ما تخفيه اطروحة الاشتراكية المطبقة

التيتي الحبيب
2021 / 7 / 9


في هذا النص القصير جدا سنركز على قضية تجارب بناء الاشتراكية العلمية او بالمضمون الماركسي لان الحيز لا يسمح بتناول تجارب اخرى همت الارهاصات الاولى في بناء تجارب اشتراكية حالمة او طوباوية. ما يعنينا هنا النقاش وحتى الصراع حول مالاشتراكية؟ وكيف انجاز الثورة الاشتراكية الناجحة وغيرها من الاسئلة الحارقة. يهمنا التوقف عند بعض الاطروحات التي تتبرأ من التجارب الاشتراكية وتقف منها موقفا عدائيا وتصفي الحساب معها بسهولة وجرة قلم باعتبار ما فشل هو الاشتراكية المطبقة بينما هم يمتلكون اشتراكية نقية في الواحهم المحفوظة.
ومن جملة نماذج هذه الاشتراكية المطبقة نجد الاتحاد السوفياتي التي فشلت ومعها ما طبق في الصين وفيتنام وكوبا. يردد هؤلاء هذا الكلام بدون ان يقوموا بأدنى مجهود فكري شخصي مستقل لبحث القضية بحثا عميقا. لما تسألهم عن علاقة اشتراكيتهم التي يؤمنون بها مع ما طبق في الاتحاد السوفياتي او الصين او فيتنام يقولون لك لا علاقة. ان اشتراكيتهم عذراء نقية لم يمسسها تراب الارض وغبارها او عرق الانسان وكدحه. انها اشتراكية لم تطبق بعد ولم يخلق الجيل الذي سيطبقها بنجاح. ان اشتراكيتهم لما تغرس ستنجح بكل تأكيد وهي مختلفة عن كل ما طبق لحد الساعة.
بالنسبة لهم اشتراكيتهم العلمية والقحة من ابتكار ماركس ورفيقه انجلس انهما القائدان اللذان انتجا النظرية والفلسفة ووضعا العلم ويصح نفس الامر على لينين لما قبل 1917 بحيث كان المنظر والمفكر فكان عبقريا. لكن لينين كف عن ذلك لما وضع يده في عصيدة بناء الدولة البروليتارية ووضع لبنات المجتمع الاشتراكي في بلد واحد الاتحاد السوفياتي انظروا الى فضيحة الاقتصاد الجديد ( نيب) التي اتبعها لينين ونسي الاشتراكية.
غاب عن بال اصحاب التبرؤ من الاشتراكية المطبقة وتجاربها، اصحاب الاشتراكية النقية المصونة والمضمونة النجاح من اول تجربة؛ لقد عاب عن بال هؤلاء السادة بان الاشتراكية هي نظرية بناء سلطة البروليتاريا والانتقال من مجتمع طبقي الى مجتمع لا طبقي، من مجتمع دام ألاف السنين الى مجتمع جديد لم تعشه البشرية لحد الساعة باستثناء مرحلة المشاعة البدائية التي تفصلنا عنها ازمان سحيقة.
فلكي تنتقل البشرية الى هذا المجتمع الجديد فهي مجبرة بان تتقدم بخطوات ستكون متعثرة بالضرورة، يتخللها النجاح ثم الفشل والانهيار، وتعاود النهوض والتقدم على قاعدة المكتسبات الايجابية ومكتسبات الدروس المستخلصة من الفشل والانهيار. ان البشرية ستتعلم المشي كما يفعل الصبي تماما.
فكيف نظر ماركس لهذه السيرورة نفسها؟ كيف نظر الى بناء الاشتراكية؟ ولنسجل منذ الان بان ماركس رفض مبدئيا ونظريا اقحام نفسه في وضع تصور ونظرية المجتمع الاشتراكي وهو في هذا الامر كان ملتزما بقواعد العلم الجديد الذي انشا لبناته الاساسية. لكن من حيث تعامله مع التجارب التي تجري امامه فهذا الموضوع جدير بالدراسة والتعلم منه. هكذا علينا ان ندرس تعامله مع كمونة باريس 1871 حيت اقتحمت بروليتاريا باريس السماء وأعلنت قيام اول دولة سلطة العمال، انها كانت اول تجربة لديكتاتورية البروليتاريا وأول تجربة بناء الاشتراكية على حد قول ماركس وانجلس ولينين. كان ماركس ضد الثورة التي كانت تعد لها بروليتاريا باريس لأنها لم توفر الشروط الذاتية؛ لكنها لما قامت ايدها بكل قوة واعتبرها فاقت في دروسها ما كان ينتظره ويتصوره. انه تبنى تلك التجربة ودافع عنها في جميع المحافل ووجدت صدى لها في نظريته وعدلت احكامه بما فيه البيان الشيوعي. اننا اليوم مدينون لكمونة باريس بالعديد من الخلاصات وقد بنت عليها الثورة البلشفية تصوراتها في بناء المجتمع الاشتراكي الجديد وبفضل دروسها تقدمت البشرية اكثر الى الامام نحو المجتمع الاشتراكي. لو اتخذ ماركس نفس الموقف الذي يردده اليوم اصحاب الاشتراكية المطبقة لو ادار ظهره لها لو ناصبها العداء لما تقدمت نظرية ماركس ولما تقدمت شروط نجاح ثورة اكتوبر 1917.
لذلك لما ارى الكم الهائل من العداء للتجربة السوفياتية بل شيطنتها بشيطنة قيادتها وخاصة ستالين، فإنني ادرك ان هؤلاء الذين يدعون انتماءهم للاشتراكية ليسوا في الحقيقة إلا اناس في احسن الاحوال رومانسيين ان لم يكونوا اعداء متخفيين للاشتراكية لأنهم ببساطة يدعون الطبقة العاملة للتخلي عن الاهتمام بتجارب بناء الاشتراكية ودراسة نقاط قوتها وأسباب فشلها. ولا يمكن ان يتم ذلك اذا لم تعتبر الطبقة العاملة تلك التجارب هي تجاربها ومحاولتها للتقدم في تغيير الواقع وفق منهج الماركسية اللينينية التي حاولت المساهمة في ميلاد مجتمع جديد على انقاض مجتمع الملكية الخاصة ابن آلاف السنين.
ايها السادة ليست هناك اشتراكية مطبقة كل ما هنالك هو تجارب انجاز الثورة الاشتراكية وهي تجارب لا بد من الدخول اليها وخوض غمارها والنجاح لا يتحقق إلا بالإصرار على السير في دربها والطريق اليها يخلقه المشي في اتجاهها، ليس هناك درب او طريق مرسوم مسبقا. ان الطبقة العاملة وهي تخوض هذه المغامرة الثورية، هي طبعا مسلحة بإرادة الثورة وبالعلم في اقوى مضامينه. انها تخوض التجربة وهي مسلحة بالعلم وبدروس التاريخ.انها لا تخوض التجربة وكأنها لا تملك نظرية وعلم او انها تبدأ من الصفر وبدون مراكمة الخبرات او انها مجرورة بالتيارات والتوجهات اللاادرية. هذا هو الفخ والمطب الذي يدعوها اليه اصحاب التبرؤ من الاشتراكية المطبقة لأنهم يقطعون مع هذه التجارب وهم عقائديون مثاليون لا غير. ولكي تتقدم البروليتاريا في طريق الثورة الاشتراكية فهي مطالبة بتأسيس ادوات انجاز الثورة على راسها الحزب السياسي المستقل المعبر عن المصالح الطبقية للبروليتاريا وهو هياة اركان خوض الحرب الطبقية معزز ببناء الجبهات النضالية والاجتماعية المتعددة والمختلفة وصولا لبناء جبهة الطبقات الشعبية التي لها مصلحة في التغيير الثوري بقيادة الطقبة العاملة وحلفائها الاستراتيجيين واخيرا بناء اممية ماركسية تنظم البروليتاريا على الصعيد الاممي وتنقل الخبرات والدروس عبر العالم وتجعل الثورات متشابكة بعضها مع بعض وتقلل من اخطار الفشل والانزياح الذي تحمله التجارب والسير في درب جديد وغير مطروق.

طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية