السياسات الخارجية المصرية.. ومتطلباتها الداخلية

حاتم الجوهرى
2021 / 7 / 23

الحضور المصري في أفريقيا أنموذجا

مؤخرا وفي ظل محاولة استعادة بعض من الحضور المصري في أفريقيا، وفي سياق التحرك في ملف السد الأثيوبي، قامت مصر بعقد مجموعة من الاتفاقيات مع الدول الأفريقية خاصة في القرن الأفريقي ومنطقة حوض النيل عموما.
ويمكن القول إن العديد من هذه الاتفاقيات ارتبطت بالتعاون العسكري، والمصالح المشتركة في حوض النيل وتعظيم الاستفادة من الموارد، وتقديم بعض المساعدات الطبية والغذائية والفنية والاقتصادية.

أثر الاهتمام بالمحيط الخارجي
على ضبط السياسات الداخلية وتصحيح مساراتها
لكن في هذه المقالة سنشير إلى عدة نقاط من الأهمية الالتفات إليها في ضبط مسارات السياسات الخارجية المصرية، وفي علاقاتها بالسياسات العامة للدولة، وتحديدا علاقتها بالسياسات التنموية الداخلية، فسنطرح في هذه المقالة فرضية تقول: إنه عند مستوى ما من التخطيط والعمل، تكون السياسات الداخلية التنموية مرتبطة بالسياسات الخارجية حال وجود دور ما مفترض للدولة، يستلزم ضرورة تواجدها في الدوائر الحيوية المحيطة بها وبأمنها القومي.
من ثم سنتناول السياسات التنموية الداخلية المصرية في الفترة الماضية، وفي قدرتها على رفد ودعم السياسات الخارجية وسبل التعاون في نطاقات الاهتمام المصري، وتحديدا في المحيط الأفريقي، وهنا لابد من تحديد الأولويات بين السياسات الخارجية والداخلية، وما هي محددات منح الأولوية لأحدهما دون الأخرى، وبالأحرى كيف يمكن وضع سياسات تنموية داخلية وخارجية تتسمان بالاتساق، وخدمة الحضور القومي العام للدولة وأهدافه الحيوية.

وضوح الفكرة الثقافية المركزية
وأثرها على السياسات الداخلية والخارجية
يجوز القول إن السياسات الخارجية أقرب لمفاهيم "الأمن القومي" وتصورات الدول للخطوط العامة لعلاقاتها مع العالم، وفق الفكرة الثقافية المركزية التي تعتنقها والتي تعبر عن "مستودع هويتها" وتمكنها من الدفاع عنه، وربما يربط البعض السياسات الداخلية (التنموية وغيرها) بمفاهيم "الأمن السياسي" والتصور السياسي العام لاقتصاد الدولة وأهدافه السياسية والاجتماعية، لكن وضوح الفكرة الثقافية المركزية للدولة يمكن أن يضبط سياساتها الداخلية والخارجية معا ويحقق الاتساق فيما بينهما، بحيث كلما وضحت الفكرة الثقافية المركزية للدولة وضحت الصلة بين سياساتها الداخلية والخارجية، وتحقق الاتصال الطبيعي بين كل منهما.
ويصح للبعض القول إن الدول المتفوقة فقط هي التي تستطيع أن تقدم خطابا ثقافيا وسياسيا عاما، ترتبط فيه السياسات الخارجية بالسياسات الداخلية، وتقرب المسافات بين مفاهيم "الأمن القومي" ومفاهيم "الأمن السياسي"، حيث في هذه الحالة الفكرة المركزية للدولة تكون من الوضوح والقدرة للتعبير عن "مستودع الهوية" وعن "المشترك القيمي" عند أهلها، بحيث تصب كل تصرفات الدولة الداخلية والخارجية في صالح مشروعها العام وفكرتها الثقافية المركزية.

مسافة ما بين الواقع والمفترض
مفاهيم "الأمن القومي" ومفاهيم "الأمن السياسي"
وفق التصورات السابقة يمكن القول إن هناك مسافة ما بين السياسات الخارجية المصرية، وبين السياسات الداخلية، وكذلك حاجة الفكرة المركزية الثقافية المعبرة عن علاقة الدولة بـ"مستودع هويتها" للضبط بعض الشيء، وهذا الهدف لا يتحقق إلا بتجاوز "التناقضات السائدة" ومنح "القيم القومية" للجماعة المصرية بمستودع هويتها الكلمة العليا، والعمل لدورها التاريخي الرافع للذات العربية.
ويمكن القول أيضا أن المسارات السياسية العامة للدولة المصرية، ستنتصر فيها مفاهيم "الأمن القومي" لـ"تجاوز التناقضات" والسعي نحو إعادة بناء "المشترك القيمي" للجماعة المصرية في تعبيرها عن الذات العربية، في حين قد تميل مفاهيم "الأمن السياسي" إلى "إعادة إنتاج التناقضات" وتعميقها، حيث هنا لابد أن تتواجد وتتشكل بنية سياسية عليا ضابطة تكون مهمتها العمل باستمرار على "تجاوز التناقضات" والانتصار لما هو "قومي".

تآكل المحيط العام للدولة
فيما قبل 25 يناير 2011م
لأن الدول إذا لم تلتفت لمساراتها القومية الكبرى وتصحهها باستمرار وتعطيها الأولوية، ستصبح عرضة للتآكل وتقليم الحضور حتى في مناطق وجودها التقليدية، وهو ما تعرضت له مصر فيما قبل ثورة 25 يناير، ولابد أن تتضافر كافة الجهود الآن لاستعادة وعي الجماعة المصرية بـ"مستودع هويتها" ومستلزمات الدفاع عنه، خاصة في ظل الخطر الوجودي العظيم الذي تتعرض له مصر في موضوع "السد الأثيوبي".

الدعوة لـ "سياسات تنموية داخلية قابلة للتمدد خارجيا".
من هنا بالنظر للسياسات المصرية الخارجية مؤخرا في النموذج الأفريقي وفي منطقة القرن وحوض النيل؛ يمكن القول إن السياسات الخارجية التي اعتمدت على التعاون العسكري وتقديم بعض المساعدات الطبية والغذائية والفنية والاقتصادية، يمكن أن تتطور بعض الشيء وبشكل استراتيجي، شريطة تطوير ما يمكن تسميته بـ"سياسات تنموية داخلية قابلة للتمدد خارجيا".
والقصد هنا بمفهوم "سياسات تنموية داخلية قابلة للتمدد خارجيا" أي الانتقال من مفهوم تقديم المساعدات الظرفية أو الطارئة، إلى وجود قطاعات يمكن العمل فيها عبر تأسيس شراكات تنموية "مستدامة"، ولتحقيق هذا الهدف يجب لمصر تغيير بعض سياساتها التنموية السائدة حاليا لتناسب قدرتها على التمدد خارجيا كشراكات تنموية مع بعض الدول وفي بعض النطاقات الخارجية التي تهتم بها مصر.
ونقصد بذلك سياسات تنموية تعتمد في بعض قطاعاتها على التصنيع الخفيف كثيف العمالة وتوفير الاحتياجات الأساسية، مثل هذه القطاعات الانتاجية يمكن لها أن تتمدد لتحقق شراكات تنموية "مستدامة" وطويلة الأجل مع العديد من الدول الأفريقية، وكذلك في قطاع العمران ومواد البناء وتطوير وحدات إنتاجية تناسب الدول الأفريقية، وبعض مصانع الحصول المستخلصات الطبية والعشبية والتصنيع الزراعي.

تحقيق الربط بين الداخلي والخارجي
إذا اهتمت مصر بتطوير هذه القطاعات داخليا والاهتمام بها كسياسات تنموية تستعيد بها مكانة الاقتصاد الانتاجي عموما، لأصبح عندها سياسات تنموية داخلية رافعة تناسب أهدافها في السياسات الخارجية، وما يمكن تسميته بـ" سياسات تنموية داخلية قابلة للتمدد خارجيا".
وفي هذه الحالة أيضا لابد من تغيير جذري في حزمة السياسات التنموية الراهنة، التي تسير في ركاب الاقتصاد الخدمي والعقاري، وهي سياسات تنموية غير فعالة ولا تحقق شروط "السياسات التنموية الداخلية القابلة للتمدد خارجيا"، وبالطبع هذه السياسات التنموية الخارجية لا تشمل حصرا ما تم ذكره بعاليه، إنما تم ذلك على سبيل التدليل والتوضيح فقط.

المثلث الفعال
بين السياسات الخارجية والداخلية والقاعدة الثقافية
وكذلك يظل المثلث ناقصا لضلعٍ؛ فإذا اعتبرنا أن هناك مثلث له ثلاثة اضلاع للدول المتفوقة واضحة الهدف والمشروع، واعتبرنا أن السياسات الداخلية المتسقة مع أهداف السياسات الخارجية هما ضلعا هذا المثلث من أعلى، لقلنا أن قاعدة المثلث الضابطة هي الفكرة المركزية الثقافية للدولة التي تضبط وجودها وتحقق تماهيها مع "مستودع هويتها"، وتمثل المصدر الأبرز لقوتها الناعمة وقدرتها الذاتية على جذب الآخرين نحوها بشكل طوعي وإرادي.
ويمكن القول أن الفكرة المركزية للدولة المصرية الآن يجب عن تتسق "مستودع هويتها" واستعادتها للذات العربية من خضم التفكيك الذي تتعرض له، وحقيقة تبدو أكثر الأفكار جاذبية للدولة المصرية هي مشروع الثورات العربية التي تجاوزت بشعاراتها شعارات "المسألة الأوربية" يمينا ويسارا، وقدمت نموذجا لإلهام العالم.

"تجاوز التناقضات" واكتمال المثلث الفعال
واعتبار الثورة إضافة للأمن القومي المصري والعربي
وتحتاج الإدارة السياسية الحالية لمصر لتجاوز "التناقضات" في علاقتها مع الثورة المصرية والثورات العربية، والنظر لها بوصفها إضافة للأمن القومي العربي كقوة ناعمة هائلة التأثير، ولكن ذلك سيحتاج للعمل بقوة مؤسساتية ضخمة أيضا لتجاوز مرحلة الازدواج السلطوي في مرحلة صعود الإخوان، وكذلك قوة وإرادة أكبر للمزيد من الضبط المؤسسى وتجاوز "دولة ما بعد الاستقلال" التاريخية ودور المؤسسة العسكرية فيها.
مصر حقيقة في حاجة لقوة وإرادة هائلة لتجاوز النتاقضات وآثارها لتعبر للمستقبل، وتستطيع بناء مثلث القوة بضلعيه في السياسات الداخلية والخارجية، والارتكاز لفكرة ثقافية مركزية جاذبة وقوية تعمل كقاعدة حاملة لضلعي السياسات وتضبط وجهتيهما.

جاذبية "دولة ما بعد الاستقلال" وثمنها
في الفكرة الثقافية المركزية الجاذبة لمصر هناك مساحة بين الشكل السياسي وتصريفاته لـ"دولة ما بعد الاستقلال" عن الاحتلال الأجنبي في القرن الماضي بقلبها العسكري ودوره التاريخي، وبين دولة المؤسسات و"الفرز الطبيعي" للعناصر البشرية وصولا للمجتمع الفعال، والمطالب الثورية الشعبية المجردة بعيدا عن الفصائل والاستقطابات الشعبية والسياسية، والتي طالبت باستعادة الذات العربية في نموذج جديد بعيدا عن شعارات "المسألة الأوربية" يمينا ويسارا.
جاذبية "دولة ما بعد الاستقلال" وإعادة إنتاج بنيتها للإدارة السياسية الحالية لمصر؛ تكمن في الاعتماد على أهل الثقة من داخل المؤسسة العسكرية نفسها بعد الصراع مع نظام الإخوان، وكان "دولة ما بعد الاستقلال" في مصر تعيد إنتاج اللحظة التاريخية لصراع الجيش مع النظام الملكي، ووجود ازدواج في الولاء أدى لاستخدام وتوظيف رجال المؤسسة العسكرية في السياسة تقصيا لعنصر الحيطة والأمان.

ثقل "دولة المجتمع الفعال" وفرصها
ثقل "دولة المجتمع الفعال" و"الفرز الطبيعي" ومساراته على الإدارة السياسية الحالية لمصر والتقارب مع المطالب الثورية والشعبية؛ أنها ستتطلب جهدا كبيرا وخبرة طويلة في العمل العام، والعمل السياسي والمؤسسي الشاق لوضع "توصيفات وظيفية" فعالة لكافة مفاصل الدولة المصرية، يمكن لهذه التوصيفات أن تضمن العمل الذاتي الفعال لتلك المؤسسات دون الاعتماد فقط على أهل الثقة من المؤسسة العسكرية التي قام عليها نظام ما بعد 30 يونيو والإدارة السياسية الحالية لمصر.
لكن "دولة المجتمع الفعال" كفكرة ثقافية مركزية لمصر ستصب في صالح مفاهيم "الأمن القومي"، وتعظيم إدارة الموارد البشرية المصرية وصعود "الفرز الطبيعي" لأفضل عماصر المجتمع، مما يؤدي لطفرة نوعية في كافة قطاعات الدولة ترفع الوزن النسبي لمصر في كافة المجالات، بما سيؤدي عاجلا او آجلا لظهور "تراتب اجتماعي" عام رافع لمصر في مختلف قضاياها الوجودية.

خاتمة عن المصلحة العليا
وتبقى المصلحة العليا للوطن هي العنصر المحدد للطريق والقادر على تصحيح المسار أيا كان ثقله وثمنه، وتبقى الإدرادة النفسية القوية والصلبة هي سمة الرجال العظام، وتبقى لحظات الخطر الوجودي الكبير فرصة مدهشة لاستعداة الذات وتجاوز تناقضاتها التاريخية، والعبور نحو المستقبل.

نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية