مصادر الثروة بجزيرة العرب

عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
2021 / 7 / 24

دخول التاريخ
دخلت جزيرة العرب التاريخ عبر رحلة نبي الله إبراهيم بصحبة زوجته هاجر وابنه إسماعيل إلى "واد غير ذي زرع"، متضرعاً إلى ربه: "رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرون". هكذا تدخل الجزيرة التاريخ المدون للمرة الأولى بهيئتها الحالية صحراء جدباء لا زرع فيها ولا ماء، تفتقر إلى المقومات الأساسية للزراعة والصناعة والعمران كتلك المتوفرة لجيرانها شرقاً وشمالاً وغرباً. فالأنهار والمياه العذبة تجري وتنساب في الوديان لتسقي الزرع وتعول الثروات البشرية والحيوانية والصناعية والعمرانية والحضارية سواء في بلاد الرافدين أو الشام أو الهند وإيران أو في وادي النيل ومملكة الفراعنة. أي من ذلك لم تكن له قائمة في بلاد العرب، ومن ثم كانت تنعدم فيها مقومات الحضارة والعمران زمن تشريف خليل الله إبراهيم لها بالزيارة بمعية زوجته وابنه.

من جهة أخرى، أثبت التاريخ أن الزراعة ليست شرطاً مسبقاً ضرورياً ولا غنى عنه لنشوء وتطور الحضارة والعمران، وأن هناك مصادر أخرى للثروة تستطيع أن تعول الحياة البشرية وتعوض الفقر المائي والزراعي والحيواني. وقد وفرت قصة إبراهيم وإسماعيل وهاجر والبيت المحرم مقوماً أساسياً لكي تدخل الجزيرة التاريخ من أحد أبوابه المتعددة، باب العقيدة والتجارة وليس الزراعة والصناعة. على سلم هذه الترنيمة الدينية الآسرة، نجحت جزيرة العرب في أن تبني لنفسها مكانة وهالة وسط جيرانها لم ينافسها عليها أحد منهم حتى اليوم. أصبحت الجزيرة الصحراوية الجدباء بمثابة القطب المغناطيسي الجاذب، والقلب النابض، ومركز الثقل، والرمز والشعيرة وجوهرة التاج للمنطقة كلها. مستفيدة من كل ذلك، استطاعت الجزيرة مراكمة مقومات دينية وتجارية وسياسية وعسكرية شيدت من خلالها إمبراطورية عجز عن الإتيان بمثلها جيرانها الخصب الأوائل مجتمعين. إذا كان إبراهيم هو حقاً أبو الأنبياء، فهو أيضاً الأب الروحي لحضارة العرب.

سنعرف أن جزيرة العرب كانت موجودة في التاريخ من حتى قبل رحلة إبراهيم بملايين السنين، وأنها لم تكن دائماً صحراء جدباء كما صورها الخليل. فقبل نحو 100 مليون سنة خلت، لم تكن جزيرة العرب صحراء جافة ويابسة أصلاً، بل جزء من جسم ضخم من المياه يسمى "محيط تيثس"، تصب فيه الأنهار مياهها المحملة بشتى العناصر الغذائية. وفي هذه البيئة المائية الرطبة تهيأت الظروف المواتية لنشوء وتطور تنوع واسع من الكائنات العضوية الدقيقة في الأعماق. ومن رحم هذه الكائنات المجهرية تطورت المليارات والمليارات من الكائنات البحرية البدائية، مثل الطحالب والبكتريا، التي تراكمت فوق أرضية المحيط في طبقات سميكة يتجاوز عمقها الأميال. ومع تشكل الطبقات الجديدة فوق الطبقات القديمة، تعرضت الطبقات القديمة للضغط، لتتحول الرفات المائية المضغوطة إلى بترول. ثم جاءت طبقات سميكة من الملح لتحبس هذا البترول في مكانه بالقاع. بعدئذ بدأ ينحسر محيط تيثس مع ارتفاع الأرض بسبب نشاط الصفائح التكتونية، لتحل محله صحراء رملية جافة وقاحلة وجرداء، أو "واد غير ذي زرع" طبقاً لوصف نبي الله إبراهيم. لكن في الأعماق أسفل الرمال الساخنة، ظلت ترقد منسية ومدفونة لملايين السنين البقايا المتحللة لملايين الأنواع من أشكال الحياة العضوية البحرية الدقيقة. ومن هذه الدفينة الكنز، تستخرج جزيرة العرب اليوم أكبر وأضخم وأهم ثرواتها على الإطلاق عبر التاريخ- النفط.

أتى النفط، الموجود فعلياً منذ ملايين السنين، في العصر الحديث ليضيف إلى "بيت إبراهيم" ركيزة اقتصادية أخرى هي الآن الأغلى والأعظم مقارنة بما سبقها. بيد أن عمر الثروة النفطية لا يتعدى اليوم بضع عقود من السنين، مقارنة بآلاف السنين المتصلة حتى اللحظة التي قد خدم خلالها البيت المحرم كأحد أقدم وأهم الركائز التي نهضت فوقها وحولها جزيرة العرب سياسياً واقتصادياً وروحياً. كان البيت المحرم الذي أقامه إبراهيم بمثابة خط الانطلاقة الفعلية لجزيرة العرب، رغم ما شهدته عبر تاريخها الحافل من تغييرات وتطورات جذرية، ومراوحتها ما بين التقدم والتأخر، والفقر والغنى من عصر لآخر وحقبة لأخرى. لذلك، حين نبدأ التدوين لجزيرة العرب وشعوبها، لابد أن نبدأ من نقطة "البيت" على وجه التحديد والحصر. فمن دون هذا البيت، لكان تاريخ الجزيرة والمنطقة والعالم قد سلك محنى تطوري مختلف تماماً عما آل إليه اليوم. وحتى تكتمل السردية وصولاً إلى الزمن الحاضر، لابد من تضمين فصل الثروة النفطية وما أحدثته من تغيير واسع وجذري في حياة شعوب الجزيرة والمنطقة والعالم أيضاً. ودائماً يجب ألا نغفل عن حقيقة أن النفط، رغم تأخر اكتشافه حتى زمن قريب، كان وجوده يسبق وجود البيت بملايين السنين.

يقدر موقع الهيئة العامة للإحصاء السعودية عدد حجاج بيت الله الحرام لموسم 1439 هجري (2017- 2018 ميلادي) بنحو 2.371.675، منهم 1.758.722 حاج قدموا من خارج المملكة، جميعهم يقصدون بالزيارة والمناسك ذات البيت الذي شيده إبراهيم بمعونة ولده إسماعيل، في ذات الواد غير ذي زرع وسط الجزيرة العربية. هذا بخلاف ملايين أخرى من البشر تتوافد على المملكة طوال العام لأغراض السياحة الدينية وأداء مناسك العمرة. وبالطبع تحتاج كل هذه الملايين طوال فترة إقامتها هناك بجانب الطواف وتأدية المناسك والشعائر إلى أن تستريح وتنام وتأكل وتشرب وتلبس وتتنقل، وتتناول الأدوية، وتجد من يرعاها ويرشدها ويؤمنها، ومن يبيعها الهدايا والتذكارات لحملها معهم عودة إلى الأهل والأحبة في أوطانهم الأم. هم يحتاجون ببساطة إلى سبل ووسائل العيش والحياة الكاملة. وهذا هو بالضبط ما تؤمنه لهم المملكة وأجهزتها ومواطنيها. وبالتوازي مع كل ذلك ينشأ سوق متعدد الشعب رحب وثري، قد بقي عامراً ببضائعه وتجاره وزبائنه وحراسه وحركته منذ آلاف السنين حتى اللحظة.

بيد أن تلك الملايين البشرية الزاحفة على المملكة من كل حدب وصوب في كل عام، وما تحمله ما طاقات وفرص عظيمة الأثر، قد نضبت كليتاً العام الفائت بسبب فيروس معدي وقاتل لا يرى بالعين المجردة اسمه كوفيد-19. هذه الجائحة أجبرت دول العالم أجمع، ومن ضمنها المملكة، على أن تغلق حدودها الجوية والبحرية والبرية أمام القادمين من دول أخرى لوقف تفشي العدوى، ليتوقف أيضاً وربما للمرة الأولى في التاريخ الحديث توافد الحجيج على المملكة إلى الرقم صفر. في موسم الحج 2020، اقتصر عدد الحجيج على 10.000 حاج جميعهم من المقيمين بالفعل داخل المملكة التي لم تسمح بقدوم ولو حاج واحد من خارجها. هكذا، من عظات التاريخ أن أي من مقومات ثروة الشعوب مهما طال به الأجل وتعاظمت أهميته، لا تزال المخاطر دائماً وأبداً محدقة به، تتربص به لتبخس من قيمته وربما تستبدله بمقوم آخر مستحدث أثمن وأقيم من الأول. في الوقت الحالي، وعلى سبيل المثال، استطاعت المملكة تحمل تبعات انقطاع تدفق الحجيج لعامين متتاليين نتيجة الإغلاق الذي فرضه كورونا، ومواصلة حياتها كسابق عهدها دون تأثر ملحوظ وكأن شيئاً سيئاً لم يحدث أصلاً. هل كانت ستستطيع أن تفعل الشيء نفسه لو كانت مثل هذه الجائحة قد حلت بها قبل قدوم النفط؟ وهل كانت ستستطيع أن تفعل الشيء نفسه لو كان النفط، لا الحج، هو الذي قد توقف تدفقه لسبب ما لعامين متتاليين؟!

لا شك أن جزيرة العرب لم ولن تعدم يوماً مصادر الثروة الأخرى المتأتية من توفر منابع الماء العذب. وكانت على مر التاريخ حاضنة حانية للواحات الخضراء بالبساتين المثمرة وأشجار النخيل الباسقة والقطعان الحيوانية المنتجة للحوم والألبان والنباتات والحيوانات البرية من أنواع كثيرة، ترعاها وتتغذى عليها التجمعات البشرية المتناثرة هنا وهناك. في الواقع، كانت ولا تزال الحرف المتعددة مثل الرعي والزراعة والتعدين والصناعات اليدوية متواجدة دائماً عبر أنحاء جزيرة العرب، لكن على نطاق ضيق مقارنة بالأقاليم النهرية المجاورة. وقد غلب على الجزيرة طوال تاريخها المدون الفقر المائي والزراعي والحيواني والبشري، لكن ذلك لا يعني إطلاقاً أنها كانت معدمة كليتاً في أي من ذلك. بل كان يتوفر لها كل ما تباهت به الإمبراطوريات والحضارات النهرية الخصبة المجاورة، لكن بنسب قليلة وشحيحة. فلم تنهض بها زراعة مثلما ازدهرت هناك، ولا ثروات حيوانية أو كثافات سكانية أو صناعة أو عمران أو حضارة بحجم ما كان قائماً هناك. لكن، في كل الأحوال، كان قائماً لدى العرب من كل ذلك ما يكفي لاستمرار حياتهم، ولو بصعوبة وعسر.

دخل العرب التاريخ عبر بوابة البيت المحرم وما نصبوه حوله فيما بعد من أسواق تجارية، لتكون التجارة الركيزة الأولى الأساسية للحياة هناك والمستمرة معهم حتى يومنا هذا. ثم عند مرحلة تالية، سل العرب سيوفهم وأغاروا على الحضارات المجاورة، لتبدأ ركيزة الغزو والتوسع التي استمرت لفترة من الزمن ثم توقفت، لكن آثارها لا تزال باقية حتى اليوم. ومؤخراً، في العصر الحديث، جاء النفط كركيزة ثالثة هي الآن الأهم والأعظم على الإطلاق رغم قصر عمرها. تلك هي المقومات أو الركائز الاقتصادية الرئيسية الثلاثة التي سنتحدث عنها بمزيد من التفصيل في الحلقات القادمة.

فهد سليمان نائب الامين العام للجبهة الديمقراطية في حوار حول القضية الفلسطينية وافاق و دور اليسار
لقاء خاص عن حياته - الجزء الاول، مؤسسة الحوار المتمدن تنعي المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب