الحصار وتوافيق وتباديل النموذج المصري في السياسات الخارجية

حاتم الجوهرى
2021 / 7 / 21

لابد الآن وأن تكون الإدارة السياسية المصرية الحالية أمام اختيارات متعددة في حسم تصورها لسياساتها الخارجية، خاصة بعدما وصلت أزمة "السد الأثيوبي" في جلسة مجلس الأمن التي عقدت مؤخرا إلى غياب قرار ملزم وواضح، وظهر معها "استقطاب دولي" شديد لم ينتصر لمصر، رغم ادعاء البعض وجود تفاهمات وتقاطعات مشتركة مع مصر في العديد من المحاور وقضايا التنمية، سواء في الغرب الرأسمالي أو الغرب الاشتراكي القديم ومعه الصين الجديدة.

"استقطاب دولي" عاجز
وأصبح أمام مصر طريق شبه وحيد للمرور للمستقبل وتجاوز "الاستقطاب الدولي" السلبي الراهن، وهو أن تطور سياسة خارجية مدمجة (بين الخشن والناعم) تفرض بها أمرا واقعا جديدا، وتكسب احترام الجميع كلاعب دولي له مصالحه الخاصة التي يدافع عنها، وعلى الجميع مراعاتها.

دراسة الأنماط السابقة
لتحديد "التباديل والتوافيق" المطلوبة
وهنا سيكون أمام مصر عدد من الاختيارات والنماذج السابقة، لكي تصل عبر "التوافيق والتباديل" إلى نموذج خاص بها، وذلك وفق المبدأ العلمي في دراسات التدافع الحضاري الذي يقول: بدراسة تاريخ النمط في الموضوع المراد اتخاذ قرار بشأنه، حتى يمكن الوصول للطريقة الأمثل لشكل النمط المستقبلي واعتماده، وفق دراسة المتغيرات الخاصة وأفق توقعها.
حقيقة مصر الآن في موقع أقرب للحصار والأزمة الوجودية الشديدة، لأن مراكز صنع القرار في الغرب تقف متفرجة على "المباراة السياسية" الدائرة حاليا، وتنتظر أن تعطي تقييما لمصر وفق قدرتها على إدارة ملف "السد الأثيوبي" عبر المسارات الخشنة والناعمة وما بينهما.

حتمية خلق "استقطاب مضاد"
ومصر تملك في "مستودع هويتها" التاريخي زخما شديدا يجعل لها رصيدا وقوة ناعمة هائلة، يمكن لها استثمارها إذا نجحت في تطوير خطاب سياسي عام يلقى القبول في طبقات "مستودع الهوية" هذا، على اختلافها بين العربي والإسلامي والدولي، ولابد أن نعترف بداية أنه في كل الأحوال سيكون على مصر أن تخلق "استقطابا مضادا" استنادا إلى مواقفها في حتمية الحفاظ على حق المصريين في الحياة والماء.
لكن على المستوى السياسي سيكون على مصر البحث في "الحالات المشابهة" التي وصلت لمرحلة الاستقطاب الدولي، والانسداد في علاقتها بالنظام الدولي للأمم المتحدة المستقر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، مع الإشارة إلى أن البعض يري أن هذا النظام نفسه وصل لمرحلة من الهشاشة الملحوظة، مع وصول "المسألة الأوربية" وثنائياتها المتناقضة ومتلازماتها الثقافية لمرحلة العبث والانسداد والمراوحة في المكان، من ثم يرى البعض فرصة مصر أوسع في تفجير النظام العالمي الراهن، والدعوة لعالم "ما بعد المسألة الأوربية" وتجاوز استقطاباتها التي تستند أثيوبيا إليها في خطابها السياسي.
إنما بيت القصيد أنه سيكون على مصر والإدارة السياسية الحالية أن تحسم أمرها في طريقة خلق "استقطاب سياسي دولي" يعبر عن مصالحها القومية التي تتعرض للتهديد الوجودي الشديد، وسيكون عليها دراسة "أنماط التدافع" و"خلق الاستقطابات" التي اتبعتها الدول الأخرى، حينما واجهت حالة الانسداد والصدام مع بنية النظام العالمي..

نماذج الدول التي وقفت أمام الهيمنة الغربية/ الأممية
سيكون أمام مصر حالات عدة لدراستها والاختيار من بينها، أو إجراء "تباديل وتوافيق" ما فيما بينها بالحذف أو بالإضافة أو التعديل، وصولا لشكل "السياسة الخارجية" التي ستستقر عليها لتخلق "موقفا استقطابيا" دوليا عبر خطاب سياسي يملك الحجة والسبل لحفظ الأمن القومي المصري من الخطر الوجودي الشديد الذي يهدده.
وهذه الحالات نذكر منها: كوبا، كوريا الشمالية، إيران، وكذلك من بعض وجهات النظر باكستان ما قبل القنبلة الذرية، وتركيا في علاقات الشد والجذب مع الاتحاد الأوربي.
وكذلك في مستوى آخر نموذج روسيا فيما بعد تفكك الاتحاد السوفيتي، والنموذج الهندي في قدرته على الاستقلال، وأخيرا النموذج الصيني وسياساته الخارجية.

المحددات الثلاثة الضابطة لقوة السياسات الخارجية
هذه النماذج المتنوعة كل منها وفق طبيعته الخاصة وظروفه المحددة واجهت النظام الدولي الذي تسيطر عليها أمريكا والغرب الليبرالي، واستطاعت كل منها بطريقتها الخاصة الصمود وحقق كثير منها النجاح على المستويين السياسي والاقتصادي، حيث عادة ما يراهن الغرب الليبرالي على عجز المسار الاقتصادي على رفد ودعم الاختيارات السياسية لتلك الدول وصمودها.
بداية على المستوى العسكري حققت معظم تلك الدول كفاية ذاتية ما تواجه بها الحصار الغربي والأممي، سواء في إيران أو كوريا الشمالية أو حتى باكستان في مواجهة العقوبات الأمريكية.
وعلى المستوى الاقتصادي نجحت بعض تلك الدول في استيفاء كفاءة اقتصادية فعالة ترفد بها قدرتها على المواجهة السياسية والصمود والاستقلال، تحديدا في الصين وتركيا والهند، في حين واجهت بعض تلك الدول صعوبات اقتصادية مثل إيران وكوريا الشمالية.
على المستوى الثقافي حاولت معظم تلك الدول تقديم خطاب ثقافي/ سياسي يدعم روايتها الخاصة في مواجهة الرواية والخطاب الغربي الأممي، لكن وقعت معظم تلك الخطابات في فخ الاستقطابات الخاصة بـ"المسألة الأوربية" ورد الفعل لها، فلم يقدم خطاب ثقافي ما رواية سياسية قوية قادرة على اختراق الرواية الغربية شعبيا ورسميا، سوى في حالات جزئية بعينها.

موقف مصر من المحددات الثلاثة
لبناء سياسة خارجية ناجعة
من خلال دراسة المحددات الثلاثة السابقة لبناء السياسات الخارجية للدول التي واجهت النظام الأممي أو الغربي، يمكن القول أن مصر لكي تخلق "استقطابا دوليا" تدافع به عن مصالحها القومية الوجودية المهددة، عليها أن يكون لديها تصورا فعالا وكفاية مقبولة على المستوى العسكري والاقتصادي والثقافي.
ويجوز القول إن مصر ربما تملك مسافة ما لردمها على مستوى الانتاج الذاتي العسكري، وربما تسعى لتحقيق نجاحات في المستوى الاقتصادي وكفاية المحاصيل الاستراتيجية أيضا، لكنها تملك فرصة متمايزة للغاية على المستوى الثقافي/ السياسي لخلق استقطاب عالمي لصالحها، يقوم على تجاوز تناقضات "المسألة الأوربية" ورفض إعادة إنتاج هذه التناقضات في ملف السد، ومطالبة الغرب بتحمل مسئوليته تجاه العُقد الاستعمارية التي تكونت في القارة السمراء، بالإضافة إلى عدالة قضيتها في توفير الماء كمورد لحياة عموم الشعب المصري.
وفق المحددات الثلاثة السابقة العسكرية والاقتصادية والثقافية، يمكن لمصر أن تقرر شكل "التوافيق والتباديل" التي ستستقر عليها في بناء سياستها الخارجية، لتخلق "استقطابا دوليا" دفاعا عن مصالحها الوجودية المهددة.

عدالة القضية
وقابلية الخطاب الثقافي/ السياسي على النفاذ للآخر
ويمكن لمصر أن تتفوق سريعا لتحقق نموذج "الدولة الصاعدة" كلاعب قوي في النظام العالمي الذي تبدو ملامحه في الأفق، استنادا لعدالة قضيتها وقدرتها على تقديم خطاب ثقافي/ سياسي يملك القابلية للنفاذ للغرب شعبيا ورسميا، ولكن هذا الخطاب الناعم سيكون في حاجة لموارد خشنة عسكرية واقتصادية، تتطلب خططا سريعة لتعديل سياسات الدولة المصرية الحالية لتواكب الموقف الاستراتيجي الدولي الذي وُضِعت فيه.
حيث تملك مصر فرصة قوية للخروج من حالة الحصار الحالية التي تعاني منها منتصرة، وتصبح واحدة من الدول الرئيسية في عالم "ما بعد المسألة الأوربية"، وتصنع لنفسها طريقا خاصا كواحدة من الدول التي تحدت عبثية النظام الأممي والدولي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية القرن الماضي، والتي سعت لتجاوزه نحو نظام عالمي أكثر عدلا ومنطقية، دون حق مقدس يملكه البعض يضعه فوق القانون والمعايير (الفيتو).

نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية