م 2 / ف 16 الحياة في ظل تطبيق الشريعة السنية عام 838

أحمد صبحى منصور
2021 / 7 / 4

قراءة في تاريخ السلوك للمقريزى / المقريزى شاهدا على العصر
قال المقريزى في التأريخ لسنة 838
بقية شهر صفر
وظائف أكابر المجرمين ‏في جدة ومكة
1 ـ ( وفيه ( 6 صفر ) خلع على نكار الخاصكي واستقر شاد جدة‏. ) الشّاد ( المشدّ ) هو المخصص للعقوبة . ( وخُلع معه على علم الدين عبا الرزاق الملكي واستقر عوضاً عن سعد الدين بن المرة‏. ) ( وساروا بعد أيام إلى مكة - شرفها الله تعالى - في البحر‏.)
2 ـ ( وفي ثالث عشره‏:‏ كتب إلى مكة - شرفها الله تعالى - بأن يتحدث الأمير سودن المحمدي المجرد هناك في نظر الحرم‏. )
‏التشديد في الاحتكار في جدة ، وتدخل أمير مكة معترضا
1 ـ أمر برسباى بتحصيل العُشر فقط من تجار الهند القادمين الى جدة ، بينما يؤخذ ضعف ذلك من التجار المصريين والشوام الذين يشترون البضائع الهندية من اليمن . أما التجار اليمنيون فأمر بمصادرة بضائعهم . يقول المقريزى : ( وكتب أيضاً بألا يؤخذ من التجار الواردين إلى جدة من الهنود سوى العُشر فقط وأن يؤخذ من التجار الشاميين والمصريين إذا وردوا جدة ببضائع اليمن عشران ( أي الخُمس )، وأنَّ من قدم إلى جدة من التجار اليمنيين ببضاعة تؤخذ بضاعته بأًجمعها للسلطان من غير ثمن يدفع له عنها‏. ).
2 ـ المقريزى أوضح السبب ، فقد إزدهرت جدة وأفقرت عدن وسلطانها اليمنى . وتعاظم دخل برسباى من جمارك جدة ، ومنه كان ينفق على موظفيه هناك ، وأكثر من ذلك كان يُصدّر من جدة بضائع مصرية الى الهند ، ويفرض مسبقا ثمنها ، وقام أمراء مماليك بهذا ، أي أصبح ميناء جدة للاستيراد والتصدير ، وموردا ماليا يحتكره برسباى وبعض كبار أُمرائه . هذا الاحتكار ضاق به التجار فذهب بعضهم رأسا الى اليمن ليشتروا منها بضائع اليمن ، ولكن كان عليهم التوقف في جدة ، فعاقبهم برسباى بتضعيف الجمارك عليهم . يقول مؤرخنا : ( وسبب ذلك أن تجار الهند في هذه السنين صاروا عند ما يعيرون من باب المندب يجوزون عن بندر عدن حتى يرسوا بساحل جدة كما تقدم ، فأقفرت عدن من التجار ، واتضع حال مَلِك اليمن لقلة متحصله‏ ، وصارت جدة هي بندر التجار ، ويحصل لسلطان مصر من عشور التجار مال كبير‏ ، وصار نظر جدة وظيفة سلطانية ، فإنه يؤخذ من التجار الواردين من الهند عشور بضائعهم‏ ، ويؤخذ مع العشور رسوم تقررت للناظر والشاد وشهود القبان والصيرفي ونحو ذلك من الأعوان وغيرهم‏. وصار يحمل من قبل سلطان مصر مرجان ونحاس وغير ذلك مما يحمل من الأصناف إلى بلاد الهند فيطرح على التجار‏. وتشبه به في ذلك غير واحد من أهل الدولة‏. فضاق التجار بذلك ذرعاً ، ونزل جماعة منهم في السنة الماضية إلى عدن ، فتنكر السلطان بمصر عليهم ، لما فاته من أخذ عشورهم، وجعل عقوبتهم أن من اشترى بضاعة من عدن وجاء بها إلى جدة إن كان من الشاميين أو المصريين أن يضاعف عليه العشر بعُشرَيْن ، وإن كان من أهل اليمن أن تؤخذ بضاعته بأسرها‏. ).
3 ـ وتشريعا لهذه القرارات أمر برسباى باعلانها في الكعبة عند الحجر الأسود، ولكن اعترض أمير مكة ، وراجع برسباى حتى أبطل هذه الأوامر. واعتبر المقريزى هذا لطفا من الله جل وعلا ، يقول : ( فمن لطف الله تعالى بعباده أنه لم يعمل بشيء من هذا الحادث . لكن قرئت هذه المراسيم تجاه الحجر الأسود ، فراجع الشريف بركات بن عجلان أمير مكة في أمرها للسلطان ، حتى عفا عن التجار وأبطل ما رسم به‏. )
أمير مكة يرفض تعيين تاجر قاضيا
يقول المقريزى : ( وكانت العادة التي أدركناها أن الحرم يلي نظره قاضي مكة الشافعي ، فبذل بعض التجار العجم المجاورين بمكة - وهو داود الكيلاني - مالا للسلطان حتى ولاه نظر الحرم ، وعزل عنه أبا السعادات جلال الدين محمد بن ظهيرة قاضي مكة في السنة الماضية‏. فلما قدم مكة وقُرئ توقيعه تجاه الحجر الأسود على العادة أنكره الشريف بركات وراجع السلطان في كتابه إليه بأن الفقراء وغيرهم من أهل الحرم لم يرضوا بولاية داود ، وأنه منعه من التحدث ، وأقام سودن المحمدي المجهز لعمارة الحرم يتحدث في النظر حتى يرد ما يعتمد عليه. فكتب لسودن المحمدي في التحدث في نظر الحرم فباشر ذلك‏. )
التعليق
كعادته في بيع الوظائف عيّن برسباى تاجرا مقيما في مكة ليقوم ناظرا عليها ، وكانت العادة أن يتولى ذلك القاضي الشافعى هناك ضمن اختصاصات وظيفته . رفض أمير مكة هذا التعيين ومنع الناظر الجديد من ممارسة وظيفته ، وكتب لبرسباى معترضا . وتراجع برسباى .
‏ثورة المماليك الجلبان بسبب تأخر رواتبهم ، وتداعياتها :
1 ـ ( وفي يوم الخميس ثالث عشره‏:‏ ثارت مماليك السلطان سكان الطباق بقلعة الجبل وطلبوا القبض على المباشرين بسبب تأخر جوامكهم في الديوان المفرد ، ففر المباشرون منهم ونزلوا من القلعة إلى بيوتهم بالقاهرة ، فنزل جمع كبير من المماليك إلى القاهرة ، ومضوا إلى بيت القاضي زين الدين عبد الباسط ناظر الجيش وهو يومئذ عظيم الدولة وصاحب حلِّها وعقدها فنهبوا ما قدروا عليه‏ ، وقصدوا بعده بيت الوزير أمين الدين إبراهيم بن الهيصم وبيت الأمير كريم الدين عبد الكريم ابن كاتب المناخ أستادار فنهبوهما‏. ولم يقدروا على أحد من الثلاثة لفرارهم منهم فكان يوماً شنيعاً‏. )
2 ـ ( وفي يوم الثلاثاء غده‏:‏ غُلقت أسواق القاهرة ، وماج الناس في الشوارع والأزقة ، وفرّ الأعيان من دورهم ، لإشاعة كاذبة بأن المماليك قد نزلوا من القلعة للنهب‏. وكان ذلك من أشنع ما جرى. إلا أن الحال سكن بعد ساعة لظهور كذب الإشاعة وأن المماليك لم تتحرك‏. )
3 ـ ( وفي سابع عشره‏:‏ ركب القاضي زين الدين عبد الباسط إلى القلعة بعد ما نزل له الأمراء في أمسه بأن يتوجه إلى الإسكندرية ، فما زال حتى انصلح حاله‏. وركب بقية المباشرين إلى القلعة للخدمة السلطانية على العادة. فتقرر الأمر على أن يقوم عبد الباسط للوزير من ماله بخمسمائة ألف درهم مصرية عنها نحو ألفي دينار أشرفية تقوية له ، وأن السلطان يساعد أستادار بعليق المماليك لشهر . ونزلوا وقد أمنوا واطمأنوا‏. ).
تعليق
1 ـ التقصير في صرف المرتبات ليس من المباشرين ( أي كبار الموظفين ). هو من برسباى الذى كان يتعمد الضغط على كبار المباشرين ( الموظفين ) ليستخلص من أموالهم ما يستطيع . باعتباره أكبر أكابر المجرمين فهو متيقن أن أتباعه يسرقون الناس لحسابه ، ويعطونه جزءا ويحتفظون لأنفسهم بالباقى ، فالمناصب زائلة ، وهم على الحافة ، يمكن للسلطان عزلهم ومصادرتهم ، ولا يستطيعون تولى المنصب إلا برشوة . إبتزّهم السلطان برسباى بتسليط مماليكه الجلبان المتخصّصين في السلب والنهب . تأخرت رواتبهم فجاءهم الضوء الأخضر من السلطان فطلبوا القبض على المباشرين ، وهرب المباشرون من القلعة خوفا منهم ، فنزلوا من القلعة . لم يأبهوا بصغار المباشرين ، وأغاروا على منازل ناظر الجيش القاضي زين الدين عبد الباسط ، والوزير ابن الهيصم ، والاستادار ابن كاتب المناخ ، ونهبوا تلك الدور . وارتعب خوفا سكان القاهرة من تطور النهب ليصل الى بيوتهم فأُغلقت الأسواق وحصل هرج ومرج بسبب الاشاعات ، ثم هدأ الحال بعد أن دفع ناظر الجيش من ماله نصف مليون درهم .
2 ـ نلاحظ أن برسباى يبتز ناظر الجيش زين الدين عبد الباسط بأن يقوم بزيارته أو يسلّط عليه المماليك الجلبان ، أي يبتزه رغبة ورهبة . كله من أجل معبودهم الأكبر : المال .
‏النيل
1 ـ ( وفى تاسعه - الموافق لسابع عشر توت‏:‏ وهو يوم عيد الصليب عند قبط مصر - نودي بزيادة إصبع لتتمة عشرين ذراعاً وعشر أصابع‏. )
2 ـ ( وفي يوم الأربعاء‏:‏ هذا ( 17 صفر ) نودي على النيل بزيادة إصبع لتتمة عشرين ذراعاً وأحد عشر إصبعاً‏. وكان قد نقص بعد عيد الصليب عند ما فتحت جسور عديدة لري النواحي ، فرُدّ النقص في هذه المدة وزاد إصبعاً. وقد طبق الماء جميع أراضي مصر قبليها وبحريها ، وشمل الري حتى الروابي . ولله الحمد‏. ) .
3 ـ ( وفي يوم الخميس - ثامن عشره‏:‏ - نودي بزيادة إصبع لتتمة عشرين ذراعاً ونصف‏. )
4 ـ ( وفيه ( 19 صفر ) بدأ النقص في ماء النيل وهو سابع عشرين توت‏. ) . العادة أن قياس النيل بالتقويم القبطى الفرعونى .
‏‏أسعار : (هذا تقرير عن شهر صفر كله )
1 ـ ( وفي هذا الشهر‏:‏ ارتفع سعر اللحم ، وقلَّ وجوده في الأسواق‏. وارتفع سعر الأجبان ، وعدة أصناف من المأكولات ، مع رخاء سعر الغلال‏.)
2 ـ ( وفيه طرح من شون السلطان عشرة آلاف أردب من الفول على أصحاب البساتين والمعاصر وغيرها من الدواليب ، بسعر مائة وخمسة وسبعين درهماً من الفلوس كل أردب‏. ) . يعنى إلزامهم بالسعر المفروض من قبل السلطان .
3 ـ ( ورسم ألا يحمي أحد ممن له جاه ، فلم يعمل بذلك‏. ونجا من الطرح من له جاه ، وابتلي به من عداهم‏. فنزل بالناس منه خسارات متعددة، لا من زيادة السعر، بل من كثرة الكُلف. ) . منع الأمراء من الاحتكار تم تطبيقه على صغار كبار المجرمين فقط دون الكبار منهم . وتحمّل الظلم المستضعفون في الأرض . طوبى لهم .!!
شهر ربيع الأول أوله الثلاثاء‏:
وظائف أكابر المجرمين
1 ـ ( فيه خُلع على سعد الدين إبراهيم ناظر الخاص جبة‏. واستقر على عادته‏. ) ألبسه السلطة خلعة الوظيفة ، وهى ( جبّة ).
2 ( وخلع على أخيه جمال الدين يوسف واستقر في الوزارة‏. وكانت منذ تغيب أمين الدين إبراهيم بن الهيصم وسعد الدين ناظر الخاص يباشرها ويسدد أمورها من غير لبس تشريف ، فغرم فيها جملة مال لعجز جهاتها عن مصارفها . ) ( ‏وضبط الوزير أمور الدولة ونفذ أحوالها بقوة‏. وقطع عدة مرتبات من لحم ودراهم‏. ولم يفرج لأحد من أرباب الجهات عن شيء له عليه مقرر ، فهابه الناس ، وطلبت الغلال للبذر فارتفع السعر قليلاً‏. ). لا يجرؤ على قطع مرتبات المماليك الجلبان . يقطع فقط مرتبات الموظفين المدنيين في الوظائف الديوانية والدينية .
3 ـ ( وخلع أيضاً على ابن قطارة واستقر في نظر الدولة‏. ).
4 ـ إفراج من السجن بدفع غرامة مقدمها 20 ألف دينار : ( وفي يوم الثلاثاء ثامن عشرينه‏:‏ أفرج عن الصاحب كريم الدين من ترسيم التاج فسار إلى داره بعد ما حمل نحو عشرين ألف دينار ، وضمنه فيما بقي جماعة من الأعيان. )
احتكار‏
( وطرحت من الغلال على الناس ما بلغت جملته بما تقدم ذكره ثمانية عشر ألف أردب فولاً وثمانية آلاف أردب قمحاً فنزل بالناس في هذا الشهر شدائد‏. ) . على الناس أن يشتروا بالسعر الذى يحدده سلفا أكبر أكابر المجرمين . وهو الذى يقيم دعائم الدين السُّنّى ، ومنه المولد النبوى ، وهذا في الخبر التالى :
‏المولد النبوى
( وفي ليلة الجمعة رابعه‏:‏ عمل المولد النبوي بين يدي السلطان بقلعة الجبل على العادة.)
عمارة الكعبة
( وفي هذا الشهر‏:‏ انتهت عمارة سقف الكعبة - شرفها الله تعالى - على يد سودن المحمدي ، وشرع في هدم المنارة التي على باب اليمني من المسجد الحرام ، فهدمت وبنيت بناء عالياً‏. )
تعليق
إسلاميا لا تقديس لبناء الكعبة ، هي أحجار ، ولا تقديس للبشر أو الحجر في الإسلام . وقد سقط بناء الكعبة مرارا وتم بناؤها وتجديدها مرارا . الكعبة بناء يحدد موقعا مُختارا من رب العزة ، وقد بُنى فيه البيت العتيق أول بيت وُضع للناس ، مذ كان هناك ناس . وحدّد رب العزة مانه لابراهيم وأمره برفع دعائمه . في الطواف حول الكعبة يحرم لمسها . هذا في الإسلام ، أما في أديان المحمديين فهم يعبدون ما ينحتون .!

عصام الخفاجي مناضل واكاديمي وباحث يساري في حوار حول دور وافاق اليسار والديمقراطية في العالم العربي
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي