هل يمكن أن تؤسس مصر لنظام عالمي جديد في أزمة السد!

حاتم الجوهرى
2021 / 7 / 14

(في مآلات سد النهضة ومؤشرات نظام عالمي الجديد)


مشابهة تاريخية
بينهما قرن من الزمان تقريبا
ربما يجوز أن نقارن ما يحدث في بداية العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، من خلال عدة متغيرات مجتمعة أبرزها الآن أزمة سد النهضة وأشياء أخرى، بمرحلة ما بين الحرب العالميتين في القرن العشرين، والتي شهدت صعود "عصبة الأمم" كمنظمة دولية بعد الحرب العالمية الأولى، ثم شهدت التناقضات الدولية وتغير موازين القوى ظهور "الأمم المتحدة" في خضم الحرب العالمية الثانية، وأفول "عصبة الأمم" وتفككها تماما.

بين الوقوع في فخ التفاصيل
ورؤية الصورة الكبيرة
ونقول بوجود التشابه لأن العالم بالفعل وصل لنهاية عدة طرق قديمة، وهو الآن على مشارف البحث عن طرق جديدة ونظام عالمي جديد، ومنْ سيعي ذلك ولا يقع في غواية التفاصيل والتعامل الجزئي مع الأحداث، قد يتمكن من الخروج منتصرا على المدى الطويل في معظم القضايا الدولية المطروحة حاليا.

هل تملك مصر وحدها
فرصة بديلة دون العالم كله؟
وهنا يجوز لنا القول وبالمخالفة لكل التوقعات أن مصر -والذات العربية- تملك وحدها "فرصة بديلة" ذهبية في ظهور ملامح هذا النظام العالمي الجديد، والذي يجوز أن نسميه "عالم ما بعد المسألة الأوربية"، وأقول أن مصر تملك الفرصة وحدها لعاملين رئيسيين، وفي الوقت نفسه يجب الإشارة إلى أنه دون وعي مصر بهذه "الفرصة البديلة"، ستكون مآلات الحلول بالنسبة لسد النهضة وغيرها من الملفات الأخرى، ليست على قدر تحقيق الأهداف الاستراتيجية الممكنة وفرصتها البديلة.

سقوط البديل الماركسي
وتأزم البديل الليبرالي
أما عن العاملين اللذان يجعلا مصر -والذات العربية- لها الفرصة الأكبر في ظهور نظام عالمي جديد، فالعامل الأول أن النظام العالمي المرتبط بـ"المسألة الأوربية" في بديليهما الثقافيين المتناقضين، أي الماركسية أو الشيوعية، والليبرالية أو الماركسية، قد وصلا لمرحلة الفشل والانسداد التاريخي.
فقد تفكك البديل الماركسي مع انهيار الاتحاد السوفيتي، أما البديل الليبرالي فقد وصل لمرحلة الإفلاس مع صعود دونالد ترامب، وسلوكه غير الإنساني في ظل الجائحة، ومن خلال صفقة القرن، حيث تفجرت كافة تناقضات "المسألة الأوربية" الكامنة، بعنصريتها وتعاليها وماديتها غير الإنسانية، وتطرفها تجاه الآخر، وتجاه عناصر الحاضنة المكونة لها أيضا كما حدث في موضوع السود و"جورج فلويد"، وما حدث تجاه إيطاليا والتخلي عنها في ظل تفشي الجائحة بها.

حيرة الصين ومعضلتها
في النظام العالمي الجديد والقديم
وفي سياق هذا العامل الأول، يمكن القول إن النموذج الصيني يعمل عكس حركة التطور الطبيعية، فرغم أن الصين تبنت العديد من الأشكال الرأسمالية للحياة، إلا أنها تصر ثقافيا على الانتصار لتناقضات "المسألة الأوربية" الأبرز بين الليبرالية والماركسية، مدعية من خلال الحزب الشيوعي الصيني أنها تمارس فعلا أيديولوجيا ينتصر للشيوعية!
لذا فالصين أحد أبرز العوامل المثبطة لظهور نظام عالمي جديد فعلا، وإنما الصين ستدفع في اتجاه إعادة تشكيل مراكز القوى في النظام الجديد.

الفرصة البديلة الوحيدة لمصر عالميا
والنظام العالمي لـ"ما بعد المسألة الأوربية"
لكن بالنظر إلى العامل الثاني الذي أرى من خلاله قدرة مصر وحدها على المساهمة في بروز نظام عالمي جديد كـ"فرصة بديلة"، وهو أن الظروف قد شاءت لمصر أن تكون الطرف المركزي في معظم الملفات الكبرى الراهنة، وفي نهاية "المسألة الأوربية" ورواسبها الحاضرة.
وذلك من خلال ملف صفقة القرن سابقا، ومحاولة حصارها لتمرير الصفقة قبل أن يقرر الغرب إزاحة ترامب نظرا لما سيمثله من خطر حال استمراره، حيث كان ترامب قد وظف السد الأثيوبي كأداة ضغط على مصر وربط بينه وبين الصفقة، وبعد سقوط ترامب استمر أيضا الاستقطاب وفشل النظام العالمي الحالي في اتخاذ قرار جذري، من خلال جلسة مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة مؤخرا.
ويتجه الملف نحو إعادة إنتاج استقطابات "المسألة الأوربية" بين الماركسية المفلسة في روسيا والصين، وبين الليبرالية المأزومة في أمريكا والغرب.. خاصة مع التصريحات الصينية والتفاهمات الروسية مع الجانب الأثيوبي أخيرا.

فلسفة "التجاوز والتحرر"
من هنا يمكن أن نخرج بالدرس المستفاد والخلاصة؛ أن مصر تملك مقاربة وحيدة تحقق لها وللعالم "الفرصة البديلة" في نظام عالمي جديد، وهي أن تفجر مصر التناقضات صراحة في خطابها، وتتبنى خطابا يقول علانية بتجاوز استقطابات "المسألة الأوربية" وتمثلاتها في أثيوبيا، وبين الفصائل المشكلة لها بين الغرب وروسيا والصين، وتعلن عن مشروع جديد يقوم على فلسفة "التحرر والتجاوز" لعقد "المسألة الأوربية"، التي تتبناها أثيوبيا في خطابها تجاه السد باعتباره وسيلة للتحرر من إرث المرحلة الاستعمارية على حساب مصر كما تتخيل.

تجاوز مشروع "عدم الانحياز"
إلى الانحياز للمغاير وما هو قيمي بديل
وكذلك بأن تكشف الموقف العالمي الاستقطابي بين الشرق والغرب، الذي لا يقوم على موقف قيمي عادل، وتطالب الجميع بضبط مواقفهم أو مواجهتهم بالدعوة لنظام عالمي جديد وتفكيك الأمم المتحدة ونظام "الفيتو" غير العادل والذي يتجاوز القوانين المجردة.
وأهمية هذه المقاربة لمصر انها ستتجاوز تاريخيا مشروع "عدم الانحياز" القديم، فحاليا سيتم طرح مبادرة فاعلة لبناء عالم جديد يتجاوز عقد "المسألة الأوربية" وأوهامها الثقافية، نحو عالم جديد يحترم القيم وحق الشعوب في حريتها، بعيدا عن وهم الاختيار الجبري بين ثنائيات "المسألة الأوربية"، إما الماركسية أو الليبرالية.
هنا مصر وحدها وفي "فرصتها البديلة" يمكن أن تفجر التناقضات لصالحها، وتخلق استقطابا عالميا حول عالم "ما بعد المسألة الأوربية" وتجاوز الصين – بأوهامها الأيديولوجية-، وهذه الاستقطاب العالمي الجديد الذي ستخلقه مصر خشنا كان أو ناعما، بوضوحه في طرح شعار عالم "ما بعد المسألة الأوربية"، وتجاوز العقد والمتلازمات الثقافية لـ"المسألة الأوربية"، سيحقق الفرز الثقافي والسياسي الكافي، للحشد في ملف السد نفسه، والأهم في التأسيس لنواة نظام عالمي جديد يتجاوز "المسألة الأوربية" وما سببته للعالم من مآسي في حروبها وصراعتها الأيديولوجية شرقا وغربا.

صياغة أخرى
وأربعة متغيرات دولية
وهذه الفرصة البديلة لمصر لتؤسس لنظام عالمي جديد يقوم على "ما بعد المسألة الأوربية"، يمكن لنا أن نعبر عنها بطريقة أخرى بعد أن ذكرنا العاملين الذان بسببهما اختصينا مصر بالقدرة على التأسيس لنظام عالمي جديد.
حيث يمكن القول بصياغة أخرى أن هناك أربعة متغيرات دولية إذا استطاعت الإدارة السياسية الحالية لمصر فهمها، وبناء علاقة معها تستشرف المستقبل وتبصر مساراته، يمكن القول أن مصر ستصبح فاعلا رئيسيا في ظهور نظام عالمي جديد تتشكل مؤشراته الآن على مهل.
هذه المتغيرات هي: مشروع الثورات العربية الكبرى في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، وصعود صفقة القرن وآثارها، وجائحة كورونا وما تفجر معها من أزمات، ازمة سد النهضة والربط المباشر بينه وبين عدة سيناريوهات غربية أبرزها صفقة القرن الساقطة.
لذا وفق قدرة الإدارة السياسية المصرية الحالية ومراكز صنع القرار فيها وكوادرها، على فهم هذه المتغيرات وجذورها الحقيقة، ستتحدد ملامح مصر وحضورها في نظام عالمي جديد يبدو في الأفق، تحت عنوان "ما بعد المسألة الأوربية" وتفكك هيمنتها على الوجود البشري.
ويمكن القول أن مصر تملك فرصة بديلة لتؤثر في صنع النظام العالمي الجديد، متاحة لها فقط دون غيرها، لأن القطب العالمي الآخر الذي بزغ في الآونة الأخيرة وهو الصين، ينتمي في شعاراته إلى استقطابات "المسألة الأوربية" القديمة، ويدعي الانتصار لشعارات الماركسية والشيوعية رغم أنه واقعيا يقف على مسافة واسعة للغاية منها.
في حين تملك مصر الفرصة البديلة – إذا وعت لها – لتؤثر في صنع النظام العالمي الجديد ثقافيا ومعنويا، لحين استكمال باقي القدرات الحضارية والاقتصادية الأخرى، وذلك اذا استخدمت فهما لمقاربة ما بعد المسألة الأوربية، يعي المتغيرات الأربعة السابقة، ويوظفها لصالح بناء نظام عالمي جديد، تملك مصر الفرصة الحقيقة للمشاركة فيه إذا وعت لذلك.

آلية إجرائية للعمل
وهذا الفهم كآلية للعمل مضمونه وخطواته قد تكون كالتالي؛ التصالح مع مشروع الثورات العربية واعتبارها قوة ناعمة تضاف للأمن القومي المصري والعربي، والتأكيد على تجاوز مخلفات صفقة القرن وصمود مصر لحد بعيد في مواجهة ضغوط ترامب، وصول "المسألة الأوربية" ومتلازماتها الثقافية وشعاراتها لذروة مرحلة الأزمة مع جائحة كورونا وترقب العالم وبحثه عن مفصلية ثقافية جديدة، واعتبار سد النهضة هو فرصة بديلة للتأكيد على المكانة في مواجهة تمثلات "المسألة الأوربية" وتناقضاتها بين الشرق والغرب..
وقدرة مصر على تجاوز اختيارات "المسألة الأوربية" وطرح بديل ومفصلية ثقافية ناعمة جديدة، تقوم على فلسفة "التحرر والتجاوز" من متلازمات المسألة الأوربية تلك.

شرارة لتفكيك نظام "الفيتو"
غير الأخلاقي وغير القيمي
ربما هذا هو تصور آمل وجذري، لكنه يقوم على قراءة حقيقية لمتغيرات واقعية، ونرجوا لمصر النجاة والسلامة في كل التصورات والمقاربات المطروحة، لعبور أزمتها الوجودية مع السد الأثيوبي، ونرجو لها أن تعبر المرحلة الحالية، حيث يرى البعض ملف السد هو ذروة استراتيجية "تفكيك مصر"، وحصارها وتفكيكها إلى غير رجعة.
وربما تكمن الفرصة الفرصة البديلة في الأزمة، إذ يمكن لمصر أن تقلب الطاولة على الجميع، عبر تبنيها لاستراتيجية مضادة، تستثمر الحصار لصالحها، وتفجر الشرارة لنظام عالمي جديد يتجاوز "المسألة الأوربية" وثنائياتها التاريخية بين الشرق والغرب.
يمكن لمصر أن تضع الشرارة لتفكيك النظام العنصري والتراتبي لـ"الأمم المتحدة" واستقطاباته، بين المادية الليبرالية أو المادية الماركسية، وتنادي بالتحرر والتجاوز لتشوهات المادية الأوربية بجناحيها، والعودة لفكرة القيمية والحرية والعدالة.


تغيير "التنخيب الزائف"
وصعود مفاهيم "الأمن القومي" وتراجع "الأمن السياسي"
وذلك شريطة أن تسعى مصر داخليا لتجاوز "التنخيب الزائف" وتدفع للأمام بـ" الفرز الطبيعي"، و"الكتلة الجامعة" المؤمنة بـ"مستودع هوية" الذات العربية، والتي تملك من الدوافع الفطرية والمواهب الطبيعية ما يمكنها من أداء دورها التاريخي.
مع إزاحة "التنخيب الزائف" وتجاوز فترة الاستقطابات التاريخية فيما بعد ثورة 25 يناير 2011م، والانتصار لمفاهيم "الأمن القومي" المصري وعلاقتها بمستودع هوية الذات العربية، وضرورة تنحية مفاهيم "الأمن السياسي" التي تعتبر حقيقة هي الذراع الداخلي لتناقضات المسألة الأوربية، وذروة تناقضات المرحلة التاريخية السابقة.
حقيقة في كل سيناريوهات الحل الخشن أو الناعم لسد النهضة؛ ستبدو "الفرصة البديلة" لمصر في ظل الوعي بمؤشرات ظهور نظام عالمي جديد، وتجاوز ثنائيات "المسألة الأوربية"، أفضل بكثير وأكثر موثوقية واستشرافا للمستقبل.

عصام الخفاجي مناضل واكاديمي وباحث يساري في حوار حول دور وافاق اليسار والديمقراطية في العالم العربي
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي