هل الليبرالية البريطانية العريقة في خطر !؟

سليم نصر الرقعي
2021 / 7 / 17

بالرغم من تصاعد الاتجاه اليميني العنصري فلازالت بريطانيا هي مهد ومعقل الديموقراطية الليبرالية في العالم، فأما الديموقراطية فمعروفة وهي طريقة سياسية جوهرها أن تكون فيها ((قيادة وحكومة البلد نابعة من خيار شعبي حر من بين عدة خيارات متنافسة))... وأما الليبرالية فهي ((فلسفة وثقافة اجتماعية ذات طابع انساني يرفض العنصرية والتعصب والتطرف بكل صوره سواء كان (قومي) او (ديني) او حتى (وطني)، كما تؤكد على قداسة انسانية الانسان الفرد وحرياته الاساسية وحقوقه الشخصية))، هذا هو المبدأ الاساسي في الليبرالية كفلسفة وثقافة اجتماعية، انسانية الانسان وفردانيته واستقلاليته وكرامته وحريته وخصوصيته وقيمته وحرمته داخل الجماعة اولًا ... لكن بصراحة، ومنذ نهاية الحرب العالمية، بدأ هناك (غلو ليبرالي) يظهر على حساب الهوية القومية والوطنية البريطانية، أي تغليب قيمة ومصالح (الانسان الفرد) على قيم ومصالح (الانسان المجتمع)!، وهو ما يخل بالتوازن المطلوب من الدولة مراعاته في قوانينها وسياساتها، وهو ما تسبب في تصاعد (موجة اليمين الوطني القومي البريطاني) كرد فعل طبيعي للدفاع عن الخصوصية المجتمعية والثقافية للمجتمع البريطاني والذات القومية والوطنية البريطانية في وجه موجة الهجرة من جهة ومن جهة في وجه ((الهوية الاوروبية)) التي تستهدف اذابة كل الاوروبيين في هوية ودولة اوروبية واحدة!!!، (امبراطورية الاتحاد الاوروبي!؟) كما في حلم الالمان القديم منذ قرون! ... وهو ما اثار مخاوف الاتجاه الوطني والقومي في بريطانيا الذي يعتز بخصوصياته الثقافية والحضارية، ليس حيال المجتمعات المختلفة عن المجتمع البريطاني، ثقافيًا وسياسيًا ودينيًا، وحسب، بل حتى عن البلدان الاوروبية الاخرى المشابهة له، وبالتالي تصاعد التيار القومي الوطني اليميني وانتهى الأمر كما هو معلوم الى اخراج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي والتشدد في قضية الهجرة.

الليبرالية كحركة انسانية حركة ممتازة ومهمة وهي التي غيًرت اوروبا نحو الافضل بعد عصر الغلو الديني والحروب الصليبية وهي ايضًا التي وقفت في وجه الايديولوجيات القومية والجماعية الشمولية التي ظهرت في اوروبا في نهاية القرن التاسع عشر كرد فعل غاضب في مواجهة رأسمالية عصر الثورة الصناعية المتوحشة!، ثم عششت تلك الايديولوجيات الجماعية المتطرفة في اوروبا الشرقية وافرخت وأخذت تمد نفوذها الفكري في العالم... فالليبرالية كانت هي السد المنيع الذي وقف في وجه موجة الشمولية التي اعترت العالم منذ بدايات القرن العشرين، لكن، مع كل هذه الاهمية وكل هذا الدور الرائع لليبرالية، فإنه، وكما يقول المثل: ((كل ما زاد عن الحد انقلب الى الضد!)) فقد تطرفت الليبرالية فعاد ذلك بالضرر على الهوية والقيمة والمصلحة الجماعية للمجتمعات مما سمح ببروز الاتجاه الوطني القومي الجماعي اليميني الذي بعضه تطرف الى حد العنصرية! ... فيجب ان يكون هناك توازن بين القيم المثالية العليا لليبرالية التي ترى البشر شيئًا واحدًا وأن الارض وطن الجميع وانه يجب احترام انسانية وفردانية الانسان بغض النظر عن دينه وعرقه وقوميته ووطنه الأصلي، وبين هوية المجتمع الوطني وحقوقه وخصوصياته، فلا ينبغي لليبرالية الانسانية أن تطغى على الجانب الوطني والقومي للمجتمع بما يعود بالضرر على المجموع والهوية القومية والوطنية للمجتمع ولا العكس، اي ولا النزعة الجماعية والقومية والوطنية والدينية تطغى على حقوق الافراد وقيمة الانسان كإنسان فتنزلق نحو القومية والوطنية والنزعات الدينية العنصرية (الشوفانية) أو الشعبوية والشمولية على حساب قيمة الانسان الفرد كما جربنا نحن في ليبيا في عهد العقيد القذافي ونظامه الشعبوي والاشتراكي الطوباوي حتى نهاية التسعينات!....

بالنهاية الخير كل الخير في العدل والاعتدال، والاتزان في الميزان، وهذا هو المعيار الذي على الدولة الالتزام به كي لا تفقد اتزانها فتنزلق إما للانانية الفردانية على حساب المجموع الانساني والوطني والقومي، او تنزلق للجماعانية القومية او الوطنية او الدينية ذات الطابع الشمولي والشعبوي على حساب حريات وكرامة الأفراد!.. فالعدل والاعتدال هو معيار الخير والاستقامة في كل أمر ......وهذا هو الطريق!

نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية