السياسات التنموية بين المراكز والأطراف.. مصر والإمارات أنموذجا

حاتم الجوهرى
2021 / 7 / 20

قد يقول البعض إن مصر اتبعت بشكل عفوي أو قصدي حزمة سياسات تنموية سارت على خطى دولة الإمارات العربية المتحدة، خاصة فيما بعد الموجة الثورية الثانية لثورة 25 يناير في 30 يونيو 2013م، ليثير البعض الآخر التساؤل حول قدرة السياسات التنموية التي قد تناسب أطراف الحواضن الثقافية مثل الإمارات، لمراكز الحواضن الثقافية مثل مصر؟

هل بالفعل
لا يوجد متون وهوامش للأشياء؟
يمكن القول إنه على مستوى النخب يوجد أثر سلبي لأفكار ما بعد الحداثة التي شاعت بين المثقفين العرب، على العديد من المقومات والمفاهيم الأساسية للدول والحضارات الإنسانية عموما، من هذه الآثار السلبية عدم التفرقة بين خطابي الهامش والمتن الغربيين، حيث يعبر خطاب الهامش عن أزمة الثقافة الأوربية، ووصول "المسألة الأوربية" ومتلازماتها الثقافية إلى مرحلة الذروة والانسداد، من ثم بحثهم عن تصورات للعيش في ظل عبثية "المادية الأوربية" في تمثلاتها المتعددة.
وفي الوقت نفسه يحضر خطاب المتن الذي يشير لما هو سائد داخل مؤسسات الدولة الغربية، والذي يستند للمفاهيم الصلبة التاريخية لوجود الدول المركزية بكل ما يحمله الأمر ما تبعات ومتطلبات.

الدراسات الثقافية
وأثر هزيمة اليسار الأوربي
هذا المدخل عن المتون والهوامش الهدف منه الإشارة لشيوع خطاب نمطي يحظى بـ"تقييم اتفاقي" مرتفع بين العديد من المثقفين العرب، لفكرة الهوامش والمتون في العالم العربي، ومحاولة الانتصار للهوامش المفترضة على حساب متون ما، وذلك تأثرا بازمة "المسألة الأوربية" وعبثيتها، وتحول اليسار الأوربي في بريطانيا نحو مذهب "الدراسات الثقافية" الذي يُعمل "المنهج الثقافي" في تناول الظواهر الإنسانية، لكن مع اختيار خاص به أقرب إلى الأيديولوجيا يقوم على الانتصار للأبينة الهامشية في المجتمع أيا كانت، نظرا لعجزه عن مواجهة المتون اليمينية أو المتون التي أصبحت تحت سيطرة الفكر الليبرالي أو الرأسمالي.

استعادة الذات العربية
وفرضية "دور المراكز التاريخية"
من ثم سوف ننطلق في هذه المقالة من فرضية واضحة تقول: إن الذات العربية كي تقوم باستعادة نفسها، ومواجهة التحديات الحضارية والثقافية التي تواجهها حاليا، فإنها يجب أن تستعيد دور المراكز التاريخية القديمة وفي القلب منها مصر.
لذا بالتبعية سنقارن الفرضية الخاصة بنا عن ضرورة قيام المراكز العربية القديمة بتبعات دورها التاريخي، مع ما تقوم بها هذه المراكز حاليا من سياسات، خاصة ما يبدو أن القاهرة تحاول محاكاته في تتبعها لأثر سياسات التنمية التي تم اعتمادها في أحد الهوامش العربية التاريخية، التي صعدت حديثا ومؤخرا بالاعتماد على توظيف الفوائض النقدية التي تراكمت لديها من بيع البترول، ونقصد دولة الإمارات العربية المتحدة.

التنمية وسياساتها
بين الحواضن والأطراف
سنجد في النموذج التطبيقي لـ"دراسة الحالة" أن القاهرة فيما بعد 2013م وإزاحة نظام الإخوان؛ قد اقتربت كثيرا من سياسات التنمية التي تم اعتمادها في دولة الإمارات العربية المتحدة التي ظهرت للوجود ككيان سياسي في بداية سبعينيات القرن الماضي.
وهو ما تمثل في توجه مصر نحو الاستثمار العقاري وإنشاء القاهرة عددا من المدن الجديدة، تُوجه نحو المستثمر الخارجي نظرا لفئتها السعرية، كما اتجهت القاهرة بنسة ما نحو اقتصاد الخدمات وما إلى ذلك، وابتعدت لحد كبير عن الصناعات الثقيلة والمتكاملة، ولم تفعل -لحد بعيد- حاضتها الجغرافية بما تشمله من إمكانيات متمايزة ومتنوعة، سوى في بعض القطاعات بنسب ما.
والحقيقة يمكن القول إن سياسات التنمية التي تعتمد على الاستثمار العقاري ورفع قيمته السوقية، واقتصاد الخدمات اللوجستية والمعابر التجارية، والاستثمارات المصرفية، قد يناسب الإمارات تاريخيا فهي بالأساس مجموعة من الجزر البحرية المتباعدة، التي عملت تاريخيا في التجارة، ومع ظهور البترول وفوائضه طورت نمطها التجاري كمعبر بين الدول، وطورت نفسها كوجهة سياحية، وكمقصد لتقديم خدمات الإمداد والتموين والدعم (اللوجستيات)، ومجموعة من الأنشطة المشابهة الأخرى، بما يناسب البنية الجغرافية والتاريخية والثقافية للإمارات في علاقتها بـ"مستودع الهوية" العربي.
لكن القاهرة تختلف كثيرا عن دولة الإمارات التي توجد في أقصى أطراف العالم العربي من جهة الشرق، القاهرة كانت ومازالت المركز الذي يربط شرق العالم العربي بغربه، والحائط الذي تتحطم عليه موجات الغزو المتكررة للمنطقة.

فلسفة الحضارة الخاصة بالمتون
أو متطلبات الحواضن الثقافية بين المراكز والأطراف
من ثم فالقاهرة هي حصن تاريخي ومتن عربي، وللحصون والمراكز في "مستودعات الهوية" التاريخية للجماعات البشرية متطلبات وشروط، منها قدرة هذه المراكز على البقاء على الحياة تحت الحصار وامتلاك متطلبات الصناعات الثقيلة السائدة في عصرها، وبناء "مشترك قيمي" اجتماعي واقتصادي عند أهلها، وربما سياسات التنمية التي اعتمدتها القاهرة تقفيا لأثر الإمارات كانت ضد الطبيعة المركزية التاريخية لمصر.
بما يتطلب الآن الوعي بفلسفة الحضارة التاريخية المرتبطة بالمراكز في "مستودعات الهوية" التاريخية، وتحديدا في "مستودع الهوية" العربي، حيث فلسفة الحضارة في المراكز تقوم على التنمية الثقيلة وبناء النمط الثقافي، ولا تقوم على التنمية الخدمية وميوعة النمط الثقافي في استقباله للوافد.
كذلك تقوم فلسفة التنمية الحضارية في الحواضن التاريخية على بناء "المشترك القيمي" المرتبط بـ"مستودع الهوية" وتعزيز قدرة الناس على الدفاع عنه عند الأزمات، وحقيقة سياسات التنمية المرتبطة بالنموذج الإماراتي قد فجرت "المشترك القيمي" زيادة عما هو عليه بعد استقطابات ما بعد ثورة 25 يناير وموجتها الثانية في 30 يونيو، فارتفعت أسعار الشقق السكنية بما يتجاوز قدرة عموم الناس، وأدى غياب الاقتصاد الانتاجي وحضور الاقتصاد الخدمي والعقاري لزيادات مستمرة في أسعار الطاقة والسلع الأساسية، تواكب مع تعويم الجنية وانخفاض قيمته أمام العملات الرئيسية، مما أدى إلى شعور الناس بالأزمة وعدم شعورهم بالأمان وقدرتهم الذاتية على مواجهة تقلبات الحياة، وهو ما يعد أبرز مقومات "الأمن القومي" الفطري عند الشعوب.

استعادة القاهرة لسياسات التنمية
المرتبطة بدورها كحاضنة ثقافية تاريخية
إذا كنا قد وضعنا في بداية المقال فرضية تقول: أن الذات العربية كي تقوم باستعادة نفسها، ومواجهة التحديات الحضارية والثقافية التي تواجهها حاليا، فإنها يجب تستعيد دور المراكز التاريخية القديمة وفي والقلب منها مصر.
فهناك فرضية أخرى يمكن أن نربطها أو نضمها للفرضية السابقة، وهي فرضية تفعيل "الحاضنة الجغرافية" كمحور للتنمية وسياساتها في المراكز التاريخية، والمقصود بتفعيل الحاضنة الجغرافية أي ربط التنمية بالطبيعة الجغرافية وتحويل التنمية إلى تنمية متكاملة، وربط التمدد العمراني بالنشاطات الجغرافية الاقتصادية الطبيعية، دون تحويل التمدد العمراني إلى مجرد توسع مطرد دون هوية اقتصادية وتنموية وانتاجية حاكمة وضابطة.

خاتمة: سياسة تنموية فاعلة
ومقاربة تفجير الاستقطاب الإقليمي والعالمي
يشهد العالم لحظة حضارية حرجة للغاية وتشهد المنطقة العربية احتمالات جذرية متعددة، ما بين الظهور والقوة والاستعادة والتفوق والصعود الحضاري، وبين الهزيمة والاستلاب للآخر والتبعية والاضمحلال الحضاري.
ولا نجاة للذات العربية إلا باستعادة المراكز العربية لدورها التاريخي، ولا نجاة لمصر من الحصار التي وصلت له مع "صفقة القرن" و "السد الأثيوبي" إلا باستعادة الصلة الواضحة بـ"مستودع الهوية" العربي، فلا نجاة لمصر إلا باستعادة ما يظنه البعض أثقالا لكنها في الحقيقة هي المحددات التي تمنح لمصر هويتها وروحها.
يجب على مصر الآن المبادرة إلى خلق استقطاب على المستوى العربي وعلى المستوى العالمي، وعبر هذا الاستقطاب فقط يمكن لمصر أن تخرج أفضل ما يكون من حصارها الدائر حاليا..
على المستوى العربي يجب أن تخلق استقطابا حول عودتها للدفاع عن "مستودع الهوية" العربي وفي القلب منه قضية فلسطين وضبط علاقة التدافع الإقليمي مع الهيمنة والعنصرية الصهيونية، والتمدد الشيعي، والطموح العثماني، بما يمنح لمصر روحها ويجلي عنها صدأ التخلي عن هويتها ودورها التاريخي، الذي أدى لقطع جذورها التحررية في أفريقيا والعالم العربي والمشهد الدولي.
وعلى المستوى العالمي يجب أن تخلق مصر استقطابا حول تبنيها لعالم جديد يدور حول "ما بعد المسألة الأوربية" وتجاوز عقدها ومتلازماتها الثقافية، والتصدي لإعادة إنتاج الاستقطاب القديم بين الشرق والغرب وضبط الدور الصيني، لأنه وفق هذه المقاربة يمكن لمصر بناء استقطاب عالمي يتجاوز أوهام "المسألة الأوربية"، ومحاولة إعادة إنتاج الاستقطاب بأشكال متنوعة في ملف السد الأثيوبي مثلا..
وأولا وقبل أي شئ يجب أن تستعيد مصر سياسات التنمية المستقلة المتكاملة التي تمكنها من حرية التعبير عن رأيها، وفق امتلاكها حدا أدنى من الموارد الناعمة والخشنة، بما يمكنها من احتمالية التحول لنموذج عالمي جديد، وتجاوز الحصار المضروب عليها حاليا، والخروج منه عبر فرصة بديلة للازدهار والصعود لا للاضمحلال والتراجع.

عصام الخفاجي مناضل واكاديمي وباحث يساري في حوار حول دور وافاق اليسار والديمقراطية في العالم العربي
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي