م 3 / ف 16 ( لك يوم يا طبلاوى : قصة حياة أخوين من لصوص مصر الكبار ):

أحمد صبحى منصور
2021 / 7 / 6

م 3 / ف 16 ( لك يوم يا طبلاوى : قصة حياة أخوين من لصوص مصر الكبار ):
الحياة في ظل تطبيق الشريعة السنية عام 838
قراءة في تاريخ السلوك للمقريزى / المقريزى شاهدا على العصر
قال المقريزى في التأريخ لسنة 838
‏شهر ربيع الآخر أوله الخميس‏:‏
إحتكار
( وفيه منع التجار بالإسكندرية من بيع البهار على الفرنج ، فأضرهم ذلك‏.) . السلطان هو البائع الوحيد ، وبلا واسطة .
وظائف أكابر المجرمين
( وفي رابعه‏:‏ قدم الأمير أرغون شاه المطلوب للوزارة من دمشق فأخذت تقدمته. ) أي قدّم هديته للسلطان فأخذها . تخيّل لو جاء بيد فارغة .! يا للهول .!!
أنواع من النكبات ، والسلطان يتنزّه
زلزال بالقاهرة
( في ثالثه - قبيل الظهر بقليل -‏:‏ حدثت زلزلة بالقاهرة اهتزت لها الدور هزة فلو قد طالت قليلاً لأخربت ما زلزلت‏. )
أمطار في الشام
( وفي هذا الشهر‏:‏ كثرت الأمطار ببلاد غزة وعامة بلاد الشام فانتفعوا بها‏. )
إرتفاع أسعار‏
( وفيه ارتفع بالقاهرة سعر اللحم والخبز والجبن واللبن والعسل وعدة من الأقوات ، حتى بلغ بعضها مثلي ثمنه ( أي ضعفى الثمن ) مع رخاء سعر القمح والشجر وغلاء الأرز أيضاً‏.)
إحتراق مركب
( وفيه احترقت مركب بساحل الطور تلف فيها بضائع كثيرة‏. )
‏نزهة السلطان
( وفي خامسه‏:‏ ركب السلطان من قلعة الجبل باكراً وشق القاهرة فمضى للصيد ورجع من آخر نهار يوم الأربعاء . وتكرر ركوبه لذلك مرتين أُخريين ، يبيت في كل مرة ثم يعود . ). برغم كل هذه الكوارث فالسلطان يتنزّه ، والمستضعفون يتألمون .
شهر جمادى الأولى أوله الجمعة‏:‏
نزهة السلطان
( في ثانيه‏:‏ ركب السلطان إلى الصيد وشق القاهرة وعاد آخر يوم الثلاثاء خامسه وهذه رابع ركبة له للصيد‏. ).
الاعداد لسفر السلطان للشام
( ‏وفي هذه الأيام وقع الشروع في حركة سفر السلطان إلى الشام‏. ) . لم يهنأ السلطان بالنزهات ، حدثت قلاقل على حدود دولته الشرقية فعزم على الخروج لها . ‏وظائف أكابر المجرمين
1 ـ ( وفي سابعه‏:‏ سافر الأمير غرس الدين خليل بن شاهين نائب الإسكندرية وناظرها بعد ما حمل خمسة آلاف دينار ذهباً سوى قماش وغيره بألف دينار‏. وكان قد قدم من الثغر في الشهر الماضي. )
2 ـ ( وفي خامس عشره‏:‏ خلع على دولات خجا والي القاهرة واستقر في ولاية منفلوط وكاشف القبض‏. ). دولات خجا المشهور بظلمه يُعاد تعيينه، بالرشوة طبعا ، ولا عبرة بصرخات الضحايا من المستضعفين ، إذ لا تأبه بهم الشريعة السنية لأكابر المجرمين .!!
3 ـ ( وشغرت ولاية القاهرة إلى يوم الأحد سابع عشره فخلع على علاء الدين علي بن ناصر الدين محمد بن الطبلاوي ، وأعيد إلى ولاية القاهرة على أن يحمل ألفاً ومائتي دينار . وكان له منذ عزل من الولاية بضع عشرة سنة يتشحّط في أذيال الخمول‏. )
تعليق :
نعطى تقريرا تاريخيا عن أسرة الطبلاوى ( أحمد) ثم أخوه ( على الطبلاوى ) عسى أن يكون عبرة للصوص عصرنا البائس :
قبل عصر برسباى :
1 ـ في 21 رجب 810هـ أمر السلطان فرج بن برقوق باعتقال والي القاهرة حسام الدين وصادر أمواله وعين مكانه أحمد بن الطبلاوي ( السلوك جزء 4 قسم 1 ص 62 )
2 ـ في 15 ذي القعدة 811 هـ .. كان أحد الظلمة السابقين يعيش أيامه الأخيرة يقاسي الذل في محنته ويقوم بإذلاله ظالم جديد هو جمال الدين الاستادار . وذلك الظالم السابق هو ابن غراب ، الذي كانت له صولة في أيامه حين كان وزيراً يتحكم في السلاطين, وبعد أن غربت شمس نفوذه أمر السلطان بأن يتسلمه صاحبنا أحمد ابن الطبلاوي والي القاهرة ليقوم بتعذيبه , وقام ابن الطبلاوي بالمهمة خير قيام إلى أن لفظ الوزير السابق ابن غراب أنفاسه تحت التعذيب, وأخرجوه ميتاً من دار ابن الطبلاوي يوم الأربعاء أول ذي الحجة 811هـ .( السلوك 4 / 1 / 85 ، 87 )
وبعد أن أدى ابن الطبلاوي المهمة المطلوبة منه عزله السلطان في 10 ذي القعدة 812 هـ وولى مكانه أحد الأمراء المماليك, ولكن استطاع ابن الطبلاوي أن يقنع السلطان بأنه لا تزال لديه المقدرة على الظلم فأعاده السلطان واليا للقاهرة. ( السلوك 4/ 1 / 124 )
3 ـ واجتهد أحمد بن الطبلاوي في إرضاء السلطان، وانهمك في مصادرة أموال الناس فعينه السلطان كاشفاً، أي حاكماً ـ على الشرقية ، ولكن بعد أن استفاد منه السلطان بما يكفى أمر باعتقاله وعزله وسلمه للوزير ابن البشيري ليتولى تعذيبه وعقابه ، ليستخلص منه ما سرق من فلاحى الشرقية ( أجدادى )!.
4 ـ وفي ليلة الخميس 27 ذي القعدة 814 هـ ضرب السلطان فرج بن برقوق بنفسه عنق ابن الطبلاوي , بل قتل السلطان امرأة ابن الطبلاوي لأنها كانت تأتي إليه في السجن , وأمر السلطان أن يوضعا في لحاف واحد وأن يدفنا معاً في قبر واحد !! ويعلق المقريزي على مقتل ابن الطبلاوي – وكان يعيش في عصره – فيقول إن الناس استراحت من ظلمه وفسقه وعتوه .. !! ( السلوك 4 / 1 / 196 ).
5 ـ انتهى أحمد بن الطبلاوى ، ولكن لم يعتبر بنهايته أقرب الناس إليه ؛وهو أخوه علاء الدين (علي بن الطبلاوي) .. فقد سعى لأن يكون والياً على القاهرة هو الآخر، فتولاها في 2 ربيع الآخر 821 هـ فى سلطنة المؤيد شيخ. ( السلوك 4 / 1 / 441 ).
6 ـ وأدمن علاء الدين على بن الطبلاوى الظلم وتطرف فيه ، حتى منع الناس من دفن موتاهم إلا بإذنه. وازداد ظلمه حتى ضربه السلطان المؤيد شيخ بالمقارع ، ثم عزله وضربه في 11 جمادى الآخرة 823 هـ وأشهره في القاهرة عاري البدن على حمار ، إلى أن تسلمه زبانية السلطان ليعذبوه ويستخلصوا منه أمواله .( السلوك /4 / 1 / 530 )
في عصر برسباى
1 ـ وعاش على بن الطبلاوى حوالى خمسة عشر عاما خاملا يقتات على بعض ما تبقى لديه من أموال نهبها بظلمه وتعذيبه للناس حين كان فى السلطة .
2 ـ علم السلطان الأشرف برسباى أنه لا تزال أموال لدى على بن الطبلاوي ، وأنه لن ياخذها منه إلا بالحيلة ، فأوعز إليه أن يتولى ولاية القاهرة في نظير رشوة. ودفع ابن الطبلاوي رشوة قدرها 1200 دينار للسلطان ، فأعاده واليا للقاهرة فى 15 جمادى الأولى عام 838، يقول عنه المقريزى الخبر السابق : ( وكان له منذ عزل من الولاية بضع عشرة سنة يتشحط فى أذيال الخمول ) ( السلوك 4/2/ 936 ).
3 ـ جاء على بن الطبلاوى واليا للمرة الثانية للقاهرة، وهو يُمنّي النفس بأن يسترد ما دفعه من رشوة باغتصاب أموال الناس كالعادة ، ولكن سرعان ما عزله السلطان برسباى بعد عدة شهور، أى فى 15 شوال 838 . فعاش فقيرا مقهورا ملعونا، بينما نعم بالسلطة وولاية القاهرة ظالم آخر هو تاج الدين الشوبكى.
بعد موت الأشرف برسباى
1 ـ تولى السلطنة ابنه يوسف وكان فتى ضعيفا ، وكان تعيين أبناء السلاطين المماليك ــ فى أغلبه ــ يعتبر فترة انتقالية حتى يظهر أقوى قائد مملوكى ليعزل ابن السلطان ويتولى السلطنة مكانه. وفى هذه الفترة عاش على بن الطبلاوى أحلك أيامه فى الفقر و الضّعة ، إلى أن ولاه السلطان الضعيف يوسف بن برسباى ولاية القاهرة في يوم الخميس الخامس من ربيع الآخر عام 842 . وكان ابن الطبلاوى ـ على حد قول المقريزى : ( قد بلف الغاية من الفقر والفاقة و الضعة )( السلوك 4/3/1094 )
2 ـ ولم يلبث أن إستطاع القائد المملوكى جقمق انتزاع السلطنة من يوسف بن برسباى ، وتولاها مكانه ، وكان هذا من سوء حظ على بن الطبلاوى الذى عزله السلطان الجديد جقمق ضمن حركة تغيير وتعديل فى الوظائف الكبرى ، أى لم يتمتع ابن الطبلاوى بالسلطة سوى عدة أشهر، فعزل فى يوم الخميس الثالث من شوال عام 842. ويبدو ان شهر شوال هو شهر النحس لهذا الظالم المنحوس.
3 ـ وأفلح ابن الطبلاى فى سرقة ما يكفى خلال هذه الأشهر القليلة ، لذلك استطاع بعد أقل من عام أن يصل بالرشوة الى تولى منصب جديد هو كاتب الجيش ـ إذ ولاه السلطان جقمق هذا المنصب فى 28 رمضان عام 843 . ( السلوك 4/3/ 1183 ).
4 ـ وفى عام 844 أنهى المؤرخ العظيم تقى الدين أحمد بن على المقريزى كتابه ( السلوك ) وهو أعظم موسوعة تاريخية لمصر و الشام والحجاز خلال العصر المملوكى ، حيث كان المقريزى يسجل أحداث عصره باليوم و الشهر، ينقل نبض الشارع شاهدا على ما يحدث ، وما لبث المقريزى أن مات فى العام التالى 845 ( الموافق 1442.).
5 ـ وعاش على بن الطبلاوى ( علاء الدين ) بعد موت المقريزى، حيث ظل ابن حجر العسقلانى المشهور بلقب ( أمير المؤمنين فى الحديث ) ، يؤرخ للعصر على طريقة المقريزى ، وذلك فى تاريخه ( إنباء الغمر بأبناء العمر ) ولكن ابن حجر لم يذكر شيئا عما حدث لابن الطبلاوى بعد عام 843.
أى إختفى ابن الطبلاوى من سطور التاريخ ، وعاد للخمول و الفقر تلاحقه لعنات المظلومين الى أن مات مجهولا . وما أغنى عنه ماله وما كسب .!!
6 ـ هل يعتبر بذلك اللصوص الذين يحكمون مصر الآن ؟ لهذا نُنقّب في سطور التاريخ ـ ليس للتسلية ـ ولكن أملا في الإصلاح ، لعلّ وعسى .

عصام الخفاجي مناضل واكاديمي وباحث يساري في حوار حول دور وافاق اليسار والديمقراطية في العالم العربي
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي