م 5 / ف 16 الحياة في ظل تطبيق الشريعة السنية عام 838

أحمد صبحى منصور
2021 / 7 / 10

قراءة في تاريخ السلوك للمقريزى / المقريزى شاهدا على العصر
قال المقريزى في التأريخ لسنة 838
تابع شهر جمادى الآخرة
مناخ ‏
( وفيه اشتد قلق الناس لقلة البرد في فصل الشتاء وعدم المطر وهبوب رياح حارة في أوقات عديدة ، خوفا على الزرع ، ولله الأمر. ).
تعليق
يظهر في تعبير المقريزى القلق الذى كان يشعر به المصريون ، حيث كان أي تغيير في المناخ يجعلهم يتوهمون من تأثيره على النيل . هذا النيل هو الذى فرّط فيه عسكر مصر الخائن الخائب ..
شهر رجب أوله الاثنين‏:
محمل الحاج‏
( في ثامنه‏:‏ أدير محمل الحاج بمصر والقاهرة . وكانت العادة ألا يدار إلا بعد النصف من رجب ، فأدير في هذه الدولة قبله غير مرة‏.)
تعليق
هذا تشريع سُنّى تحكمه العادة ، وما وجدوا عليه آباءهم . وقد جرى خرق العادة حسب تعليق المقريزى . أيها المقريزى : إنه دين أرضى شيطانى يملكه أصحابه ، ويغيرون فيه ما يشاءون .
وظائف أكابر المجرمين
( وفي ثامن عشره‏:‏ خلع على الأمير تمرباي الدوادار الثاني ، واستقر أمَير الحاج )
( وخلع على الأمير صلاح الدين محمد بن الصاحب بدر الدين حسن بن نصر الله محتسب القاهرة ، ليكون أمير الركب الأول‏.)
صراع المماليك وأعراب الوجه البحرى
( وفي حادي عشرينه‏:‏ ورد الخبر بأن العرب - من محارب - لما علموا نزول الأمير أينال الجكمي على الفيوم ساروا إلى جهة الواحات‏. ثم بدا لهم فنزلوا بالأشمونين ، فركب الأمير كريم الدين الكاشف والأمير تغري برمش أمير أخور والأمير تمراز رأس نوبة النوب ، وقاتلوهم وهزموهم ، وظفروا منهم بستمائة جمل ، غير ما نهب لهم، وإن ذلك كان في يوم الثلاثاء سادس عشره . ).
إنتصر المماليك ـ كالعادة ـ على الأعراب . فالمماليك هم الأقوى . كل استطاعة الاعراب هو إقتناص نصر سريع ، ثم يعقبه حملة تأديب مملوكية .
صراع في الحبشة بين المحمديين والمسيحيين لم يوقفه انتشار الوباء
‏( وفي هذا الشهر‏:‏ بعث الملك شهاب الدين أحمد بدلاي بن سعد الدين سلطان المسلمين بالحبشة أَخاه خير الدين لقتال أمحرة الكفرة ، ففتح عدة بلاد من بلاد الحطي ملك الحبشة ، وقتل أميرين من أمرائه ، وحرّق البلاد ، وغنم مالاً عظيماً وأكثر من القتل في أمحرة النصارى ، وخرب لهم ست كنائس‏.).
تعليق
هنا صراع بين أكابر المجرمين في الحبشة ( محمديين ومسيحيين ) . وانتصر من أسماه المقريزى ( سلطان المسلمين ) ، وجعل مسيحيي الحبشة كفرة . طبقا لما قاله المقريزى فان المعتدى هو ( سلطان المسلمين ) ، والمعتدى عليهم هم ( الكفرة ). وقد بالغ المعتدى في القتل والنهب والتحريق والتخريب حتى للكنائس . والمقريزى المتعصب دينيا ضد النصارى يحكى ذلك مفتخرا، فماذا لو حدث العكس ؟ هو الكيل بمكيالين ، والذى لا يزال شريعة في أديان المحمديين ، يبررون جرائمهم حتى فيما بينهم ، ويتصارخون إذا فعل غيرهم بهم بعض هذه الجرائم .
2 ـ ( ‏هذا وقد شنع بعامة بلاد الحبشة الوباء العظيم فمات فيه من المسلمين ومن النصارى عالم لا يحصى ، حتى لقد بالغ القائل بأنه لم يبق ببلاد الحبشة أحد‏. وهلك في هذا الوباء الحطي ملك الحبشة الكافر وأقيم بدله صبي صغير‏. ).
تعليق
لم يتعظ ولم يرتدع ( ملك المسلمين ) هناك من هذا الوباء الذى أهلك كثيرين من الفريقين .
شهر شعبان أوله الأربعاء‏:‏
عودة الحملة المملوكية من الصعيد
( وفي سادسه‏:‏ قدم بقية المماليك والأمراء المجردين إلى العرب بالوجه القبلي‏.)
تنقلات في وظائف أكابر المجرمين
( وفى سادس عشره‏:‏ خلع على الأمير قانباي الحمزاوي أحد الأمراء الألوف‏. واستقر في نيابة حماه عوضاً عن الأمير جلبان‏. ونقل جلبان إلى نيابة طرابلس عوضاً عن الأمير طراباي بعد موته‏. وأنعم بإقطاع قانباي وإمرته على الأمير خجا سودن أحد أمراء الطبلخاناه‏. ووفرت إمرة خجا سودن وأُضيف إقطاعه إلى الدولة للوزير تقوية للوزير تاج الدين‏. )
تقرير تاريخى للمقريزى عن سكّ النقود والتعامل بها
قدّم المقريزى هذا التقرير ، وهو موجز من كتابه الصغير الرائع : ( شذرات العقود في ذكر النقود ) . وكان جزءا من كتابه ( إغاثة الأمة بكشف الغُمّة ) عن المجاعات في مصر .
يقول :
1 ـ في البداية : ( وفي يوم الجمعة سابع عشره‏:‏ نودي بمنع الناس من المعاملة بالفلوس وألا يتعامل الناس إلا بالفلوس التي ضربها السلطان‏.). أمر بالتعامل بالفلوس التي ضربها برسباى ونهى عن التعامل بغيرها .
2 ـ ثم يذكر أصل الحكاية التاريخى من عام 759 : ( وكان من خبر ذلك أن الفلوس الجدد لما ضُربْ في سنة تسع وخمسين وسبعمائة ،عُمل زنة كل فلس منها مثقال على أن الدرهم الفضة المعاملة يعد فيه منها أربعة وعشرون فلساً ، فكانت زنة القفة الفلوس مائة وثمانية عشر رطلاً عنها خمسمائة درهم من الفضة الظاهرية معاملة مصر والشام‏. والمثقال الذهب الهرجة المضروب بسكة الإسلام يصرف بعشرين درهماً من هذه الدراهم ويزيد تارة ثمن درهم على العشرين درهماً وتارة ربع درهم عليها‏. ثم تزايد صرف الدينار في آخر الأيام الظاهرية برقوق حتى بلغ نحو خمسة وعشرين درهماً‏. ) . أي وقتها كانت الفلوس ( العملة النحاسية ) بالوزن ، و ( قفة الفلوس ) وزنها 118 رطلا تساوى 500 درهم من الدراهم الفضية الظاهرية ، وكان الدينار الذهبى المملوكى يساوى حوالى 20 درهما ، ثم زاد سعره في عصر الظاهر برقوق الى حوالى 25 درهما مقابل الدينار.
3 ـ ويذكر المقريزى أهم أنواع النقد الرائجة وهو الدرهم الذى أصدره الظاهر برقوق ، ولم يكن فضّة خالصة بل ثلثه من النحاس ، ثم يليه الدينار الذهبى : ( وكان النقد الرائج بديار مصر وأرض الشام الفضة المذكورة ، ويعمل ثلثها نحاس وثلثاها فضة‏. ثم يلي الفضة المذكورة في المعاملة الذهب المختوم الإسلامي ولا يعرف دينار غيره‏. )
4 ـ وعن الفلوس النحاسة اقل النقود قيمة قال : ( وكانت الفلوس أولاً إنما هي برسم شراء المحقرات التي لا تبلغ قيمتها درهم‏. )
5 ـ وراجت الفلوس في عصر برقوق حتى طغت على الدراهم الفضية بسبب الاستادار جمال الدين أبن اصفر عينه : ( فلما كانت الأيام الظاهرية برقوق وقام بتدبير الأموال الأمير جمال الدين محمود بن علي بن أصفر عينه أستادار، أكثر من ضرب الفلوس الجدد المذكورة حتى صارت هي النقد الرائج بديار مصر، وقلت الدراهم‏. )
6 ـ وفى عهد الناصر فرج بن برقوق زاد طغيان الفلوس النحاسية حتى كادت أن تقضى على الدراهم الفضية والدنانير المملوكية ، مما جعل الدينار الافرنجى يروج على حساب الدينار المملوكى . يقول المقريزى : ( فلما كانت الأيام الناصرية فرج بن برقوق تفاحش في دولته أمر نقود مصر وكادت الدراهم الفضة المعاملة التي تقدم ذكرها أن تعدم ، وصارت تباع كما تباع البضائع ، فبلغت كل مائة درهم منها إلى ثلاثمائة وستين درهماً من الفلوس ، التي يعد عن كل درهم منها أربعة وعشرون فلساً‏. وزاد سعر الذهب وراج منه الدينار الأفرنتي وهو ضرب الفرنج حتى عدمت الدنانير الذهب الهرجه المختومة بسكة الإسلام وبلغ الدينار الأفرنتي المذكور مائتين وستين درهماً من الفلوس المذكورة. )
7 ـ أدى هذا الانتشار للفلوس النحاسية أن ساد التعامل بها بين الناس في شتى معاملاتهم ، وحتى في تعامل السلطان مع الناس ، يعطيهم فلوسا لا دراهم ولا دنانير . وصارت الفلوس تُباع القنطار ( 100 رطل ) ب 600 درهم ، وبالوزن وليس بالعدّ ، وصار الدينار والدرهم يتم تقييمهما بالفلوس ، هذا مع تعدد الدينار المملوكى ووجود الدينار الافرنجى ، يقول المقريزى : ( وفسدت مع ذلك هذه الفلوس فعملت كل قنطار مصري - وهو مائة رطل مصرية - بستمائة درهم وصارت معاملة الناس بها في ديار مصر كلها بالوزن لا بالعدد فيحسب في كل رطل منها ستة دراهم وصارت قيم الأعمال وثمن المبيعات كلها - جليلها وحقيرها - وأجرة البيوت والبساتين وسجلات الأراضي كلها ومهور النساء وسائر إنعامات السلطان إنما هي بالفلوس وصار النقدان - اللذان هما الذهب والفضة - ينسبان إلى هذه الفلوس فيقال كل دينار بكذا أو كذا من الفلوس وكل درهم من الفضة إن وجد - ولا يكاد يوجد - بكذا من الفلوس فلم يبق للناس بديار مصر نقد سوى الفلوس‏. ثم بعد الفلوس الذهب الأفرنتي أو الذهب السالمي أو الذهب الناصري وهو بأنواعه إنما ينسب إلى الفلوس‏. وصار الذهب مع ذلك أصنافاً الهرجة وهو قليل جداً والأفرنتي وهو من الذهب النقد الرائج ، والسالمي وهي دنانير ضربها الأمير يلبغا السالمي أستادار زنتها مثقال كل دينار، والناصري وهي دنانير ضربها الملك الناصر فرج بن برقوق‏. )
8 ـ إرتفع شأن الدرهم حين ضرب المؤيد شيخ الدرهم الفضى ( المؤيدى ) واستحسنه الناس ، ومع ذلك ظلت الفلوس هي الرائجة : ( فلما كانت الأيام المؤيدية شيخ ضرب دراهم عرفت بالمؤيدية تعامل الناس بها عدداً مدة أيامه ، وحسُن موقعها من الناس ، فصارت النقود بمصر الفلوس والذهب بأنواعه والفضة المؤيدية‏. والنقد الرائج منها إنما هو الفلوس وإليها تنسب قيم الأعمال وثمن المبيعات كما تقدم‏.)
9 ـ ثم جاء عصر برسباى المشهور بالاحتكار والفساد والتدخل في أسعار العُملات بأوامر متناقضة وبفرض الرسوم ، وسبق التعرض لهذا من قبل . ويوجزه المقريزى في قوله : ( فلما كانت الأيام الأشرفية برسباي رد الدراهم إلى الوزن وأبطل المعاملة بها بالعدد فإنه كثر قص المفسدين منها فتعنت الناس في أخذها‏. واستمرت المعاملة بالدراهم وزْناً‏. وضرب أَيضاً دراهم أشرفية يصرف كل درهم وزناً بعشرين درهماً من الفلوس‏. ثم تزايد سعر الفلوس حتى بلغ كل قنطار منها ألفاً وثمانمائة فتعامل الناس بها من حساب كل رطل بثمانية عشر درهمًا فلوسا‏. وما زالت تقل لكثرة ما يحمل التجار منها إلى بلاد الهند وغيرها وما يضرب منها بالقاهرة أواني كالقدور التي يطبخ فيها ونحوها من آلات النحاس‏. وصار على من يتولى ضرب الفلوس أواني ضْماناً مقرراً لديوان الخاص في كل شهر خمسة عشر ألف درهم‏. ثم زاد مبلغ الضمان عن ذلك ، فاقتضى رأي السلطان بعد اختلاف واضطراب كثير في مدة أيام أن يضرب فلوساً ، يعد في كل درهم من دراهم الدينار ثمانية فلوس ،على أن الدينار الأشرفي بمائتين وخمسة وثمانين درهماً والدينار الأفرنتي بمائتين وثمانين‏، فتكون هذه الفلوس الأشرفية كل رطل منها بسبعة وعشرين درهماً‏ ، ويؤخذ في كل دينار أشرفي ألفان ومائتا فلس وثمانون فلساً‏. فلما ضربت الفلوس على هذا الحكم نودي أن يتعامل الناس بها وألا يتعاملوا‏ بما في أيديهم من الفلوس القديمة بل يحملوها إلى دار الضرب على حساب كل رطل بثمانية عشر‏. وما أحسن هذا لو استَمر‏. ).
تعليق
1 ـ كان برسباى يغشُّ العُملة ، ويستخدم سلطته في فرض عُملته المغشوشة وتحريم غيرها من العُملات الأجنبية. ومع هذا كان السوق يغلبه . لم تكن هناك عُملة ورقية ، ولم تكن هناك بنوك خارجية يُخفى فيها أكابر المجرمين أموالهم السُّحت .
2 ـ في كوكب المحمديين أبواب واسعة لتهريب الأموال وغسيل الأموال ، والتلاعب بسعر العُملة المحلية بالتعويم وغيره ، والذى يُسفر في النهاية عن التضخُّم وارتفاع الأسعار ، وتدنّى قيمة العُملة المحلية مقارنة بالعملات الأجنبية .
3 ـ انظر الى سعر الجنيه المصرى مقابل الدولار والاسترلينى قبل عام 1952 ، وسعره الآن .! قارن بين سعر الجنية المصرى الورقى وسعر الجنيه المصرى الذهبى وقتها ، حين كان الجنيه المصرى الورقى أغلى من الجنيه المصرى الذهبى ، وحين كان للجنيه المصرى غطاء ذهبى . أضاع كل هذا عسكر النحس من عام 1952 ، وافقروا المصريين بينما تضاعف بلايين أكابر المجرمين في الخارج . . . ثم يموتون وسيموتون ويتركون ما جمعوه من مال سُحت ، وسيأتون يوم القيامة يحملون أوزارهم على ظهورهم ، ألا ساء ما يزرون .!

نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية