رواية (سالم من الجنوب) الحلقة السابعة

زاهر رفاعية
2021 / 7 / 24

ليس هناك من يكترث للحياة بلا ثمن, ولكن ما إن تكفّ الحياة عن الدّفع حتى يعيش المرء الحياةَ وكأنّه سبّة تمشي على قدمين. شتيمة الحياة تلك تمثّلت بشخص المتسوّل, كان رجلاً مطأطئ الرأس حاسره, تنسدل حول كتفيه شلالات شعره المائل للصفرة, أمّا لحيته فما زادتها أعوامه -الّتي لا يعلمها أحدٌ سواه- إلّا اقتراباً من سرّته, ورغم أنه لا يُعلم عنه الكثير, إلّا أنّ "أم سالم" الّتي مضى خمس وثمانون عاماً على مولدها, تجزم و تكرر أنّ هذا المتسوّل ليس إلّا الشقيّ الهارب, كان قد اختفى من قريتهم, بعد أن اتّهمه أهل القرية بجريمة قتل امرأة مع جنينها في عيادة القرية اليتيمة, حيث سرق الجاني دون أن يتنبّه أحد زجاجة الكحول وشربها مع أصدقاءه احتفالاً ببلوغه الثامنة عشر من العمر, وحين أتت المرأة لم يجد الطبيب ما يعقّم به تشقق جلد بطنها الحاد قبل ربطه بالضماد, فتعفّنت جروحها و تعفّن تحتهم بيت طفلها قبل أن تنتهي مسألة الأوراق و توافق حكومة الجنوب على إرسال زجاجة كحول بديلة.

كل ذلك لم يكن بمقدور أحد آنذاك أن يثبت ضلوع الشقيّ فيه, لولا أنّ أمّه وجدت الزجاجة الفارغة بعد حين, كان قد أخفاها تحت حظيرة الخنازير, فأخذت أمّه الزجاجة من فورها لمفوّض الشّرطة آنذاك والّذي لم يكن سوى جدّ الطفل لأبيه, فقرر هذا الأخير وضع الحفيد في زنزانة مفوّضيّة الشرطة ريثما يجد له حذاءً متيناً ينتعله في طريق الصعود للمحكمة فوق القمّة, ولكن ذلك لم يمنع الجدّ من إرسال مفتاح الزنزانة للولد مع الأب خلال زيارته لابنه, فدسّه له أبوه في خبزة و ناوله إيّاها من نافذة الزنزانة الضيقة, وشاع بين أهل القرية لوقت طويل بعدها أنّ الشقي تسلل هارباً بعدما سرق المفاتيح من الحارس المخمور ولم يسمع عنه أحدٌ بعدها, حتى عاد فظهر بعد موت كل الشّهود في قضيته بزمن طويل, والذّين لم يكونوا سوى والديه وجدّه.
أما المتسول فكان يتهمها بالخرف ويقسم على صحّة روايتها، ولكنّه لا يفتأ يقسم أنّه ابن الحارس المخمور الّذي أعدمه المفوّض رمياً بالرّصاص، ليس عقاباً لإهماله، وإنّما لأنّهم اتهموه بالتواطؤ مع الهارب لحساب الشّيطان، في حين لم يكونوا جادّين كثيراً في البحث عن هويّة ذلك الشيطان، المهم وفي نهاية المطاف أعدموا الحارس في صبيحة اليوم الّذي أخذت فيه زوجته طفلهما ابن العاشرة ورحلت بعيداً.

هذا الدرويش كانت تفوح منه رائحة المستنقعات هذه الليلة, ولكنه مع ذلك لم يكن حاقداً على أهل قريته, بل جلس حزيناً قرب حافّة الجدول النتن وقد نسيه أهل القرية تماماً بعدما رموه هناك قبل ساعة من الآن. أما هو فقد خلع ملابسه و علقهم على غصن شجرة متدلٍ.
حين رآهم تحت ضوء القمر يعودون وبين أيديهم رجلٌ مغمى ببذلة مفوّض شرطة, هبّ الدرويش عاري القفا مشدوه النّظرات, واختبأ خلف صخرة كان يسند ظهره عليها, وسمع بأذنيه ما سيتمنى أنّه لو لم يسمع, صوت ارتطام جسد المفوّض ذو الحذاء الأسطوري بالطحالب الطافية على سطح الجدول الرّاكد, قبلّ أن يقفل أهل القرية عائدين كلّ إلى بيته, بعد أن أعلن سالم تأجيل الرّقص حتى يتضح ما ستسير عليه الأمور.

.
رابط الحلقة الأولى:
https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=712551
.
رابط الحلقة الثانية:
https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=713091
.
رابط الحلقة الثالثة:
https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=724510

رابط الحلقة الرابعة:
https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=724789

رابط الحلقة الخامسة:
https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=725263

رابط الحلقة السادسة:
https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=725449

فهد سليمان نائب الامين العام للجبهة الديمقراطية في حوار حول القضية الفلسطينية وافاق و دور اليسار
لقاء خاص عن حياته - الجزء الاول، مؤسسة الحوار المتمدن تنعي المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب