م 3 / ف 17 الحياة في ظل تطبيق الشريعة السنية عام 839

أحمد صبحى منصور
2021 / 7 / 18

قراءة في تاريخ السلوك للمقريزى / المقريزى شاهدا على العصر
قال المقريزى في التأريخ لسنة 839
تابع شهر رجب
غارات الأعراب على المسافرين بين مكة والمدينة ( خبر ينقله المقريزى شاهدا عليه )
( وفي ليلة الأربعاء ثالث عشره‏:‏ بعث الشريف زين الدين أبو زهر بركات بن حسن بن عجلان أمير مكة بعثاً لمحاربة بشر من بطون حرب إحدى قبائل مدحج‏ ، ‏ ومنازلهم حول عسفان، نزلوها من نحو ستة عشر وثمانمائة ، وقد أخرجهم بنو لام من أعمال المدينة النبوية ، فكثر عبثهم وأخذهم السابلة من المارة إلى مكة بالميرة‏. وجعل على هذا البعث أخاه الشريف علي بن حسن بن عجلان ، ومعه من بني حسن الشريف ميلب بن علي بن مبارك بن رميثة وغيره‏ ، والوزير شكر في عدة من الناس‏ . وسار معهم الأمير أرنبغا أمير الخمسين المركزين بمكة من المماليك السلطانية ، وصحبته منهم عشرون مملوكاً . فنزلوا عسفان يوم الخميس رابع عشره ، وقطعوا الثنية التي تعرف اليوم بمدرج علي ، حتى أتوا القوم ، وقد أُنذروا بهم ، فتنحوا عن الأرض ، وتركوا بها إبلاً مع خمسة رجال ‏. فأول ما بدأوا به أن قتلوا الرجال الخمسة وامرأة حاملاً كانت معهم وما فى بطنها أيضاً ، واستاقوا الإبل ، حتى كانوا في نحو النصف من الثنية المذكورة ، ركب القوم عليهم الجبلان ، يرمونهم بالحراب والحجارة . فانهزم الأمير أرنبغا في عدة من المماليك ، وقد قتل منهم ثمانية ، ومن أهل مكة وغيرهم زيادة على أربعين رجلاً ، وجرح كثير ممن بقي‏ . وغنم القوم منهم اثنين وثلاثين فرساً ، وعشرين درعاً ، ومن السيوف والرماح والتجافيف ( هي البقول المجففة ) ، ونحو ذلك من الأسلحة‏. ومن الأسلاب والأمتعة ما قيل أنه بلغ قيمته خمسة آلاف دينار وأكثر‏. فلما طلعت شمس يوم الجمعة النصف منه دخل أرنبغا - بمن بقي معه من المماليك – مكة ، وهم يقولون : " قتل جميع من خرج من العسكر‏ " . فقامت عند ذلك صرخة بمكة من جميع نواحيها ، لم نر مثلها شناعة‏. وأقبل المنهزمون إلى مكة شيئاً بعد شيء في عدة أيام‏. وحمل الشريف ميلب في يوم السبت ميّتاً‏. ومات بعده بأيام شريف آخر من جراحة شوهت وجهه ، بحيث ألقته كله من أعلا جبهته إلى أسفل ذقنه‏. )
تعليق
1 ـ ‏ يتضح من سياق هذا الخبر أن المقريزى كان يقيم في مكة وقتئذ ، يقول : ( فقامت عند ذلك صرخة بمكة من جميع نواحيها ، لم نر مثلها شناعة‏. ). ونفهم أن الأخبار من مصر وغيرها كانت ترد اليه حيث يقيم . ويتميز تأريخه هنا بالاهتمام بأخبار المشرق ، وواضح أنها كانت تصله عبر الحجاج الآتين من هناك .
2 ـ نفهم أن أعراب قبيلة ( بشر ) كانوا يقطعون الطريق ، ويسلبون قوافل المؤن الآتية الى مكة ، ممّا أغضب ابن عجلان أمير مكة ، فبعث حملة للقضاء عليهم ، يقودها إثنان من ( الأشراف ) وبعض الأمراء المماليك . وصلت الأنباء الى أعراب ( بشر ) فاستعدوا بخطّة مدروسة، غادروا مكانهم وتركوا فيه بعض الابل وخمسة رجال وامرأة حبلى . بنفس منطق السلب والنهب الذى يتبعه الأعراب قتلت الحملة الرجال الخمسة والمرأة الحامل ، وساقوا معهم الابل . وكمن لهم الأعراب في الطريق ، وهاجموهم من حيث لا يتوقعون ، فهزموهم وقتلوا وجرحوا معظمهم ، وسلبوا ما معهم. ودخل ارنبغا الأمير المملوكى مكة مهزوما بمن بقى معه ، وشهد المقريزى هذا ، ووصف ما حدث .
3 ـ بغض النّظر عن أحداث هذا الفيلم الأكشن الذى يذكرنا بأفلام هوليود عن الصراع بين الأمريكيين والهنود الحُمر ــ فان الدين الأرضى ( السُّنّة ) يجمع بين الفريقين المتحاربين ( الأشراف والأعراب ) ، أي تشابهت قلوبهم . الفارق الوحيد أن الاشرف من أكابر المجرمين ويحتمون بزعم أنهم اشراف ، بينما الأعراب مجرمون ، ولا ينتحلون لقب ( الأشراف ).
محمل الحج
( وفي يوم الإثنين خامس عشرينه‏:‏ أدير محمل الحاج‏. ورسم أنه إذا وصل إلى الجامع الجديد خارج مدينة مصر ( مصر هنا تعنى الضواحي القديمة المحيطة بالقاهرة ) يرجع به ، والقضاة أمامه إلى الخانكاه الشيخونية بالصليبة خارج القاهرة فقط ، ويمضي الفقراء معه إلى تحت قلعة الجبل ، ثم منها إلى الجامع الحاكمي . وأبطلت الرماحة من الركوب مع المحمل في هذه السنة‏. )
تعليق
1 ـ مدينة مصر تعنى هنا الضواحي القديمة المحيطة بالقاهرة مثل الفسطاط التي بناها عمرو بن العاص ، والعسكر التي بناها العباسيون ، والقطائع التي بناها أحمد ابن طولون . ثم أسّس الفاطميون القاهرة ، ومالبث أن اتصل العمران بين بتلك المدن ، ولكن تميزت تلك المدن القديمة عن القاهرة باسم (مصر ). فيما بعد توسعت ( القاهرة ومصر ) والتحقت بها قرى مجاورة من الشمال ومن الجنوب ، وازداد توسعها في عهد الخديوى إسماعيل الذى جعلها قطعة من أوربا ، بتعمير وسطها وتشجيرها فتحولت من قرية كبرى من العصر العثمانى الى مدينة أفخم من مدن أوربية كثيرة ، عجز الحكم العسكرى المصرى عن تنمية الريف فقام الفلاحون بهجرات الى أطراف القاهرة ، فأصبحت متخمة بالعشوائيات ، مما جعل المترفون يبتعدون عنها الى أحياء راقية خاصة بهم . ولا يزال المصريون خارج القاهرة الكبرى يطلقون عليها : ( مصر ).
2 ـ لمجرد التذكير : محمل الحج المملوكى كان شعيرة سُنّية سلطانية رسمية ، يحضرها القضاة الأربعة وأعلام الفقهاء وكبار الفقراء ( أي الأولياء الصوفية )، وكان لها تقليد شرعي في سير موكبها . ولأنه دين يملكه أصحابه يخترعون فيه ما يشاءون ، فقد كان يحدث بعض التعديل وفقا للظروف ، كما أشار اليه المقريزى في هذا الخبر .
شهر شعبان
أخبار مكة
1 ـ ( في أوله‏: قدم ركب العمار إلى مكة - شرفها الله تعالى - وفيهم ولي الدين محمد ابن قاسم مضحك السلطان ، والصاحب كريم الدين عبد الكريم ابن كاتب المناخ ، والأمير يَلْخجا ، ومعه عدة مماليك بدل من بمكة من المماليك الذين صحبة أَرَنبغا . وبلغ ركبهم نحو ستمائة جمل‏. ).
2 ـ ( وفي يوم الخميس خامسه‏:‏ قدم الشريف بركات إلى مكة ، فقرئ بحضوره في الحجر الأسود توقيع ابن قاسم باستقراره في نظر الحرم الشريف وعمارته ، وتوقيع باستقرار الصاحب كريم الدين في نظر جدة ، وأن إليه أمر قضائها وحسبتها‏. وتوقيع باستقرار الأمير يَلْخُجا في شد جدة‏. )
تعليق
1 ـ طبقا لشريعتهم السُنّية يتمسحون بالكعبة والحجر الأسود في توثيق تعيين أكابر المجرمين في الحجاز.
2 ـ المقريزى يتكلم من داخل مكة ، شاهدا على من أتى اليها من الحُجّاج.
3 ـ ( وفي ليلة الأربعاء حادي عشره‏:‏ توجه الصاحب كريم الدين من مكة إلى جدة ومعه الأمير يلخجا‏. ومضى الشريف بركات لمحاربة حرب‏. ثم خرج الأمير أرنبغا بمن بقي من المماليك المركزين معه من مكة يريد القاهرة وقد تأخر منهم - سوى من قتل ـ أربعة لعجزهم من شدة جراحاتهم عن الحركة‏ ، فنزل جدة ، ثم مضي منها على الساحل ، خوفاً من العرب‏. )
تعليق
1 ـ المقريزى يؤرخ هنا من مكة حيث يقيم وقتها ، يسجل قدوم المماليك وأعوانهم الى مكة ، وخروج بعضهم ، وتفاصيل ما يحدث في مكة . وهو بالطبع يعرف من القادمين من مصر أخبار مصر ، كما يعرف من القادمين لمكة أخبار بلادهم ، ويسجل هذا .
2 ـ من الخبر السابق نعلم خروج الشربف بركات لحرب الأعراب ، ورجوع الأمير المملوكى المهزوم ( أرنبغا ) للقاهرة يجرُّ معه أذيال الفشل بالإضافة الى من تبقى حيا من حملته المهزومة ، ولم يستطع اصطحاب الجرحى الميئوس منهم .
3 ـ هذا يذكرنا برجوع جيش العسكر المصرى منكوسا مجللا بالعار بعد هزيمة 1967 ، لا تزال ذكرى من رأيتهم يؤرق القلب . وما أروع قصيدة أحمد فؤاد نجم التي تغنّى بها الشيخ إمام : ( الحمد لله خبطنا تحت بطاطنا يا محلى رجعة ظباطنا من خط النار) ( يأ هل مصر المحمية بالحرامية الفول كتير والطعمية والبر معدن والأشيا أخر أشيا ، بدام جنابه والحاشية بكروش كبار .. ) .
تأريخ بأثر رجعى يكتبه المقريزى عن وباء في اليمن ( عدن ) وينتشر منها الى الحبشة وأفريقيا
( وكان قد وقع بعدن - من بلاد اليمن وباء استمر أربعة أشهر آخرها شعبان‏. هذا بعد ما طبق بلاد الحبشة بأسرها وامتد إلى بربرة‏. وقد شنع ببلاد الزنج‏. ثم كان بعدن فمات بها - أعني عدن - عالم عظيم. )
ويبيّن لنا المقريزى وصول الأخبار له عن طريق ( مراسلين له ) ، يقول :
( قدم علينا منها بمكة كتاب موثوق به ، يخبر أنه مات بعدن في هذه الأربعة أشهر - خاصة ممن عرف اسمه - سبعة آلاف وثمانمائة‏. وفي كتاب آخر أنه مات بها ثلاثة أرباع الناس ، ولم يبق إلا نحو الربع من الناس‏. وفي كتاب آخر أنه خلا بعدن نحو ثلاثمائة دار، مات من كان بها ، وأن الوباء ارتفع منها آخر شهر شعبان ، وأنه انتقل من عدن إلى نحو صعدة‏. ).
تعليق
1 ـ المقريزى يكتب بعض الأخبار الآتية له من ( المراسلين في الخارج ) عندما تصل اليه ، وعادة أن تصل اليه متأخرة بعد وقوعها بزمن . وهذا حسب وسائل الاتصال وقتها . وكان المقريزى يؤكد على صُدقية ( خطأ أن يقال : مصداقية ) مراسليه ، وينقل عنهم مشيرا الى تأخر تسجيله للخبر عن وقت حدوثه . وهذه أمانة علمية نشكرها له .
2 ـ لم تكن وقتها رقابة على ما يكتبه المؤرخون ، ولا على ما يصل اليهم من أخبار عبر وسائل الاتصال ، بالبريد ، التابع للدولة ، وكانت الاتصالات به مستمرة ومستقلة . لم يتدخل السلطان برسباى فيما يكتبه المقريزى وفيما يصل اليه من رسائل عبر البريد المملوك للدولة ، ولم يسلّط عليه القُضاة ولا المحتسب ، وهو الذى كتب ناقدا له ولأمرائه . بل إن كتاب السلوك للمقريزى ــ والذى ننقل عنه هنا ، ونحلله ـ وصلت شهرته الى خارج الدولة المملوكية ، والى أعدائها ، وقد كتب المقريزى أن شاه رخ ـ غريم برسباى ـ طلب نسخة من تاريخ السلوك للمقريزى . لم يتهمه برسباى بالعمالة لجهات أجنبية ، ولم يلفق له تهمة ( بالانضمام الى جماعة محظورة مع العلم بأهدافها ) ، كما يفعل ضابط المخابرات الذى يحكم مصر الآن ..
3 ـ هذا يؤكد أن مصر تتقدم بكل ثبات الى الخلف .. الى العصر الحجرى .!!
‏شهر رمضان ، أوله يوم الثلاثاء‏:
وظائف أكابر المجرمين
( وفي سابعه‏:‏ خلع على الأمير غرس الدين خليل بن شاهين واستقر في الوزارة، عوضاً عن تاج الدين بن الخطير. وسبب ذلك أن مماليك الطباق بالقلعة رجموا في رابعه الوزير تاج الدين حتى كاد أن يهلك ، فسأل أن يُعفي من المباشرة ، فرُسم بطلب كريم الدين ابن كاتب المناخ من جدة ليلة الوزارة ، فتهيأت لغرس الدين هذا‏. )
تعليق
تهيأت الظروف لتولى خليل بن شاهين الوزارة ليكون بجانب برسباى أكبر أكابر المجرمين . السبب أن المماليك الجلبان كادوا أن يقتلوا الوزير تاج الدين ، فسأل إعفاءه من منصبه . والى أن يأتي من جدة ابن كاتب المناخ ليتولى الوزارة جاء تعيين خليل بن شاهين ـ مؤقتا .
حركة تنقلات
( وفيه جهز لطوغان حاجب غزة خلعة بنيابة القدس ونظر الخليل وكشف الرملة ونابلس ، عوضْاً عن حسن التركماني ، وعمل حسن حاجباً بحلب عوضْاً عن الأمير قنصوه‏ ، وأُنعم على قنصوه بتقدمة ألف بدمشق ، عوضاً عن جانبك المؤيدي ، بحكم وفاته‏. )
تعليق
الذى لا شكّ فيه ــ ولم يذكره المقريزى في غربته في مكة ــ أن السلطان برسباى كسب الكثير من حركة التنقلات هذه .

عصام الخفاجي مناضل واكاديمي وباحث يساري في حوار حول دور وافاق اليسار والديمقراطية في العالم العربي
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي