م 4 / ف 16 الحياة في ظل تطبيق الشريعة السنية عام 838

أحمد صبحى منصور
2021 / 7 / 8

قراءة في تاريخ السلوك للمقريزى / المقريزى شاهدا على العصر
قال المقريزى في التأريخ لسنة 838
تكملة شهر جمادى الأولى
عمارة الحرم ‏
( وفي هذه الأيام‏:‏ حمل إلى مكة - شرفها الله تعالى - من الرخام ما ذرعه ستون ذراعاً لحرمة الحجر وشاذروان البيت‏. وحمل من الجبس خمسون حملا لبياض أروقة المسجد الحرام ، ومن الحديد عشرة قناطير لعمل مسامير ، وأربعون قطعة خشب لشد أروقة المسجد الحرام‏. )
تعليق
1 ـ جهد مشكور هنا للمماليك في رعاية البيت الحرام . وهذا مع ملاحظة أن المماليك كانوا يبعثون بصدقات لسكان مكة والمدينة ( الحرمين ) ، وكثيرون كانوا يوقفون أوقافا خيرية وأهلية في هذا الشأن .
2 ـ تغير هذا مع سيطرة الأسرة السعودية على البيت الحرام ، فمنعت المحمل المصرى ، واستغلت فريضة الحج وسيطرتها على البيت الحرام في فرض أموال على راغبى الحج . ومع ثراء المملكة الآن وتكديسها مئات البلايين من الدولارات في الداخل والخارج ، ومع الاسراف في نفقات الملك وأسرته إلا إنهم لا يزالون يبتزون الحُجّاج ، ويفرضون عليهم رسوما باهظة .
3 ـ هذا يذكرنا بما كان يقوم به الأعراب من الهجوم على قوافل الحج ، وسلب الحُجّاج وقتلهم ، مما استدعى حصر الحج في وقت محدد بعد أن كان خلال الأربعة أشهر كما جاء في القرآن الكريم ، وبما استدعى تسيير حملة عسكرية لحماية حُجّاج البيت الحرام .
4 ـ من المضحك المؤسف أن يطلق الملك السعودى على نفسه ( خادم الحرمين ) ويجعله لقبا دينيا ضمن مبتدعات دينه السنى ، وليس خادما ل ( الحرمين ) بل هو يسلب القادمين لهما ، ويتخذ من سيطرته عليهما مكانة في كوكب المحمديين .
‏حملة مملوكية على أعراب الصعيد
( وفي سلخه‏:‏ برز الأمير تمراز رأس نوبة النوب وصحبته عدة مائتي مملوك وخجا سودن رأس نوبة من أمراء الطبلخاناه وأمير أخر من أمراء العشرات ، ليتوجهوا إلى الوجه القبلي . وذلك أن الأمير تغري برمش - أمير أخور - خرج إلى سرحة الوجه القبلي لأخذ تقادم العربان وغيرهم ، فلقيه علي بن غريب على ناحية دهروط ، وهو يومئذ يلي أمر هوارة البحرية ليحضر تقدمته على العادة‏. وحضر ملك الأمراء بالوجه القبلي - وهو محمد الصغير - وجاءت طائفة من محارب وطائفة من فزارة ليقدموا تقادمهم ، فاقتضى الحال إرسال ملك الأمراء وعلي ابن غريب معهم لأخذ التقادم منهم ، فغدروا بهم ، وثاروا عليهم ، فقاتلهم ملك الأمراء وعاد مهزوماً ، وقد جرح ، وقتل عدة من جماعته‏. ثم إن السلطان عين لكشف الوجه القبلي الصاحب كريم الدين ابن كاتب المناخ . )
تعليق
الأعراب هم القوة المسلحة الوحيدة التي كانت تنافس الحكم العسكرى المملوكى. هم بقايا القبائل العربية في مصر ، ومنهم من أتى من غرب مصر . وقد استوطنوا أطراف وادى النيل ، وقاموا بتخريبه . تراوحت علاقاتهم قبائلهم بالمماليك بين الحرب وبين المهادنة . ودفع الثمن الفلاح المصرى ، كان ضحية الفريقين معا .
2 ـ هنا حملة مملوكية حربية ضد أعراب الصعيد ، حيث برز عرب هوّارة ومعهم قبائل فزارة ومحارب ، وكانوا وقتها خاضعين للمماليك يقدمون لهم ( التقدمة ). جاء الأمير المملوكى ( ملك الأمراء بالوجه القبلى ) ليتسلم منهم ( التقدمة ) فغدروا به ، وقاتلوه وهزموه . فأرسل اليهم برسباى حملة لتأديبهم .
3 ـ عسكر مصر الخائب الخائن يستعرض قوته على أعراب سيناء المسالمين ، يقوم بإجلائهم قسريا لصالح إسرائيل ، ويقتل أبناءهم تحت شعار محاربة داعش ، وهو المستفيد الأكبر من وجود داعش ، وهو الذى خلقها في سيناء . ‏
حملة مملوكية على أعراب الوجه البحرى
( وفي يوم الأحد ثالث عشرينه‏:‏ توجه الأمير الكبير أينال الجكمي والأمير جقمق أمير سلاح والأمير يشبك حاجب الحجاب والأمير قانباي الحمزاوب في عدة من الأمراء إلى العرب بالوجه البحري. وذلك أن لبيد عرب برقة قدم منهم طائفة بهدية ، وسألوا أن ينزلوا البحيرة ، فلم يُجابوا إلى ذلك ، وخلع عليهم، فعارضهم أهل البحيرة في طريقهم ، وأخذوا منهم خلعهم‏. وكان السلطان يلهج كثيراً بإخراج تجريدة إلى البحيرة فبلغهم ذلك فأخذوا حذرهم‏. واتفق مع ذلك أن شتاء هذه السنة لم يقع فيه مطر ألبته لا بأرض مصر ولا بأرض الشام فدفة دافة ( أي أتت طائفة ) من لبيد إلى البحيرة لمحل بلادهم ، وصالحوا أهل البحيرة ، وساروا إلى محارب وغيرها من العرب بالوجه القبلي لرعي الكتيح ( أي الأرض التي سفا عليها التراب ) من الأراضي البور‏. وكان قد كتب إلى الكاشف بألا يمكنهم من المراعي حتى يأخذ منهم مالاً ، فأنفوا من ذلك ، لأنه حادث لم يعهد قبل ذلك . وأظهروا الخلاف فخرجت إليهم هذه التجريدة‏. ).
تعليق
أعراب لبيد جاءوا من برقة غربا ليستوطنوا البحيرة بسبب قلة المطر لديهم ، رفض المماليك ذلك فيكفيهم متاعب الأعراب ( المصريين )، ولكن أعطوهم هدية . غضب أعراب البحيرة وهم مناوئون للمماليك ، فهاجموا وفد قبيلة لبيد وسلبوهم ما أعطاه لهم المماليك . ثم تصالح أعراب لبيد وأعراب البحيرة وأعراب محارب في الصعيد ، أغضبهم جميعا أن برسباى فرض عليهم مالا مقابل الرعى . وقد عرفوا من جواسيسهم عزم برسباى على ارسال حملة اليهم . ستأتى تفاصيل لاحقا في أخبار شهر رجب.
شهر جمادى الآخرة أوله السبت‏:
وظائف أكابر المجرمين وعقوباتهم
1 ـ ( فيه خلع على الأمير الوزير الصاحب كريم الدين عبد الكريم ابن كاتب المناخ واستقر كاشف الوجه القبلي‏. )
2 ـ ( ورسم أن يستقر محمد الصغير المعزول عن الكشف دواداره وأمير على الذي كان كاشفاً بالوجه القبلي والوجه البحري رأس نوبته‏. ونزل من القلعة إلى داره في موكب جليل‏. ). مرة في ( موكب جليل ) ، وأخرى في تشهير وتحقير .
3 ـ ( وفي سادسه‏:‏ خلع على الصاحب أمين الدين إبراهيم بن الهيصم ، واستقر شريكاً لعبد العظيم بن صدقة في نظر الديوان المفرد‏. )
4 ـ ( ‏وفي يوم الأحد سادس عشره‏:‏ قبض السلطان على سعد الدين ناظر الخاص وأخيه الوزير جمال الدين يوسف ، وأوقع الحوطة على دارهما ، ثم أفرج عنهما من الغد‏. ).
تعليق
الحوطة على الدار يعنى تفتيشه للعثور على المال المسروق المخبّأ فيه .
الخبر التالى فيه تفصيلات :
5 ـ ( وخلع على ناظر الخاص باستمراره على عادته‏. وعزل أخوه عن الوزارة وألزما بحمل ثلاثين ألف دينار فنزلا وشرعا في بيع موجودهما وإيراد المال المذكور. ) .
تعليق
شيء معتاد ، عزل ومصادرة ، ثم عودته الى عمله مقابل دفع غرامة . ذلك أن ( الحوطة ) على الدار لم تسفر عن العثور على المخبّأ من المال ، لذا أعيد سعد الدين ناظر الخاص مقابل 30 ألف دينار . وحتى لا يدفعها ( كاش ) باع ممتلكاته ليؤكد للسلطان فقره . هي لعبة القط والفأر المعتادة .
6 ـ ( وفيه ألزم تاج الدين عبد الرهاب بن الشمس نصر الله الخطير بن الوجيه توما ناظر الاصطبل بولاية الوزارة ، وخلع عليه من الغد يوم الثلاثاء ثامن عشره‏. ) . هنا إلزام بالتعيين .
7 ـ ( وفيه خلع على الأمير التاج الشويكي واستقر مهمنداراً عوضاً عن الأمير أقطوة ، المتوجه رسولاً إلى شاه رخ‏. )
8 ـ ( وفي يوم الأربعاء تاسع عشره‏:‏ رسم بإقطاع أركماس الجلباني التِمْراز المؤيدي‏. ) ( وأنعم بطبلخاناه تمراز على الأمير سنقر العزي نائب حمص ، واستقر عوضه طغرق أحد أمراء دمشق‏. )
9 ـ ( وفي العشرين منه‏:‏ خلع على شمس الدين أبي الحسن ابن الوزير تاج الدين الخطير ، واستقر في نظر الاصطبل عوضاً عن أبيه‏. ). تولية الابن منصب أبيه ، في مقابل مال . فأكبر أكابر المجرمين لا يعطى منصب الأب مجانا للابن .
تسليم سيف الأمير بعد وفاته
( وفيه قدم سيف الأمير أركماس الجلباني أحد مقدمي الألوف بدمشق ، وقد مات‏. ).
تعليق
1 ـ المحارب المملوكى إذا مات كان يتم تسليم سيفه الى السلطان . هذا تقليد عسكرى في دولة عسكرية تحترف الحرب وتنتصر فيها في الأغلب .
2 ـ عسكر مصر اليوم يشترون سلاحا ــ بالبلايين ــ لا يعرفون استعماله ، ويدفعون البلايين من قروض يعجزون عن سداد فوائدها ، وستسددها الأجيال المصرية القادمة سيئة الحظ . يشترون هذا السلاح وهم لا يحاربون سوى الشعب المصرى ، ولا ينتصرون إلا عليه . يشترون السلاح ليحصلوا على العمولات . بالتالى فإن ورثة الجنرال منهم عند موته لا يتسلمون ( السيف ) كما كانت ثقافة الحربية للمماليك . يتسلم الورثة بديلا عن السيف بعض البلايين فقط .!
‏محاولة فاشلة لاصلاح الأوقاف
( وفي هذا الشهر‏:‏ رسم أن يكشف عن شروط واقفي المدارس والخوانك ويعمل بها‏. وندب لذلك قاضي القضاة شهاب الدين أحمد بن حجر الشافعي . فبدأ أولا بمدرسة الأمير صرغتمش بخط الصليبة وقرأ كتاب وقفها‏. وقد حضر معه رفقاؤه الثلاث قضاة القضاة ، فأجل في الأمر ، فلم يعجب السلطان ذلك ، وأراد عزل جماعة من أرباب وظائفها ، فروجع في ذلك حتى أقرهم على ما هم عليه‏. وأبطل الكشف عما رسم به . فسر الناس بهذا ، لأنهم كانوا يتوقعون تغييرات كثيرة‏. ).
تعليق
1 ـ المثل المصرى يقول ( أعطوا القط مفتاح الكرار ) بمعنى أن يقوم السارق بالتحقيق في سرقة هو نفسه الجانى فيها .
2 ـ ابن حجر قاضى القضاة الشافعى كان المُقدّم على بقية القضاة بحكم كونه شافعيا أولا ، ثم لكونه أكثرهم شهرة وفسادا . وقد عهد اليه برسباى بإصلاح أوقاف المدارس والخوانق وغيرها ، حيث كان الوقف الأهلى يستوجب تعيين مدرسين مختلفى التخصصات في الفقه والعلوم الشرعية في دينهم السُّنّى ، مع وظائف أخرى مساعدة ، ويتم تسجيل قواعد تعيينهم وصرف مرتباتهم ، من خلال مبلغ الوقف المخصص لذلك . ووثائق الوقف ـ وقد سبق لنا فحصها ودراستها ولا تزال محفوظة في دار الوثائق ـ كانت تفصّل هذا. ولكن التطبيق كان فسادا ، وشاعت أخباره ، فأراد أكبر أكابر المجرمين إصلاح الأمر ، وعهد لأكبر فاسد من الفقهاء بالمراجعة ، وهو (إبن حجر العسقلانى ) ومعه زملاؤه قُضاة القضاة الثلاثة . وطبيعى أن ينتهى الأمر الى لا شيء . وفرح ( الناس ) بهذا على حدّ قول المقريزى ، والمقصود بالناس هنا هم المستفيدون من هذا الفساد .
3 ـ ضابط المخابرات ــ الذى يترأس دولة العسكر في مصر الآن ــ لا يشبع من السرقة ، وقد وضع الأوقاف المصرية تحت يده لأول مرة في تاريخ الأوقاف المصرية ، وهو تاريخ مستمر قبل وبعد العصر المملوكى . إذا كان برسباى أكبر أكابر المجرمين يقلق على الأوقاف في عهده ، فماذا عمّا حدث للأوقاف المصرية ( الخيرية والأهلية ) الآن ؟ تعجز الكلمات عن التعليق .! نكتفى بقوله جل وعلا : ( يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلْ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (30) ق )

عصام الخفاجي مناضل واكاديمي وباحث يساري في حوار حول دور وافاق اليسار والديمقراطية في العالم العربي
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي