مصطفى الفقي وظهور تيار الاستلاب للآخر في سد أثيوبيا

حاتم الجوهرى
2021 / 7 / 16

طوال الخمسة أعوام الماضية وفي ظل صفقة القرن الساقطة؛ خضت معركة واسعة مع خطاب تيار "الاستلاب للآخر" الغربي والصهيوني، وهو الخطاب الذي ظهر مع يوسف زيدان في نهاية عام 2015م داعيا إلى تفكيك الذات العربية وتشويهها، والانسلاخ عن روايتها في الصراع مع الصهيونية والتدافع مع الغرب عامة، وداعيا إلى الاستلاب للرواية الصهيونية والغربية، ومناديا بضرورة إلحاق الذات العربية بمشروع الذات الغربية كلية، وذلك باعتبار أن الصهيونية هي ممثل ووكيل عن تلك الذات الغربية.
ولابد من الإشارة إلى أنه في واحدة من دراساتي ردا على تيار الاستلاب الواسع، والتي نشرت قبيل سقوط ترامب في الانتخابات الأمريكية الأخيرة، في مجلة أدب ونقد عدد فبراير 2021م بعنوان: "القدس ودوافع خطاب الاستلاب للآخر عند النخب العربية- (2/2)، ونشر الجزء الأول منها في ديسمبر عام 2020م من المجلة نفسها..
أشرت إلى وجود ثلاثة أنواع قد ظهرت بالفعل من خطاب الاستلاب، وهي تيار الاستلاب العلماني وتيار الاستلاب الديني وتيار الاستلاب السلطوي، وأشرت إلى وجود بعض التداخل في تصنيف الأسماء المحسوبة على تلك التيارات، وكان مصطى الفقي من ضمن الأسماء التي رصدتها دراستي، مصنفة إياه في حينها في جانب تيار الاستلاب العلماني بسبب تبنيه لخطاب الاستلاب في حينه بطريق غير مباشر، عبر دعمه لأحد دعاة تيار الاستلاب العلماني وهو مراد وهبة.

السياق التاريخي للتدافع بين الذات العربية والغربية
ولكن قبل الدخول في واقع المشهد الراهن وتركيبة الساحة العربية والمصرية السياسية، يجب الإشارة إلى سياق المشهد التاريخي العام والتدافع في العلاقة بين الذات العربية والآخر الغربي إجمالا؛ حيث يمكن القول إن العلاقة بين الذات العربية والغربية في العصر الحديث، مرت بمفصليات رئيسية بين الشد والجذب.
يجوز القول إن القرن التاسع عشر لما يشهد الوعي بالتدافع الثقافي بين الجانبين، وكان التجاور والجانب الإجرائي حاضرا وهو ما يمكن أن نجده مثلا عند رفاعة الطهطاوي وجمعه بين النقل عن الغرب والاشتغال بتراث الذات العربية الديني والتاريخي.
لكن الاستقطاب الثقافي والفكري الأبرز بين الذات العربية والغربية نشأ على أثر ظهور الشيوعية – وليس الاستعمار التوسعي المحسوب على الرأسمالية- وتحول الماركسية إلى سياسية تطبيقية في الاتحاد السوفيتي، فمع ظهور الاتحاد السوفيتي ارتبك الموقف العربي من الآخر الغربي، فبعد أن كان الموقف محسوما بالندية والتدافع تجاه الاستعمار، ظهر للوجود الامتداد العربي للفكر الماركسي، الذي خلق تفرقة بين الغرب الرأسمالي وبين الغرب الشيوعي.
وكانت أبرز الاختراقات المبكرة للموقف العربي من الغرب مع الماركسية العربية المبكرة، التي لم تخضع للدراسة بشكل مكثف بعد، هو دور التنظيمات "الماركسية الصهيونية" في بناء وعي الكوادر العربية التي استقطبتها في فلسطين مباشرة، ودورها في التواصل مع المركز الروسي من خلال التنظيم الشيوعي العالمي آنذاك (الكومينترن)، بوصفها ممثلا لما يمكن تسميته بـ" الاحتلال التقدمي".
في المشهد التاريخي لهذا الاستقطاب تجاه الغرب، بعدما صنع الماركسيون العرب في الشام وفلسطين – تأثرا بالصهيونية الماركسية ودورها- تفرقة بين "الاحتلال التقدمي" الماركسي و"الاحتلال التوسعي" الرأسمالي، وتأثرت بهم المدرسة المصرية الماركسية، ظهرت القومية العربية مع عبد الناصر في مصر لتحقق انتصارا خفيا للذات العربية ويتبنى بعض رجال اليسار المصري والعربي قدرة الذات العربية على تقديم مشروع خاص بها، بعيدا عن "الاحتلال التقدمي" الماركسي و"الاحتلال التوسعي" الليبرالي.
هنا يمكن القول أن الجذور التاريخية لتيار الاستلاب للآخر العربي الراهن، تعود للحظة انكسار مشروع القومية العربية مع هزمية 1967م، ورحيل عبد الناصر، وظهور التمثل العربي الأبرز لفكرة الاستلاب للغرب مع مشروع السادات الاقتصادي لما سمى بـ"الانفتاح"، والمشروع السياسي للخضوع الذي ظهر مع "اتفاقية السلام"، والمشروع الثقافي الكامن عن الانتصار للغرب والاستلاب لروايته سواء في طور "الاستعمار التقدمي" الماركسي أو طور "الاستعمار التوسعى" الليبرالي.

مصطفى الفقي
من القومية للاستلاب وما بينهما
كل هذه المقدمة التاريخية الطويلة الهدف منها الإشارة للخلفية التاريخية لخطاب مصطفى الفقي الذي خرج به مؤخرا في في حديث لبرنامج "يحدث في مصر"، الذي يقدمه الإعلامي شريف عامر عبر فضائية "MBC" مصر، مساء الثلاثاء 13/7/2021م.
ودعوته للاستعانة بـ"إسرائيل" كوسيط في المفاوضات، وتلميحه إلى إمكانية منحها حصة من المياه في مقابل ذلك، وأن تتحول إلى دولة مصب.
حقيقة مصطفى الفقي هو الشخصية الأمثل التي تستطيع التعبير عن تيار "الاستلاب السلطوي" مع ميله لشعارات "الاستلاب العلماني"، هو سلطوي لبنيته التاريخية التي تنتمي لصعوده في ظل دولة مبارك، وعلماني لبنيته الفكرية التي تنتمي لمرحلة السادات، التي يمكن القول ان العلمانية والاستلاب العام للغرب هو تمثلها الفكري والثقافي.
لكن في واقع الأمر لا يمثل مصطفى الفقي الظهور الأول لتيار "الاستلاب السلطوي"، في موضوع "سد النهضة" والاستعانة بـ"إسرائيل" في مفاوضات سد النهضة، إذ سبقه أحد الأصوات التي كانت حاضرة أيضا في "صفقة القرن" وتدعو لتمرير الصفقة من خلال الخطاب نفسه، حول منافع السلام، وهو طارق فهمي الأستاذ الأكاديمي بجامعة القاهرة.

الظهور الأول لتيار الاستلاب بعد صفقة القرن
كان مع طارق فهمي مبكرا
وسبق وأن رصدت دوره في الترويج لصفقة القرن من خلال خطاب "الاستلاب للآخر"؛ في دراستي نفسها المعنونة: "القدس ودوافع خطاب الاستلاب للآخر عند النخب العربية- (2/2)، حيث سبق طارق فهمي حديث مصطفى الفقي في مقالة كتبها في شهر فبراير 2021م.
ففي مقالة بعنوان: "ما هي المسارات المستقبلية للعلاقات المصرية الإسرائيلية؟"، طرح طارق فهمي الفكرة نفسها عن الاستعانة بـ"إسرائيل"، مع الربط بين المسار الاقتصادي وبين احتمالات المسار السياسي والاستعانة بإسرائيل في المفاوضات، برعاية حاضرة لأمريكا بالطبع.
حيث قال طارق فهمي في المقال: "ويبقى السيناريو المقابل، وهو مطروح في إطار لعبة المقايضات العليا بين البلدين، ودخول مصر في الملف الفلسطيني، وكذلك مسعى إسرائيل للدخول في ملف سد النهضة.."
وقال أيضا في المقال ذاته محاولا إعادة إنتاج اللحظة التاريخية المفصلية لتيار الاستلاب للآخر والخضوع له التي قام بها السادات، حين قال: "إذ ستكون فرصة لإعادة المطالبة بسفر الرئيس المصري لإسرائيل وتكرار إنجاز الراحل السادات..".
والشاهد واضح كل الوضوح هنا؛ بأن كل من مصطفى الفقي وطارق فهمي ومن سيأتي بعدهما يسير في الطريق نفسه، هما نتاج للمسار التاريخي ذاته الذي صنعه السادات، بعد هزيمة مشروع الذات العربية مع عبد الناصر.

ردا على خطاب الاستلاب للصهيونية والهزيمة
الذي يروج له مصطف الفقي وأمثاله
لكن الآن لابد من الرد على مصطفى الفقي فيما يردده من ادعاءات وعلى هذا الفصيل بأكمله، حجة مصطفى الفقي الرئيسية في حديثه التليفزيوني: "أن السياسة ليست مثاليات"، وذلك حتى يبرر لنا الاستعانة بعدونا الصهيوني التاريخي الذي وضعنا في هذا الموقف أصلا!
والرد على مصطفى الفقي وطالما أن السياسة ليست مثالية، فعلى متخذ القرار إزاحتك من منصبك كمسئول عن واحدة من أهم مؤسسات المعرفة والثقافة في مصر بأكملها في مكتبة الاسكندرية، فأنت لم ترثنا ولم تقدم لمصر في خطابك سوى التيه الثقافي، مرة مع القومية وتكتب فيها (مثل كتابه: تجديد الفكر القومي) ولكن عند الجد تتنكر لها وتنتصر للعلمانية غير القومية عموما!، وتدعم إلحاق الذات االعربية بالمشروع الغربي إجمالا والخضوع للصهيونية وروايتها خصوصا..
كما فعل في مقاله دعما لمراد وهبة في سياق صفقة القرن وفي عز خطابه الداعم لها، خصوصا في مقالة بعنوان: "مراد وهبة وأم العلوم" حيث وصف القومية في هذه المقالة بالأصولية!! منقلبا على كتابه القديم عن تجديد الفكر القومي!
الموضوعية هنا تقتضي العمل بمعايير واضحة؛ حيث لم يقدم الفقي للثقافة المصرية سوى مشروع التيه الثقافي، ومواقف البين بين، لذا فإن البرجماتية السياسية وبالمنطق نفسه الذي يستخدمه عن عدم مثالية السياسية، ووزنها بمعايير واقعية يجب إزاحة التيار الثقافي الذي ينتمي له مصطفى الفقي، فهو تيار لم يقدم شيئا لمصر وعادة ما يقدم الطرح ونقيضه من أجل الوجود البحت، ولا شيء غيره.

هل إسرائيل هل طوق النجاة
أم قاع الفخ والمتاهة!
من قال إن "إسرائيل" هي طوق النجاة لمصر! أنتم شريحة ثقافية متآكلة ومنطقكم العقلي والفكري غير متزن تماما، "إسرائيل" هي بيت الداء ولم تكن الدواء أبدا، إسرائيل تمثل الراسب الأبرز لـ"المسألة الأوربية" نظر لها الماركسيون الروس بوصفها تمثلا لـ"الاحتلال التقدمي" في الشرق الأوسط واعتبرها لينين طليعة تقدمية في المحيط العربي المتخلف، وفي الوقت نفسه نظر لها البريطانيون والفرنسيون والأمريكان من بعدهم بوصفها تمثلا لـ"الاحتلال التوسعي" الرأسمالي في منطقة الشرق الأوسط الغنية بالموارد.
الثقافة العربية المستقلة عن الذات الأوربية كانت مطمعا لـ"الاحتلال التقدمي" الماركسي ومطمعا لـ "الاحتلال التوسعى" الليبرالي على السواء، فكيف، وبأي وجهة نظر ستكون "إسرائيل" والصهيونية طوق نجاة لنا!!

رواية جديدة لخطاب الاستلاب
مصطفى الفقي يقدم رواية جديدة لخطاب الاستلاب للآخر الصهيوني بحجة ما سيأتي علينا من منافع حين نقبل ذلك الاستلاب، ونتخلى عما يسميه "المثالية السياسية"!، إنه يدعو لأن نستعين بإسرائيل في المفاوضات مع أثيوبيا حيث قال في اللقاء المصور:
"وأكد [مصطفى الفقي] أن لإسرائيل تأثير بملف سد النهضة؛ لأنها تحلم أن تكون إحدى دول مصب نهر النيل منذ عهد الرئيس الراحل محمد أنور السادات، قائلًا إن الموقفين الأمريكي والروسي سيتغيران إذا اقتنعت إسرائيل بضرورة دعم مصر."
وخطاب مصطفى الفقي واوضح تماما في علاقته بخطاب الاستلاب وفكرته الرئيسية حول قبول الرواية الصهيونية والأهداف الصهيونية كحل لما نحن فيه من مشاكل، هو يريد منا أن نقبل بالحلم والمؤامرات الصهيونية علينا، وأن تكون الجائزة التي نمنحها لهم ردا على تلك المؤامرة هي القبول بها، والموافقة على مد ماء النيل لها!

جيل المتاهة الثقافية إلى زوال
والنيل ومصر إلى دوام
حقيقة جيل مشوه وجيل متآمر وجيل يأكل على كل الموائد وحان وقت رحيله، كيف نطمئن إلى من خطط لقطع الماء عنا حينما نمنحه الأمان ونرضى به وصيا وقيما على صنبور الماء الموضوع عند منبع النهر، أقول لمصطفى الفقي ولكل دعاة خطاب الاستلاب بكافة تياراته السلطوية والعلمانية والدينية (والثقافية الكامنة)، أنتم واهمون "إسرائيل" هي مشروع للهيمنة الوجودية على العرب، وترى أن نهضتها لابد أن تأتي على حساب أفول العرب وتفكيك مصادر قوتهم، وفي القلب منها مصر.
"إسرائيل" بروايتها الدينية أو العلمانية سواء الماركسية أو الليبرالية ترى في العرب شعوبا من الدرجة الثانية أو الثالثة ولابد من السيطرة عليهم، بوصفهم عمالة رخيصة في أفضل الأحوال!
أقول لمصطفى الفقي وكل تيارات الاستلاب اللسلطوي والعلماني والديني والثقافي؛ أنتم إلى زوال ومشروع الثورات العربية لاستعادة ذاتها وحلم صعودها قادم مهما حاولتم إطالة الأمد، ومياه النيل سوف تستمر في الجريان وسوف يتم تحرير مجراه من المخططات الصهيونية والغربية، ولن تركع مصر.
أنتم إلى زوال
والنيل ومصر إلى دوام
إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها





مصادر ومراجع :


- مصطفى الفقي عن سد النهضة في جريدة الشروق
https://www.shorouknews.com/news/view.aspx?cdate=14072021
- حاتم الجوهري، زيارة السيسي لإسرائيل: أزمة تيار الاستلاب للصهيونية في مرحلة ما بعد ترامب
https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=710445
- طارق فهمي، ما هي المسارات المستقبلية للعلاقات المصرية الإسرائيلية؟
https://www.independentarabia.com/node/197301
- مصطفى الفقي، مراد وهبة وأم العلوم
https://gate.ahram.org.eg/daily/News/203297/4/751313
- حاتم الجوهري، القدس ودوافع خطاب الاستلاب للآخر عند النخب العربية- (1/2)، مجلة أدب ونقد عدد ديسمبر 2020م
https://www.mediafire.com/file/hbdmyego2b2xxgy/%25D8%25A7%25D9%2584%25D9%2582%25D8%25AF%25D8%25B3_%25D9%2588%25D8%25AE%25D8%25B7%25D8%25A7%25D8%25A8_%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25A8_%25D8%25B9%25D9%2586%25D8%25AF_%25D8%25A7%25D9%2584%25D9%2586%25D8%25AE%25D8%25A8_%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25B9%25D8%25B1%25D8%25A8%25D9%258A%25D8%25A9_-_%25D8%25AF.%25D8%25AD%25D8%25A7%25D8%25AA%25D9%2585_%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25AC%25D9%2588%25D9%2587%25D8%25B1%25D9%258A_%25281-2%2529.pdf/file
- حاتم الجوهري، القدس ودوافع خطاب الاستلاب للآخر عند النخب العربية- (2/2)، مجلة أدب ونقد عدد فبراير 2021م
- https://www.mediafire.com/file/aoo94ptzfpk6w3c/%25D8%25A7%25D9%2584%25D9%2582%25D8%25AF%25D8%25B3_%25D9%2588%25D8%25AE%25D8%25B7%25D8%25A7%25D8%25A8_%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25A8_%25D8%25B9%25D9%2586%25D8%25AF_%25D8%25A7%25D9%2584%25D9%2586%25D8%25AE%25D8%25A8_%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25B9%25D8%25B1%25D8%25A8%25D9%258A%25D8%25A9_-_%25D8%25AF.%25D8%25AD%25D8%25A7%25D8%25AA%25D9%2585_%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25AC%25D9%2588%25D9%2587%25D8%25B1%25D9%258A__%25282-2%2529.pdf/file

عصام الخفاجي مناضل واكاديمي وباحث يساري في حوار حول دور وافاق اليسار والديمقراطية في العالم العربي
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي