م 1 / ف 18 الحياة في ظل تطبيق الشريعة السنية عام 840

أحمد صبحى منصور
2021 / 7 / 22

قراءة في تاريخ السلوك للمقريزى / المقريزى شاهدا على العصر
قال المقريزى في التأريخ لسنة 840
ملاحظة
يتوقف أحيانا المقريزى في بعض السنوات فيبدا بذكر الحُكّام وأعوانهم في الدولة المملوكية ، وحُكّام الدول المعروفة له في العالم وقتها . وهم من نسميهم بأكابر المجرمين . وفى هذا العام 840 أعطى المقريزى تفصيلات هامة ، نذكرها مع التعليق .
عن وظائف أكابر المجرمين يقول المقريزى عن سنة 840
أولا : الخليفة العباسى والسلطان المملوكى : ( أهلت ، وخليفة الوقت والزمان أمير المؤمنين المعتضد بالله أبو الفتح داود بن المتوكل على اللّه أبى عبد اللّه محمد ، وسلطان الإسلام بديار مصر وبلاد الشام وأراضى الحجاز مكة والمدينة وينبع وجزيرة قبرس السلطان الملك الأشرف سيف الدين أبو النصر برسباى الدقماقى‏. )
تعليق :
هنا (الخليفة وهو خليفة الزمان أمير المؤمنين ) ، ونعيد التذكير بأن الدولة المملوكية هي دولة دينية عسكرية وليست عسكرية دينية ، لذا فالخليفة بمركزه الدينى يأتي رسميا ( وبالبروتوكول ) قبل السلطان . هذا مع إنه في الواقع تابع ذليل للسلطان ، تقتصر مهمته على مبايعة السلطان ، وإعطائه شرعية دينية سُنّية للحكم والاستبداد والظلم . ولهذا يأتي وصف السلطان بعدها بأنه ( سلطان الإسلام ). ونعرف أنه يحكم مصر والشام والحجاز وقبرص.
ثانيا : كبار الأمراء المماليك في القلعة والقاهرة
( والأمير الكبير أتابك العساكر جقمق السيفى رأس الميمنة‏. والمقام الجمالى يوسف ولد السلطان رأس الميسرة‏. وأمير سلاح الأمير قرقْماس الشعبانى‏. وأمير مجلس أقبغا التمرازى‏. والدوادار الأمير أَرْكُماس الظاهرى‏. ورأس نوبة النوب الأمير تمراز القَرْمِشى‏. وحاجب الحجاب الأمير يشبَك‏. و أمير آخور جاثم أخو السلطان‏. وبقية المقدمين : الأمير تغرى بردى البكلمشى المؤذْى ، وخُجا سودن ، وقراقُجا الحسنى ، وأينال الأجرود نائب الرها ، والأمير تنبك . فهم ثلاثة عشر بعدما كانوا أربعة وعشرين مقدما‏. )
تعليق
1 : تدرّج جقمق حتى أصبح الثانى بعد السلطان ، ممّا يرشحه فيما بعد لكى يكون القائم بسلطان ابن السلطان حين يتولى السلطة .
2 : ويلاحظ وضع الصبى ابن السلطان (المقام الجمالى ) أي جمال الدين يوسف بن برسباى تاليا للأمير جقمق . وهى إشارة لأنه ولى العهد . وسبق تكليفه بمهام شرفية مظهرية ثم فتح مقياس النيل .
3 ـ ونلاحظ بين أسماء كبار الأمراء المماليك الأمير جاثم أخ برسباى . وكانت عادة السلاطين الجراكسة استقدام أهاليهم ، وتقليدهم مناصب هامة. بدأ بهذا السلطان برقوق ، حين تمهّد له الأمر .
ثالثا : حُكّام الولايات المملوكية : ( نُواب السلطان )
‏( ونواب السلطنة بالممالك : الأمير أينال الجمكى نائب الشام‏. والأمير تغرى برمش الجقمقى نائب حلب ، والأمير قانباى الحمزاوى نائب حماة‏. والأمير جلبَان المؤيدى نائب طرابلس ، والأمير تمراز المؤيدى نائب صفد ، والأمير يونسْ نائب غزة ، والأمير عمر شاه نائب الكرك ، والأمير أقباى البْشبَكى نائب الإسكندرية‏. والأمير أَسَنْدمر الأسعردى نائب الوجه القبلى ، والأمير حسن بيك الدكرى التركمانى نائب الوجه البحرى . ولم يعُد ( يقصد لم يكن ) في الدول الماضية أن يستقر أحد من النواب تركمانيا إلا فيما بعُد عن بلاد حلب ، فاستجد في هذه الدولة الأشرفية ولاية عدة من التركمان ولايات ونيابات وإمريات‏. ( إمارات ) ، بمصر والشام‏. وأمير مكة المشرفة الشريف زين الدين أبو زهير بركات بن حسن بن عجلان الحسنى‏. وبالمدينة النبوية الشريفة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام الشريف وميان ابن مانع بن على بن عطة بن منصور بن جاز بن شيحة الحسينى ، وبالينبع الشريف عقيل بن وبير بن نخبار بن مقبل بن محمد بن راجح بن إدريس بن حسن بن أبى عزيز قتاده الحسنى‏. وهؤلاء الأشراف الثلاثة نواب عن السلطان‏. )
تعليق
1 : كانت الدولة المملوكية كتلة واحدة في دولة مركزية ، يديرها السلطان من قلعة الجبل في القاهرة ، ويمثّله نُوّاب عنه في أقسام في الدولة ، بمثل المحافظات في عصرنا .
2 ـ وقسموا هذه الدولة المركزية الى ولايات ، بحسب أهميتها الحربية والسياسية للسلطان . ومع إن مصر هي المركز والأصل في الدولة إلا إنه جرى اقتطاع أجزاء منها ، وتعيين نواب للسلطان عنها ، فهناك نواب عن السلطان في الاسكندرية والوجه القبلى والوجه البحرى .
3 ـ ونفس الحال في الشام ، حيث كان للسلطان نواب في حلب وحماة وطرابلس وصفد وغزة والكرك ( وهى الأردن الآن ). هذا مع كون دمشق هي العاصمة الرئيسة للشام المملوكى.
4 ـ وكان للحجاز المملوكى وضع خاص ، تفرضه طبيعة الدولة الدينية السُّنيّة ، لذا حكمه باسم المماليك حُكّام منتسبون لبيت النبى محمد عليه السلام ، أو من كانوا يحملون زورا وبهتانا لقب ( الأشراف ). وجرى تقسيم الحجاز الى مكة والمدينة وينبع ، وكانت جدة تتبع ينبع .
رابعا : حُكّام دول العالم المعروف لديه وقتها ، أو بتعبير المقريزى : ( وفي بقية ممالك الدنيا وهم ):
1 : القان ( الخان ) معين الدين شاه رخ سلطان ابن الأمير تيمور كوركان ، صاحب ممالك ما وراء النهر وخراسان وخوارزم وجرجان وعراق العجم ومازندران وقندهار ودله من بلاد الهند وكرمان وجميع بلاد العجم إلى حدود أذربيجان التي منها مدينة تبريز ) ( ومتملك تبريز إسكندر بن قرايوسف بن قرا محمد وهو مشرد عنها خوفا من القان شاه رخ‏. )
تعليق
1 ـ شاه رخ يتمتع بلقب دينى ( معين الدين ). ومملكته تمتد من غرب ايران ( العراق العجمى ) الى شمال الهند ، الى آذربيجان . وقد ضمّ اليه تبريز التي كان يحكمها إسكندر بن قرا يوسف ، وهو في ذلك الوقت لاجئ هارب من شاه رخ .
2 : ( وحاكم بغداد أخو أصبهان بن قرايوسف. وقد خربت بغداد ، ولم يبق بها جمعة ولا جماعة ولا أذان ولا أسواق‏. وجف معظم نخلها ، وانقطع أكثر أنهارها ، بحيث لا يطلق عليها اسم مدينة بعدما كانت سوق العلم‏. )
تعليق
هذه سطور حزينة تصف ما آلت اليه بغداد تحت حكم أصبهان بن قرا يوسف . تم تخريبها اقتصاديا ودينيا وثقافيا . الثقافة الدينية للمقريزى تجعله يذكر توقف صلاة الجمعة والجماعة في بغداد .
3 : ( وعلى حصن كيفا الملك الكامل خليل بن الأشرف أحمد بن العادل سليمان بن المجاهد غازى بن الكامل محمد بن العادل أبى بكر بن الموحد عبد اللّه ابن السلطان الملك المعظم توران شاه ابن السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الكامل محمد بن العادل أبى بكر بن أيوب بن شادى . )
تعليق
العادل الأيوبى هو الذى حكم مملكة أخيه صلاح الدين الأيوبى ، وتوارثها من بعده ذريته ، وتنازعوا ، واستعان بعضهم على بعض بالصليبيين ، وانتهى أمرهم بتولى مماليكهم ( البحرية ) على معظم أملاكهم في الشام ، بقى منهم الكامل خليل صاحب حصن كيفا .
4 : في آسيا الصغرى ( تركيا الآن )
4 / 1 : الدولة القرمانية في الجنوب: ( وعلى بلاد قرمان من بلاد الروم إبراهيم بن قرمان‏. ) . وكانت إمارة بنى قرمان في خصومة مع جارتها إمارة بنى عثمان ، التي لم تكن قد تحولت الى امبراطورية بعدّ ، ثم مالبث أن خضعت لمراد الثانى المعاصر لبرسباى . قال المقريزى عن إمارة بنى عثمان وقتئذ :
4 / 2 : ( وملك الإسلام ببلاد الروم خوندكار مراد بن محمد بن كُرْشجى بن بايزيد يلدَريم بن مراد بن أُرخان بن أرِدن على ابن عثمان بن سليمان بن عثمان صاحب برصا وكالى بولى‏.) كانت الدولة العثمانية وقتها تجاور البيزنطيين ، وتتوسّع على حسابهم . لذا وصف المقريزى حاكمها في هذا الوقت بأنه ( ملك الإسلام ببلاد الروم ) لأن دولته كانت تمثل الصراع بين ( دار الإسلام ودار الحرب ). عاصر مراد الثانى العثمانى السلطان برسباى إذ حكم عام 824 . واستمر يحكم بلاده بعد موت برسباى ، وحتى عام 855 .
4 / ثم إمارة أخرى ، قال عنها المقريزى : ( وبجانب من بلاد الروم أسفنديار بن أبى يزيد .) . مالبث أن ضم مراد الثانى العثمانى كل الامارات التركية / التركمانية الى حوزته . وسنعرض للصراعات المعقدة في الشرق في باب خاص قادم .
5 : ( وعلى ممالك إفريقية من بلاد المغرب :
5 / 1 : ( أبو عمرو عثمان بن أبى عبد اللّه محمد بن أبى فارس عبد العزيز الحفصى صاحب تونس وبجاية وسائر إفريقية‏. ). هذا في تونس وجنوبها .
5 / 2 : ( وعلى مدينْة تلمسان والمغرب الأوسط أبو يحيى بن أبى حمو ) . هذا فيما يُعرف الآن بالجزائر ، وتمتد الى أجزاء من المغرب .
5 / 3 ( وبمملكة فاس ثلاثة ملوك :
5 / 3 / 1 : ( أجلُّهم صاحب مدينة فاس وهو أبو محمد عبد الحق بن عثمان بن أحمد بن إبراهيم ابن السلطان أبى الحسن المرينى وليس له أمر ولا نهى ولا تصرف في درهم فما فوقه‏. والقائم بالأمر دونه أبو زكريا يحيى بن أبى جميل زيان الوِطَاسى . ) ( وقد ضْعفت مملكة بنى مرين هذه ويزعم أهل الحدثان أن الشاوية تملكها وقد ظهرت إمارات صدق ذلك‏. )
5 / 3 / 2 ( وبعد صاحب فاس صاحب مكناسة الزيتون ، على نحو نصف يوم من فاس‏. )
5 / 3 / 3 : ( والآخر بأصِيلا ،على نحو خمسة أيام من فاس ، وهما أيضا تحت الحجر ممن تغلب عليهما‏. ) . المغرب تحت إسم ( فاس ) منقسم الى ثلاث ممالك صغيرة وضعيفة ، فاس ومكناس وأصيلا .
6 ـ ( وبالأندلس : أبو عبد اللّه محمد بن الأيسر ابن الأمير نصر ابن السلطان أبى عبد اللّه بن نصر المعروف بابن الأحمر صاحب أغرناطة‏. ). غرناطة هي آخر إمارة عربية تحتضر في أسبانيا .
7 ـ ( وببلاد اليمن :
7 / 1 : ( الملك الظاهر يحيى بن الأشرف إسماعيل صاحب تعز وزبيد وعدن‏. )
7 / 2 : ( وعلى صنعاء وصعدة الإمام على بن صلاح الدين محمد بن على الزينى‏. ). مملكتان في اليمن .
8 ـ ( وبممالك الهند الإسلامية عدة ملوك‏. ).
9 ـ ( ومماليك الفرنج بها أيضًا نحو سبعة عشر ملكا ، يطول علينا إيرادهم‏. )
10ـ ( وببلاد الحبشة : الحطى الكافر ، ويحاربه ملك المسلمين شهاب الدين أحمد بدلاى بن سعد الدين أبى البركات محمد بن أحمد بن على بن صبر الدين محمد بن ولخوى بن منصور بن عمر بن ولَسْمَع الجبرتى‏. ).
المقريزى يصف ملك الحبشة بالكفر ، لأنه في حرب مع من أسماه المقريزى ( ملك المسلمين ). هذا لأن الحبشة وقتها كانت تمثل الصراع بين ( دار الإسلام ودار الحرب ).
ملاحظة
هنا نرى المقريزى مؤرخا عالميا ، مع جعل مصر مركز تاريخه ، وعنده حقُّ في هذا ، فقد كانت مصر ( المملوكية ) مركز العالم وقتها .. يا حسرة على مصر الآن ، وقد قام بتقزيمها ضابط ( قزم ).!!
خامسا :
المناصب الديوانية : ( وأرباب المناصب بالقاهرة : ( الأمير جانبك أستادار‏. ) ( والقاضي محب الدين محمد بن الأشقر كاتب السر‏. ) ( وناظر الجيش عظيم الدولة زين الدين عبد الباسط ولا يبرم أمر ولا يحل ولا يولى أحد ولا يعزل إلا بمشورته‏. ) . المقريزى معجب بناظر الجيش يصفه بأوصاف العظمة ويُضخّم في نفوذه ، وهذا ما يتفق فيه معه المؤرخ أبو المحاسن في تاريخه ( النجوم الزاهرة ). ولكن أبا المحاسن لا يحمل حبّا لناظر الجيش عب الباسط ويجعله مستشار سوء للسلطان برسباى .
( وناظر الخاص سعد الدين إبراهيم بن كاتب حكم‏. )
هذه هي المناصب الخاصة بأقرب الناس الى السلطان في قلعة الجبل . وهم الاستادار وكاتب السّر وناظر الأملاك الخاصة بالسلطان .
المناصب الدينية : ( وقاضى القضاة الشافعي الحافظ شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن على ابن حجر، وإليه المرجع في عامة الأمور الشرعية لسعة علمه وكثرة إطلاعه لاسيما علم الحديث ومعرفة السنن والآثار ، فإنه أعرف الناس بها فيما نعلم‏. ) ( وقاضى القضاة الحنفي بدر الدين محمود العيني‏. ) ( وقاضى القضاة المالكي شمس الدين محمد البساطي‏.) ( وقاضي القضاة الحنبلي محب الدين أحمد بن نصر اللّه البغدادى‏.).
تعليق
المقريزى يمتدح ابن حجر ، ويجعله مرجعية في الشريعة السُّنّية . ولأنه القاضي الأكثر علما ونفوذا وسيطرة فهو أكبر أكابر المجرمين من القضاة الفقهاء الداعمين لكل الجرائم التى يرتكبها السلطان بموافقته وبتأييده . أكثر من هذا فقد كان ابن حجر أكثر القُضاة فسادا ، وكان السلطان برسباى ــ أكبر أكابر المجرمين ــ يتدخل أحيانا لإصلاحه وإصلاح القضاء ، وهذا وفق ما ذكره المقريزى نفسه . إبن حجر مؤرخا في كتابه ( إنباء الغُمر بأبناء العُمر )لم ينتقد برسباى ، ولم ينتقد من سبق برسباى ، بمثل ما فعل المقريزى. لم يفعل لأنه كان أحد أعمدة النظام الفاسد المجرم ، هذا يذكرنا بشيوخ الأزهر في عصر العسكر .
المناصب الأمنية : ( والمحتسب الأمير صلاح الدين محمد ابن الصاحب بدر الدين حسن بن نصر الله‏. ) المحتسب هو الذى يراقب الشوارع والأسواق ، وله سٌلطة الضبط وسلطة اصدار الحكم وسلطة تنفيذ الحكم ، أي يجمع السُّلُطات الثلاث ، وليس وقاض وجلّاد . ويستخدمها في جمع الأموال. والشيخ العينى تولى هذا المنصب مرارا ، كما تولى منصب قاضى القضاة الأحناف .
( ووالى القاهرة عمر الشويكى‏. ). أي مدير الأمن .

نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية