م 2 / ف 17 الحياة في ظل تطبيق الشريعة السنية عام 839

أحمد صبحى منصور
2021 / 7 / 16

قراءة في تاريخ السلوك للمقريزى / المقريزى شاهدا على العصر
قال المقريزى في التأريخ لسنة 839
( سنة تسع وثلاثين وثمانمائة )
شهر جمادى الآخرة . أوله يوم الأربعاء
وظائف أكابر المجرمين
1 ـ ( ‏وفي حادي عشره‏:‏ قدم الأمير غرس الدين خليل بن شاهين نائب الإسكندرية بهدية ، فخُلع عليه من الغد يوم الإثنينْ ثاني عشره‏ ، ونزل من القلعة ، فأدركه من خلع عنه الخلعة وأعادها إلى ناظر الخاص . وذلك أنه بلغ السلطان عنه أنه أفرج للتجار عدة أحمال فلفل حتى باعوها للفرنج بمال أخذه منهم، وكان قد تقدم مرسوم السلطان بمنع التجار من بيع الفلفل ، وأن الفرنج لا تشتريه إلا من الديوان السلطاني‏. ).
تعليق
إبن شاهين نائب السلطان في الإسكندرية كرّمه برسباى بالخُلعة ، ثم علم السلطان إنه خانه في موضوع الاحتكار فسلب منه الخُلعة . برسباى يسامح الموظف المفسد لأنه يشاركه في ربحه من الفساد ، لكن لا يسامح فيمن يختلس منه مالا ، وهو يعتبر نفسه صاحب الحق الوحيد في البيع والشراء . تسبب هذا في عزله عن نيابة الإسكندرية وعن نظرها ، ثم سيأتى فيما بعد أن برسباى قلّد ابن شاهين وظيفة ، مع علمه بفساده، فدولة العسكر مؤسسة على الفساد .! . كانت ولا تزال .!
2 ـ ‏( وفي عشرينه‏:‏ خلع على أقباي البشْتكَي أحد الدوادارية ، واستقر في نيابة الإسكندرية عوضاً عن خليل، وجهزت خلعة إلى جمال الدين عبد الله بن الدمامينى باستقراره على عادته في قضاء الإسكندرية‏. ).
3 ـ ( وخلع على شرف الدين بن مفضَّل واستقر في نظر الإسكندرية عوضاً عن خليل المذكور‏. ).
تعليق
عزل السلطان برسباى نائبه على الإسكندرية ( غرس الدين خليل بن شاهين ) وعين مكانه أميرا مملوكيا . وعزل خليل من نظر الإسكندرية ، وولى مكانه ابن مفضل .
الحج
( وفي يوم السبت ثامن عشره‏:‏ برز الصاحب كريم الدين والأمير يلخجا بمن معهم من المعتمرين إلى ظاهر القاهرة . ثم ساروا في تاسع عشره إلى مكة . )
( وفي تاسع عشره‏:‏ خلع على رجل أَسود من المغاربة - يقال له سرور - لم يزل يدخل فيما لا يعنيه ، ويناله سبب ذلك المكروه . فاستقر في قضاء الإسكندرية ونظرها ، على أن يكفي أجناد الثغر معاليمهم ( أي اجورهم ) ، ويقوم للمرتبين بمرتباتهم ، ويقوم بالكسوة السلطانية ، ويقوم بعد ذلك كله بمائة وثلاثين ديناراً في كل يوم‏. وكُتب عليه بذلك تقرير قرره على نفسه‏. ونزل بالقلعة . فلم يقم سوى أياماً ، وطلع في يوم الثلاثاء حادي عشرينه ، واستعفى من وظيفة النظر فضُرب‏. ورُسم بنفيه ، فأُخرج في الترسيم من القاهرة في ثالث عشرينه‏. )
تعليق
1 ـ هذا خبر طريف ظريف ، يؤكد مقولة أن العُملة الرديئة تطرد العُملة الجيدة ، وفيه تأكيد على أن دولة الفساد لا تقبل إلا من كان فاسدا . هنا رجل طموح للوظيفة تولى نظر الإسكندرية وفى قضائها بلا رشوة ، ولكن تعهّد بالقيام بالمرتبات والكسوة وسائر المتطلبات ، ثم أن يدفع كل يوم 130 دينارا . فشل بعد عدة أيام ، وطلب الإقالة ، فعوقب بالضرب والنفى . المسكين لم تكن له خبرة بالسرقة . لو سرق كالآخرين لكسب ولظل في الوظيفة مدة أطول .
2 ـ هو رجل برىء ، ولكن المقريزى يحتقره ، يقول عنه : ( رجل أَسود من المغاربة - يقال له سرور - لم يزل يدخل فيما لا يعنيه ، ويناله سبب ذلك المكروه ) ، هذا بينما نجد المقريزى يمتدح أصدقاءه من كبار الموظفين المدنيين في الوظائف الديوانية والوظائف الدينية ، وهو يعلم وصولهم للمناصب بالرشوة ، وانهم يحصلون على أضعاف ما يدفعون في شراء المنصب . هذا الرجل البرىء شذّ عن الوضع فاحتقره المقريزى ، ولم يتعاطف معه وهو يتعرض للضرب والنفى .
3 ـ ليس هذا ببعيد عمّا يحدث في مصر الآن تحت العسكر الخائن الخائب الفاسد . لا يمكن للعسكر المصرى أن يسمح بالشرفاء أن يدخلوا في زمرته . إذ لا بد لمن يتولى منصبا مدنيا أن يكون متورطا في قضايا فساد ، وعليه ملفات فساد ، يهددونه بها . ولا بد لمن يترقّى في الجيش بعد رتبة عميد أن يكون عريقا في الفساد . وضابط الجيش يتعلم الفساد على أصوله ، من أول سنوات خدمته ، يبدأ بسرقة تعيين الجنود ، فلا يأخذون كفايتهم من الطعام ، والتلاعب بفواتير ( الكانتين ) أي محلات البيع داخل الوحدات ، وإذا ترقى زعم إصلاحات وهمية ليستخلص منها أموالا ، ويحصل بلا حق على مميزات ، ويستخدم الجنود في خدمته ومشرعاته الخاصة . يتعلم الضباط أصول السرقة من البداية ، والذى لا يكون فاسدا بما يكفى لا يتم التجديد له في الرتب العليا . مؤسسة عسكرية مؤسسة على الفساد والاستعباد للمجندين . هذا ، في الوقت الذى يطارد فيه ضابط المخابرات الذى يحكم مصر ـ الشرفاء والأحرار بالاعتقالات والتعذيب . ألا لعنة الله جل وعلا على أكابر المجرمين من المستبدين ورجال الدين .!!
مناخ ( جليد في القاهرة )
( وفي هذه الأيام‏:‏ اشتد البرد بالقاهرة وضواحيها ، حتى جمدت برك الماء ومقطعات النيل ونحوها ، وأُبيع الجليد في الأسواق مدة أيام . ولم نعهد هذا ولا سمعنا به‏. )
تعليق
ماذا لو عاش المقريزى جنون المناخ في عصرنا ، حيث ظهر الفساد في البر والبحر والجوّ بما كسبت أيدى الناس .!
شهر رجب ، أوله الجمعة
وظائف أكابر المجرمين
1 ـ ( وفي سابعه‏:‏ خُلع على شيخ الشيوخ محب الدين ابن قاضي العسكر شرف الدين عثمان الأشقر بن سليمان بن رسول بن الأمير يوسف بن خليل بن نوح الكراني التركماني الحنفي ، واستقر في كتابة السر عوضاً عن القاضي كمال الدين محمد بن ناصر الدين محمد بن البارزي‏. ).
تعليق
1 ـ تبديل ابن البارزى ( كمال الدين ) من اسرة البارزى المتخصصة في خدمة العسكر المملوكى ب ( شيخ الشيوخ ) ابن قاضى العسكر التركمانى الأصل . ليس هذا موقفا ضد اسرة البارزى ، وليس انحيازا لأسرة التركمانى شيخ الشيوخ . هو فقط تبديل يعود بأموال على السلطان برسباى .
2 ـ سؤال برىء : اين ذهبت كل تلك الأموال التي جمعها برسباى ومات وتركها ؟ سؤال أكثر براءة : هل يطمع المستبدون الذين يسرقون شعوبهم أن يحملوا معهم الى قبورهم بلايينهم ؟ . الإجابة : لن يحملوا منها إلا أوزارا فوق ظهورهم ، تتحول الى نار في بطونهم ، يتعذبون بها خالدين مخلدين في الجحيم .
2 ـ ( وخلع على ولده شهاب الدين أحمد ، واستقر شيخ الشيوخ .).
تعليق
1 ـ شيخ الشيوخ رتبة دينية في الدين السُّنّى الذى يملكه السلطان ، وهو الذى يعيّن شيخ الشيوخ . وهذا يعتبره المقريزى إسلاما ، لأن برسباى عنده هو ( سلطان الإسلام ).
2 ـ وكم من الموبقات يرتكبونها باسم الإسلام العظيم . كان هذا ولا يزال ، وسيستمر طالما يقومون باهانة الإسلام ، يجعلونه لافتة يمارسون تحتها الفجور والفساد والظلم والاستعباد .
( وخلع على الأمير غرس الدين خليل بن شاهين الذي ولي نيابة الإسكندرية ، واستقر في نظر دار الضرب ، وكان بيد ابن قاسم المتوجه إلى الحجاز ، وقد أقام فيه أخاه ، واستقر أيضاً أمير الحاج‏. )
تعليق
خليل بن شاهين عاقبه برسباى بالعزل من وظيفتيه في الإسكندرية ، ثم أعاده لوظيفة أخطر ، وهى أن يكون ناظرا لدار الضرب ، أي ( مصلحة سكّ النقود ) بتعبير عصرنا . خليل بن شاهين قدّم من قبل مُسوّغات تعيينه عريقا في الفساد ، فكوفىء بمنصب أساس في الفساد ، يقوم فيه بتزييف العُملة لمصلحة السلطان . ولا نتصور أن تعيينه كان مجّانا ، بل لا بد من دفع المعلوم طبقا للمعلوم من الدين السُّنّى بالضرورة .
احتكار
( وفي هذا الشهر‏:‏ طرح على التجار بالقاهرة ودمشق ألف حمل فلفل بمائة ألف دينار، حساباً عن كل حمل مائة دينار. نزل بهم منها بلاء لا يوصف‏. ).
تعليق
كالعادة يفرض برسباى على تجار القاهرة ودمشق الفلفل الأسود الهندى ، بالسعر الذى يحدده ، ولا يملكون الرفض أو المساومة . ويصف المقريزى هذا بالبلاء الذى لا يوصف ، دون توجيه نقد لبرسباى الذى يعتبره ( سلطان الإسلام ).!
ملاحظة
كتب المقريزى هذه الأخبار وهو بعيد عن القاهرة . لم يُزعج القارىء بأخباره الشخصية كما كان يفعل ابن حجر في تاريخه ( إنباء الغمر ) . جاء بالخبر التالى عن حدث مأساوى ، ونفهم منه بين السطور أنه كان في مكة ، ولكن كانت تأتيه أخبار مصر عبر مراسلين له ، فيقوم بتسجيلها في أوقات حدوثها . ولعل هذه هو أن تسجيله لهذا العام لم يكن بالاتساع المعتاد في كتابه ( السلوك )

نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية