تُنْتِجُ أَسْلَمَة الدّولة الاِنْحِطَاط

عبد الرحمان النوضة
2021 / 7 / 24

هذا مِثال آخر على أَسْلَمَة (islamisation) الدولة بالمغرب: في بلاغ رسمي لوزارة الصحة، نُشِرَ على الأَنْتِرْنِيت بتاريخ 21 يوليوز 2021، بمناسبة عيد الأضحى (الذي حَلَّ في المغرب في يوم الأربعاء 21 يوليوز 2021). وَقد بَدَأَ هذا البلاغ الرّسمي بالجملة التالية: «بمناسبة عيد الأضحى المبارك، تتقدم وزارة الصحة إلى المواطنات والمواطنين، وجميع المقيمين بالمملكة المغربية، بأسمى آيات التهاني، رَاجِيَةً من الله عزّ وجلّ، أن يُعيد هذا العيد على الجميع بِمَوْفُور الصِحَّة والهناء، وأن يُعجّل بِرَفْع الوَبَاء، وأن يشمل برحمته المُتَوَفِّـيـن، وأن يُشْـفِـيَ سُبحانه وتعالى، جميع المَرْضَى وَالمُصَابِـيـن». وتَظهر هذه الجملة مِن البلاغ الرسمي كَأَنَّها مُـقْـتَطَفة من خُطْبَة إِمَام في صَلَاة يوم الجُمعة داخل مسجد لِلعِبَادة، التي حفظها المواطنون مِن كثرة سماعها. ومن الواضح هنا أن وزارة الصحة بالمغرب تعتمد على الإله لِـ «إِيـقَاف وَبَاء كُوفِيدِ 19»، وَلِـ «شِفَاء المَرْضَى» !
ولو أصدرت وزارة الصحة في بلد غربي متقدّم مثل هذا البلاغ، لَأَحْدَثَ فضيحة دُسْتُورِيَة وسياسية كُبرى. لكن في البلدان المُسلمة، تَحَوَّلَت الفضائح المُتَجَدِّدَة والمتواصلة إلى أوضاع مألوفة، وعادية، ومقبولة. لأن هذه الشعوب المسلمة تَسْبَحُ في تخلّف غير مَحْسُوس، وفي انحطاط غير وَاعِي. وَيُـعَارِضُ طَبْعًا الحُـكَّام، والسَّائِدُون، والمُحافظون، هذا التَشْخِيص، ويقولون: «لَا، الأوضاع عندنا في المغرب عادية، بل إنها مُمتازة جِدًّا» ! وذلك لأنهم يَعْجِزُون على رُؤْيَة الانحطاط الذي يَعِيشُ فيه المُجتمع.
وتظهر هنا وزارة الصحة بالمغرب مثل ذلك المريض الذي دخل عند طبيب في عيّادته، وطلب منه معالجته. فقال الطبيب للمريض: «أَرْجُو من الله عزّ وجلّ، أن يُـمَـتِّـعَـك بِمَوْفُور الصِحَّة والهناء، وأن يُعجّل برفع الوباء عنك، وأن يشمل برحمته المُتوفّين، وأن يُشْفِـيَ سُبحانه وتعالى، جميع المَرضى والمُصابين. والله هو الذي يُشفي، وإن لم يُشفي الإله، فَلَا شَافِيَ غيره...» ! فَمَا عَسَى أن يفعله هذا المريض في هذه الحالة؟ فإن بَـقِـيَ هذا المريض يستمع إلى هذا الطبيب الإسلامي الأصولي، فمعناه أن المريض مُتَخَلِّـف مثل ذاك الطبيب الإسلامي الأصولي. ولا أمل فيهما هُمَا معًا. لأن الدِّينَ لا يدخل ضِمْنَ مَهَام وزارة الصحة. ولأن الإله ليس مِن بين الفاعلين الذين يُسْمَـحُ لِوزارة الصحة بِأَن تَـتَحَاوَرَ معهم. وإذا كان الإله لا يَتَدَخَّـلُ أَبَدًا في شؤون البشر، فَسَيَـكُون مِن العَبَث أن نَعْتَمِدَ عليه في كلّ شيء، وأن نَسْتَعْطِفُه في كلّ حِين، وأن نطلب منه أن يُنْجِزَ حَاجِيَّاتِنَا، وأن يُحَـقِّـقَ أَمَانِينَا. وَإِنْ لم يُوجد فَصْل بين الدِّين والطِب، وبين الدِّين والعُلوم، وبين الدِّين والدولة، فإن المُجتمع سَـيَـسْـقُـطُ حَتْمًا في الانحطاط(1).
ومن طبيعة كل تَـفكير ديني أنه مُتَنَاقِـض، وينتهي دائما إلى التَعَارُض مع العَـقْل. حيث يُـقَال مثلًا: «كُلَّمَا حدث شيء ما، فإن حدوثه يكون بإرادة الإله». ولماذا؟ لأنه «يستحيل أن يحدث أيّ شيء ضِدَّ إرادة الإله». ولأنه «لا يمكن أن يحدث أي شيء، إِلَّا إذا كان بِإِرَادة الإله». وبما أن، مثلًا، وباء كوفيد 19 حدث وانتشر في معظم بلدان العالم، فإن وباء كُوفِيد هو مِن إرادة الإله ! وَلَوْ لَمْ يَـكُن وباء كُوفيد 19 من إرادة الإله، لَمَا كان في مُسْتَطاعه أن يحدث ! وأن محاربة وباء كُوفيد 19، مثلًا بوسطة تَعْمِيم التلقيح المنتوج في البلدان الغربية المُتَـقَـدِّمَة، هو سُلُوك يُعارض إرادة الإله ! وهذا المَنْهَج في التفكير هو طبعًا خاطئ. والحل الوحيد لتلافي مثل هذه التناقضات، هو الفصل بين الدِّين والدولة، والفصل بين الدِّين والسياسة، وبين الدّين والعُلُوم، وبين الدّين والتكنولوجيات، إلى آخره.
وفي اعتماد وزارة الصحة المغربية على الإله لِشِفَاء المرضى، تَتَجَلَّى استـقالة الدولة من مَهَامِّهَا. وفي استقالة الدولة من مهامّها يتّضح تخلّف الدولة، وَيَتَّضِحُ تَأَخُّر الشعب، وَيَتَجَلَّى اِنْحِطَاط المُجتمع. وتظهر لدى مُحرّري وناشري هذا البلاغ، رغبة حمقاء في تَـغْلِيب الدين على كل شيء، ومهما كانت نَتائج هذه الأَسْلَمَة، وَمَهْمَا كان ثمن هذه الأسلمة، ولو أدّى هذا التغليب للدين إلى قِمَّة السَّخَافَة. وقِمّة السّخافة تَتَجَلَّى هنا في كون وزارة الصحة تعتمد رسميّا على الإله لِـ «رفع وَبَاء» كُوفِيدْ 19، ولِـ «إِشْفَاء المرضى» منه.
وَتَدْعُو وزارة الصحة في بلاغها الأشخاصَ الذين لَهم ضُعف في المَنَاعَة (البَيُولُوجِيَة) إلى «الإسراع بالتوجّه إلى المراكز المُخصّصة ... لِتَلَـقِّي جُرعات التَلْقِيح». فإن كانت وزارة الصحة تعتمد حقيقةً على التَلْقِيح، لماذا تطلب في هذه الحالة من الإله «أن يُشْفِيَ المَرضى»؟ وإن كانت وزارة الصِحّة تعتمد حقيقةً على «مطالبة الإله بِإِشْفَاء المرضى»، فلماذا تدعو وزارة الصحة في هذه الحالة المواطنين إلى «تَلْقِيح» أنفسهم؟ وهل العقل الذي يقبل الخلطَ بين هذين الإِجْرَاءَيْن المُتَنَاقِضَيْن، هل هو عقل سليم؟ هل هو عَقل موضوعي، أو وَاقِعِي؟ هل هو عقل مُسْـتَلَب، وَمُتَنَاقِض، وَمُنحرف؟
وفي ظرف وَجِيز، نجحت الحركات الإسلامية الأصولية بالمغرب في أَسْلَمَة، ليس فقط وزارة الصِحَّة، بل أَسْلَمَت أيضا التعليم العمومي، بكل مُسْتَوَيَاته ودرجاته، وَأَسْلَمَت القانون، والقضاء، وَالتَـلْـفَـزَات العمومية، وإدارات الدولة، إلى آخره. وتحوّلت مختلف شُعَب التعليم العمومي في المغرب إلى مصنع ضخم لِتَكْوِين أنصار الإسلام السياسي الأصولي، وَتُعِدُّهُم لكي يُصبحوا أعضاء في مِيلِيشْيَات إسلامية أصولية، مُجَنَّدَة لِفَرْض الإسلام السياسي الوَهَّابِي المُتخلّف. بينما في كل بلدان العالم المتـقدمة، مثل الولايات المتحدة الأمريكية، وَرُوسْيَا، والصِّين، وفرنسا، والمملكة المتحدة، وألمانيا، يُمْنَعُ كُلِّيًا على التَعْلِيم العُمُومِي تَدْرِيس الدِّين، ومهما كانت الديانات الموجودة في هذه البلدان.
وكلّما تحوّلت الدولة إلى اِمْتِـدَاد لِلْمَعْبَد، تَتَحَوَّل مُجمل مُؤَسَّـسات الدولة إلى أجهزة تَابِعَة لِلْمَعْبَد. وكلّما تَحَوَّلَت الدولة إلى اِمْتِدَاد لِلْمَسْجِد الإسلامي، تَتحوّل أجهزة الدولة إلى أجهزة مُلْحَـقَة بِالمَسْجِد، فَـتُصبح الدولة مُـتَـأَسْلِمَة. وكلما تَأَسْلَمَت الدولة، تحوّلت إلى نَـقِـيـضِهَا، أي أن الدولة تَتَحَوَّلُ إلى مُجرّد آلة أَيْدِيُولُوجية، فَارغة من كلّ مَنْـطِق عَـقْـلَانِي، وَخَالِيَة من كلّ إنتاج صناعي مُتـقدّم، ومُتَعَارِضَة مع تُـرَاث العُلوم ومُكْتَسَبَاتها. فَتُصْبِحُ الدولة مُجرّد عَبَث، وبدون أيّة مَنْـفَـعَة، وبدون مُبَرِّر لِوُجودها.
وفي المغرب، ترجع الأغلبية الحُـكومية إلى حزب العدالة والتنمية . وهو حزب إسلامي أصولي. [ومعلوم أن كل الأحزاب الإسلامية هي أحزاب يَمِينِيَة، ومناصرة لِلرَّأْسَمَالِيَة]. وَتُوجد أيضًا جماعة العدل والإحسان (وهي حزب إسلامي أصولي، لم يَحصل بَعْدُ على تَرْخِيص إِدَارِي مِن الدولة). وَتَـتَـضَامَن جماعة العدل والإحسان ، في الخفاء، مع حزب العدالة والتنمية . لأنهما هُمَا مَعًا إسلاميَّان أصوليان. وإن كان بعض أطر حزب العدالة والتنمية يعبثون مثلما يريدون في بعض إدارات الدولة التي يَحْتَلُّون أهم مَنَاصِبَهَا الـقِيَادِيَة، فإن نفوذهم يبقى سطحيّا، ومؤقّتًا. ومِن المعروف في المغرب أن طبيعة النظام السياسي القائم حوّلت الحُـكومة، والوزارات، والبرلمان، والجماعات المحلّية، إلى إدارات شكلية، مُفْرَغَة مِن أيّة استقلالية، ومن أية سُلطة سياسية. ولا يُوجد في المغرب الفَصْل بين السُلَط الثَلَاثَة الكلاسيكية، ولا استقلال القضاء. وَتَتَمَرْكَزُ كلّ السُلَط الحاسمة في القصر الملكي. ويظهر كأن الاتفاق الضِمْنِـي بين القصر والحركات الإسلامية، هو أن الحركات الإسلامية تقوم بِمُنَاصَرة مُطْلَقَة لِلنِّظَام السياسي القائم، مقابل السَّماج لها بِأَسْلَمَة الدولة والمُجتمع، مثلما يَحْلُو لها.
وَبِإِنْجَاز أَسْلَمَة الدولة، تكون الحركات الإسلامية الأصولية قد نجحت في تحقيق برنامجها السياسي. وَيَـقْـتَـصِـرُ برنامج الحركات الإسلامية الأصولية على فَرْضِ أَسْلَمَة الدولة، وأَسْلَمَة المُجتمع. ومَطْلَبُ الحركات الإسلامية هو دائمًا تَغْلِيب الدِّين، ولو عَبْرَ سَحْق الشعب، وَتَحْطِيم مصالحه. لكن هذا النجاح المُطلق لِلحركات الإسلامية الأصولية، يَتَحَوَّلُ إلى إِلْغَاء مُطلق لِكل نجاح سيّاسي، حيث أن ذلك النجاح يَتَجَسَّد في العَدَم، وفي الفَرَاغ. أي أنه يَتَجَسَّدُ في لَا شيء. وفي مجال أسلمة الدولة والمجتمع، يتحوّل هذا النجاح المُطلق، إلى نِهَايَة غَيْر مُجْدِيَة لِأَيَّة إرادة السياسية. وهكذا تَـغْدُو الحركات الإسلامية، بدون إرادة سياسية، وبدون أيّ نجاح سياسي، لأن إرادتها السياسية تحوّلت إلى النَـقِـيـض التاريخي والمُطلق لِكُل إرادة سياسية.
واعْتِمَاد الدولة على الإله لِمُعَالَجَة مشاكل المُجتمع، أو لِتَلْبِيَة حاجيّات الشعب، يَتَحَوَّلُ إلى نهاية الدولة، وإلى نهاية السياسية. بَل تَـتَحَوََّل أَسْلَمَة الدولة إلى العَبَث، وإلى تَـدْمِـيـر العَـقْـل، وإلى تَلَاشِي المَنْـطِـق، وإلى اِنْدِثَار الأخلاق النَبِيلة. فَـيَـنْتَصِر الجهل، وَتُـهَـيْـمِـنُ الرَّدَاءة، وتنتشر السَّخَافَة. ويصبح العنصر المهيمن في المُجتمع هو الجهل، وهو الاِسْتِلَاب، وهو الانحطاط. فَـتَـنْـفَـضِـحُ نِهاية عَـقل الشعب المَعْنِـي. ويَـتَّــضِـحُ خَـوَاء تـفكير الإنسان المقصود، وَيَـتَـبَـخَّـر المنطق، ويَـمُوت العقل. وأمام مَنْـظَـرِ هذا الخَرَاب المُجتمعي، يحدث انتصار الحركات الإسلامية الأصولية، وتَحْدُثُ النَشْوَة النهائية العُظمى لَـدَى مِيلِيشْيَات وَعَسَاكِر الحركات الإسلامية الأصولية المُجاهدة ! وفي انتصار الحركات الإسلامية الأصولية، يَتَحَـقَّـق خراب المُجتمع، وَيَـتَـحَـقَّـقُ أيضًا هَلَاك هذه الحركات هي نفسها، وَلَوْ أنها تَعجز على الوعي بِالكَارِثَـة التي تُصِيبُهَا !
ولا يُمكن أن «تَـنْـجَـحَ» الحركات الإسلامية الأصولية في «إنجاز برنامجها» (الإسلامي الأصولي) إلَّا عبر «تَـخْـرِيـب» المجتمع. وهذا هو ما حدث بالضبط، سواءً مع مِيلِيشْيَات تنظيم القاعدة ، أم مع تنظيم طَالِبَان ، أم مع تنظيم دَاعِشْ (الدولة الإسلامية في العراق والشَّام)، أم مع تنظيم جَبْهَة النُصْرَة ، أم مع تنظيم حركة الإخوان المُسلمين ، إلى آخره. ونـفـس الشيء يحدث مع الحركات الإسلامية الأصولية في المغرب، والجزائر، وتونس، وَلِيبيا، ومصر، والأردن، إلى آخره. والقُطْب العالمي الذي يُنْتِج، وَيَنْشُر، وَيُـمَوِّل، حركات الإسلام السياسي الأصولي، والجهل، والتخلّف، والانحطاط، هو المملكات والإمارات النَـفْـطِيَة في الشرق الأوسط، بما فيها السعودية، والإمارات، وقطر، وسلطنة عُمان، إلى آخره. وفي كل مرّة، يَتَطَابق «نجاح» الحركة الإسلامية الأصولية المعنية مع «خَرَاب» المُجتمع، ومع «اِنْحِطَاط» الشعب المعني. وهذا هو المَصِير الحَتْمِي المُشترك لكل الحركات الدِّينية الأصولية، المبنية على أساس دِيَانَات الشرق الأوسط (بما فيها اليهودية، والمسيحية، والإسلام).
رحمان النوضة (وَحُرّر في 22 يُولْيُوز 2021).
(1) اِنْتَـقَـد الكاتب رحمان النوضة الأَيْدِيُولُوجِيَة الإسلامية الأُصُولية في عِدّة وَثَائق، ومِن أبرزها كتابه نَـقْد الشَّـعْـب ، وكتابه نَـقْد تَعَاوُن اليَسارِيِّين مع الإسلامِيِّين . ويمكن تحميلهما مِن مُدوّنة الكاتب (https://LivresChauds.Wordpress.Com).

فهد سليمان نائب الامين العام للجبهة الديمقراطية في حوار حول القضية الفلسطينية وافاق و دور اليسار
لقاء خاص عن حياته - الجزء الاول، مؤسسة الحوار المتمدن تنعي المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب