م 5 / ف 15 الحياة في ظل تطبيق الشريعة السنية عام 837

أحمد صبحى منصور
2021 / 6 / 30

قراءة في تاريخ السلوك للمقريزى / المقريزى شاهدا على العصر
قال المقريزى في التأريخ لسنة 837
‏تابع شهر شوال
خراب بغداد على يد أصبهان بن قرا يوسف
( وقدم قاصد من بغداد كان قد توجه لكشف الأخبار، فأخبر أن أصبهان بن قرا يوسف لما أخذ بغداد من أخيه شاه محمد بن قرا يوسف أساء السيرة ، بحيث أنه أخرج جميع من ببغداد من الناس بعيالاتهم ، وأخذ كل مالهم من جليل وحقير، فتشتتوا بنسائهم وأولادهم في نواحي الدنيا ، وصارت بغداد وليس بها سوى ألف رجل من جند أصبهان لا غير‏. وليس بها إلا ثلاثة أفران تخبز الخبز فقط ، ولم يبق بها سكان ولا أسواق‏.)
خراب الموصل على يد أصفهان بن قرا يوسف :
( وأنه أخرب الموصل حتى صارت يبابا ، فإنه سلب نعم أهلها ، وأمر بهم فأخرجوا وتمزقوا في البلاد‏ ، واستولت عليها العربان ، فصارت الموصل منازل العرب ، بعد التمدن الذي بلغ الغاية في الترف‏. )
خراب مدينة مشهد الإيرانية على يد أصفهان بن قرا يوسف :
( وأنه أخذ أموال أهل المشهد ، وأزال نعمهم ، فتشتتوا بعيالهم‏. وصار من أهل هذه البلاد إلى الشام ومصر خلائق لا تعد ولا تحصى‏.)
تعليق
1 ـ تعبيرا عن الغيظ نقترح تبديل حرف القاف بحرف الخاء في ( قرا ).
2 ـ أصفهان كان الأسوأ منه أخوه اسكندر بن قرا يوسف .
3 ـ هما معا من أسوأ وأردأ أنواع الحكام في هذا العصر . هم نوع هابط ورخيص من المستبد الجاهل الأحمق ، ورثوا الحكم ، فتصرفوا بمنطق قُطّاع الطُّرُق ، في تعاملهم مع بعضهم ، ومع السكان المستضعفين في الأرض . عليهم وعلى كل الظالمين لعنة الله جل وعلا والملائكة والناس أجمعين .
‏أوامر من برسباى الى ملك المغرب ، وملك المغرب يسمع ويطيع . لماذا ؟
( وفيه قدم جنيد - أحد أمراء أخورية - وقد توجه إلى أبي فارس عبد العزيز ملك المغرب ، وعلى يده كتاب السلطان بمنع التجار من حمل الثياب المغربية المحشاة بالحرير من ملابس النساء ، وأن يلزمهم بقود الخيول بدل ذلك‏. فوجده متوجها من بجاية إلى فاس فأكرمه ، ونادى بذلك في عمله ، وأجاب عن الكتاب‏. وبعث بهدية ، هي ثلاثون فرساً ، منها خمسة مسرجة ملجمة ، ونحو مائتين وخمسين بعيراً. وقدم صحبة جنيد ركب في نحو ألف بعير يريدون الحج‏. ) .
تعليق
برسباى يريد فرض الاحتكار لصالحه حتى في المغرب ، وملك المغرب يسمع ويطيع لأن حجّاج المغرب يأتون للقاهرة ليكونوا في حماية محمل الحج المملوكى .
برسباى يهدد المنجمين
( وفي يوم الاثنين تاسع عشرينه‏:‏ كسفت الشمس في آخر الساعة الرابعة ، فتغير لونها تغيراً يسيراً ،ولم يشعر بها أكثر الناس ، ولا اجتمعوا للصلاة بالجوامع على العادة ، لقلة الشعور بذلك‏. ثم انجلى الكسوف سريعاً‏. وكان بعض من يزعم علم النجوم لقلة درايته وكثرة جرأته قد أرجف قبل ذلك بأيام ، وشنع بأمر الكسوف ، وما يدل عليه ، حتى اشتهر إرجافه وتشنيعه ، وداخل بعض الناس الوهم‏. فلما لم يكن من أمر الكسوف كبير شيء طلب السلطان طائفة ممن ينتحل هذا الفن من أهل التقويم ، وأنكر عليهم وهدّدهم‏. )
تعليق
1 ـ في عصر كان يعتقد في اساطير الكرامات لا بد أن يشيع الايمان بالتنجيم ، يدل على هذا قول المقريزى : ( وشنع بأمر الكسوف ، وما يدل عليه ، حتى اشتهر إرجافه وتشنيعه ، وداخل بعض الناس الوهم‏. ) . وكان يتم استغلال هذا سياسيا ، وقد شرحناه في موسوعة التصوف في أثر التصوف السياسى . وخوفا من تأثير هذا على سلطانه سارع برسباى بتهديد المنجمين .
2 ـ أكثر الناس ظلما هو أشدهم خوفا ورُعبا . المستبد الظالم ــ أكبر أكابر المجرمين ــ هو أكثر الناس رعبا وخوفا .
قطع المرتبات
( وفي هذه الأيام‏:‏ قطعت أيضاً عدة مرتبات للناس من ديوان السلطان ، ما بين عليق لخيولهم ، ومبلغ دراهم في كل شهر‏.)
ارتفاع طفيف في الأسعار
( وفيها ارتفع سعر الغلال قليلاً ؛ فكان القمح من مائة وخمسين درهماً الأردب إلى ما دونها ، فبلغ مائة وسبعين مع كثرته، لزكاة ( أي زيادة إنتاج ) الغلال وقت الدراس، ورخاء بلاد الشام والحجاز‏.).
المجاهدون في البحر يدمرون سفنا إيطالية أصحابها تُجّار مُسالمون
( وفيها ظفر المجردون ( المجاهدون ) في البحر على بيروت بغراب ( سفينة ) للبنادقة ، فيه صناديق مرجان ونقد وغير ذلك‏. وظفروا بمركب آخر للجنويين على طرابلس ، فيه بضائع ، فأًحرقوه بما فيه ، وأسروا ــ سوى من غرق ــ بضعاً وعشرين رجلاً‏.‏ وقتل من المماليك المجردين سبعة ، فلم يُحمد هذا من فعلهم. وذلك أن البنادقة والجنوية مسالمون المسلمين‏.)
طبقا لشريعتهم السنية والمعلوم منها بالضرورة فلا مانع من سلب تُجّار مُسالمين وقتل بعضهم ، مع أنهم أتوا محتمين بأمان من السلطان ، وإلا ما جاءوا . هذا يذكرنا بالشريعة السنّية التي تجعل المتطرفين يقتلون السُّيّاح المسالمين غدرا ، ويستبيحون دماءهم بكل نذالة ، ويعتبرون ذلك جواز دخولهم للجنة والاستمتاع بالحور العين بزعمهم .
شهر ذي القعدة أوله الأربعاء‏:
الحج
( فيه توجه الأمير جقمق أمير سلاح إلى مكة حاجاً ، وسار معه كثير ممن قدم من المغاربة.)
شهر ذي الحجة‏:‏ أهل بيوم الخميس :
ارتفاع الأسعار بسبب إشاعات كاذبة عن نقصان النيل
( وسعر القمح قد ارتفع إلى مائتي درهم ، والفول إلى مائتي درهم أيضاً‏. والشعير إلى مائة وسبعين ، لتكالب الناس على شرائه ، مع استمرار زيادة النيل من غير توقف‏. لكنها عوائد سوء ــ قد ألفوها منذ هذه الحوادث والمحن ــ أن يكثر إرجاف المرجفين بتوقف النيل رغبة في بيع الغلال بأغلى الأثمان ، فيأخذ كل أحد في شرائها ، ويمسك أربابها ما بأيديهم منها ، لا سيما أهل الدولة، فيرتفع لذلك سعرها‏. )
نستعيد عبارة المقريزى : ( لكنها عوائد سوء ــ قد ألفوها منذ هذه الحوادث والمحن ــ أن يكثر إرجاف المرجفين بتوقف النيل رغبة في بيع الغلال بأغلى الأثمان ، فيأخذ كل أحد في شرائها ، ويمسك أربابها ما بأيديهم منها ، لا سيما أهل الدولة، فيرتفع لذلك سعرها‏ ). الناس على دين ملوكهم ، نتحدث عن الأثرياء والميسورين ، وليس عن المستضعفين المساكين . برسباى كان مثلهم في الجشع والاحتكار ، ساروا على سُنّته ، وأصبح هذا معلوما من دينهم بالضرورة .!
أخبار النيل
1 ـ ( وفي ثالث عشره‏:‏ ابتدئ بالنداء على النيل بزيادته ، وقد أخذت القاعدة فكانت خمسة أذرع واثنين وعشرين إصبعاً . والنداء بزيادة ثلاثة أصابع‏. )
2 ـ ( وفي يوم الأحد ثامن عشره‏:‏ نودي بزيادة ماء النيل اثني عشر إصبعاً لتتمة ثلاثة عشر ذراعاً واثنتين وعشرين إصبعاً‏. ووافق هذا اليوم أول مسرى‏. وهذا القدر مما يستكثر من الزيادة في هذا الوقت ، ويؤذن بعلو النيل وكثرة زيادته، إن شاء الله تعالى‏. )
3 ـ ( وفي يوم السبت رابع عشرينه - وسابع مسرى -‏:‏ نودي بزيادة عشر أصابع لتتمة ستة عشرة ذراعاً ، وهي التي يقال لها أذرع الوفاء ، وزيادة أربعة أصابع من سبعة عشر ذراعاً. ويعد هذا من الأنيال ( التواريخ ) الكبار. وفيه نادرتان : إحداهما زيادة عشر أصابع في يوم الوفاء ، وقل ما يقع ذلك اليوم من ذي الحجة‏:‏ ولا أذكر أني أدركت مثل ذلك‏. والنادرة الثانية وفاء النيل في هذا العام مرتين ، أحدهما في ثانى المحرم كما تقدم . والأخرى هذا اليوم من ذي الحجة . ولا أذكر أنى أدركت مثل ذلك . ونادرة ثالثة أدركنا مثلها مراراً ، وهي الوفاء في سابع مسرى ، بل أدركنا وفاه قبل ذلك من أيام مسرى . إلا أن ذلك قل ما وجد في الأنيال القديمة‏. )
4 ـ ( وفيه ركب المقام الجمالي يوسف ابن السلطان ، حتى خُلّق عمود المقياس بين يديه، ثم فتح الخليج على العادة ، فكان يوماً مشهوداً‏. )
5 ـ ( وفي غده نودي على النيل بزيادة ثمانية أصابع لتتمة ستة عشر ذراعاً ونصف ذراع‏. ثم نودي من الغد بزيادة خمسة عشر إصبعاً لتتمة سبعة عشر ذراعا وثلاثة أصابع. وهذه الزيادة بعد الوفاء من النوادر أيضاً‏. فالله يحسن العاقبة‏. ).
تعليق
1 ـ المقريزى يعبّر عن القلق المصرى المرتبط بالنيل .
2 ـ المصريون الآن في غيبوبة ، النيل ـ مجرى حياتهم ـ مهدد بالجفاف ، وهم لا يشعرون وربما لا يأبهون .!! ماذا لو عاش المقريزى عصرنا هذا ؟
سلامة الحجاج
( وفي سادس عشرينه‏:‏ قدم مبشرو الحاج وأخبروا بسلامتهم‏. وهذا أيضاً مما يندر وقوعه‏. ). الأمن كان عُملة نادرة في حكم العسكر المملوكى ، ولا يزال عُملة نادرة في حكم العسكر المصرى الراهن .
انتقام الفرنجة
( وفي هذه السنة‏:‏ أخذ أفرنج ثماني عشرة مركباً من سواحل الشام ، فيها من البضائع ما يجل وصفه ، وقتلوا عدة ممن كان بها من المسلمين وأسروا باقيهم‏. )
هنا نتذكر ما قاله المقريزى في أحداث شهر شوال : ( وفيها ظفر المجردون ( المتطوعون للجهاد ) في البحر على بيروت بغراب للبنادقة ، فيه صناديق مرجان ونقد وغير ذلك‏. وظفروا بمركب آخر للجنويين على طرابلس ، فيه بضائع ، فأًحرقوه بما فيه ، وأسروا ــ سوى من غرق ــ بضعاً وعشرين رجلاً‏.‏ وقتل من المماليك المجردين سبعة ، فلم يحمد هذا من فعلهم. وذلك أن البنادقة والجنوية مسالمون المسلمين‏.)
اسطورة مضحكة
( وفيها طلق رجل من بني مهدي بأرض البلقاء امرأته وهي حامل، فنكحها رجل غيره ، ثم فارقها فنكحها رجل ثالث. فولدت عنده ضفدعاً في قدر الطفل ، فأخذوه ودفنوه خوف العار. )
تعليق
كانت تشيع مثل هذه الأساطير ، وتتم نسبتها لأشخاص مجهولين ، ويكون ختم الأسطورة بموت البطل في الأسطورة حتى لا يمكن التحقق من صدق الواقعة . ومع هذا كانت تلك الأساطير تحظى بالتصديق ، ويذكرها المؤرخون على أنها أحداث حقيقية .
2 ـ لماذا ؟ كان العصر المملوكى مستعدا للإيمان بأى شيء ، ومجرد أن تشيع اسطورة فيسارع الناس بتداولها وتصديقها . الأساس أن الناس في هذا العصر كانوا يؤمنون بأساطير الكرامات للأولياء الصوفية مهما بلغ حُمقها وتفاهتها ، بل كانوا يؤمنون بكرامات الجمادات والنباتات ، وفصّلنا هذا في الجزء الأول من موسوعة التصوف عن العقائد الدينية في مصر المملوكية .

نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية