مسار الحضارة الانسانية وتمثل لقيمها ...كل هذا قضي عليه رجال يوليو 52 .
واليوم رغم ان هناك نهضة اقتصادية وعمرانية مشهودة وملموسة إلا اننا مازلنا محكمون بحكم الحاكم الفرد الخارج من صفوف الجيش الوطني المصري الوصي علي مصر والمصريين منذ يوليو 52 .
لن ينصلح حالنا ، ولن نصير امة متحضرة تعيش عصرها بافكاره وتطلعاته ، وما فيه من حرية وسيادة للعقل وحقوق الانسان ، واحترام للحرية ، وشيوع للديمقراطية والعلمانية والليبرالية مالم نعود الي المسار الحضاري الذي كان موجودا علي استحياء قبل يوليو 52 .

فهد سليمان نائب الامين العام للجبهة الديمقراطية في حوار حول القضية الفلسطينية وافاق و دور اليسار
لقاء خاص عن حياته - الجزء الاول، مؤسسة الحوار المتمدن تنعي المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب