م 4 / ف 15 الحياة في ظل تطبيق الشريعة السنية عام 837

أحمد صبحى منصور
2021 / 6 / 28

قراءة في تاريخ السلوك للمقريزى / المقريزى شاهدا على العصر
قال المقريزى في التأريخ لسنة 837
تابع شهر شعبان
حفل ختان ابن برسباى ، والمقريزى يؤلف كتابا بهذه المناسبة
( وفي تاسع عشره‏:‏ ختن السلطان ولده المقام الجمالي يوسف وأمه أم ولد اسمها جلبان جركسية ، وختن معه نحو الأربعين صبياً بعد ما كساهم‏. وقدم له المباشرون ذهباً وحلاوات ، فعمل مُهمّا ( حفلا ) للرجال وللنساء ، أكلوا فيه وشربوا‏.‏ وكتبتُ عند ذلك كتاباً سميته : ( الأخبار عن الأعذار ) وما جاء فيه من الأخبار والآثار وما لأئمة الإسلام فيه من الأحكام ، وما فعله الخلفاء والملوك‏ ، وفيه من المآثر الجسام والأمور العظام ، لم أُسبق بمثله ، فيما علمت‏. )
‏تعليق
ماذا أيها المقريزى عن أطفال المستضعفين المعذبين في الأرض والذين لا يجد آباؤهم ما ينفقون ؟ طبعا هناك فارق بين أطفال أكابر المجرمين الأسياد وبين أطفال الفلاحين الحُفاة . لا يزال الفارق ماثلا في مصر اليوم ، بين الأسياد ومن يسمونه تفضّلا بالمواطن العادى الذى يتعرض قفاه للصفع بمناسبة أو بدونها !.
الجزية القبرصية
( وفيه قدم الحمل من قبرس على العادة في البحر في كل سنة‏. )
وباء في مكة
( وفي هذا الشهر‏:‏ اشتد الوباء بمكة وأوديتها ، حتى بلغ بمكْة في اليوم عدة من يموت خمسين ما بين رجل وامرأة‏. )‏
شهر رمضان أوله السبت‏:‏
الكاتيلان الفرنجة ينتقمون من إحتكار برسباى بالقرصنة
( في ثامنه‏:‏ ورد الخبر من دمياط بأخذ الكيتلان من الفرنج خمس مراكب من ساحل بيروت فيها بضائع كثيرة ورجال عديدة‏. وبعث ملكهم إلى والي دمياط كتاباً ليوصله إلى السلطان ، يتضمن جفاء ومخاشنة في المخاطبة ، بسبب إلزام الفرنج أن يشتروا الفلفل المعد للمتجر السلطاني فغضب السلطان لما قرئ عليه ومزقه‏. ).
‏بمناسبة رمضان : قطع المرتبات المالية والعينية : مصادرة من نوع آخر
( وفي هذه الأيام‏:‏ قطع عدة مرتبات للناس على الديوان المفرد وعلى الاصطبل السلطاني وعلى ديوان الوزارة‏. وذلك ما بين نقد فى كل شهر ولحم في كل يوم وقمح في كل سنة‏. فاغتمّ لذلك كثير من الناس . وكانت العادة أن تكثر الصدقات والهبات في شهر رمضان ، فاقتضى الحال قطع الأرزاق لضيق حال الدولة‏. )
تجريدة بحرية للانتقام من الفرنجة
( وفيها عينت تجريدة في النيل لتركب بحر الملح من دمياط وتجول فيما هنالك ، عسى تنكف عادية الفرنج ويقل عبثهم وفسادهم‏. ).
تعليق
يتناسى المقريزى أن المماليك والفرنجة يتبادلون الهجوم ، ويمارس كل منهما القرصنة على الآخر . ويعتبر المماليك قرصنتهم جهادا ، ونفس الحال مع الفرنجة . المقصد هو المال ، معبودهم الأعظم .!
عودة الفتن بين المماليك وأصحاب قرا يلك ( داخل معسكر السلام .)
( وفي ثاني عشرينه‏:‏ دخل الأمير قرقماس إلى حلب‏. فما كاد أن يستقر بها حتى ورد الخير بوقعة كانت بين الأمير أينال الأجرود نائب الرها وبين أصحاب قرا يلك انهزم فيها‏. فأخذ في أهبة السفر إلى الرها‏. ).
قرايلك عدو للسلطان برسباى ، وله معه جولات آتية . إمارة قرايلك ( جنوب تركيا الآن ) كانت على تخوم الدولة المملوكية .
تناقص الوباء في مكة
( وفي هذا الشهر‏:‏ تناقص الوباء بمكة‏. )
شهر شوال أوله الاثنين‏:
( وأتفق في الهلال ما لم يذكر مثله ، وهو أن أرباب تقويم الكواكب اقتضى حسابهم أن هلال شهر رمضان في ليلة السبت يكون مع جرم الشمس فلا يمكن رؤيته‏. فلما غربت الشمس تراءى السلطان بمماليكه من فوق القلعة الهلال ، وتراءاه الناس من أعلى الموادن ( المآذن ) والأسطحة بالقاهرة ومصر وما بينهما وما خرج عنهما ، وهم ميون ( مئات ) ألوف ، فلم ير أحد منهم الهلال ، فانفضوا وقد أظلم الليل‏. وإذا برجل ممن يتكسب في حوانيت الشهود بتحمل الشهادة جاء إلى قاضي القضاة الشافعي وشهد بأنه رأى الهلال فأمر أن يرفع للسلطان‏. فلما مثل بين يديه ثبت وصمم على رؤيته الهلال‏ ، وكان حنبلياً ، وهو من أقارب نديم السلطان ولي الدين بن قاسم ، فبالغ في الثناء عليه عند السلطان ، فأمر بإثبات الهلال ، فأثبت بعض نواب قاضي القضاة الحنبلي بشاهدة ( أي بشهادة ) هذا الشاهد أول رمضان ، ونودي في الليل بصوم الناس من الغد بأنه من رمضان‏. فاصبح الناس صائمين ، وألسنتهم تلهج بالوقيعة في القضاة والشهود ، وتمادوا على ذلك ، فتوالت الكتب من جميع أرض مصر قبليها وبحريها ومن البلاد الشامية وغيرها‏ ، بأنهم تراءوا الهلال ليلة السبت، فلم يروه ، وأنهم صاموا يوم الأحد‏. فلما كان ليلة الاثنين التي يزعم الناس أنها أول ليلة من شوال تراءى الناس الهلال من القلعة وبالقاهرة ومصر وما بينهما وحولهما فلم يروه ، فجاء بعض نواب القضاة وزعم أنه رآه ، وأنه شهد عنده برؤيته من أَثبت بشهادته أن هلال شوال غدا يوم الاثنين. فكانت حادثة لم ندرك قبلها مثلها ، وهي أن الهلال بعد الكمال عدة ثلاثين يوماً لا يراه الجم الغفير الذي لا يحصى عددهم إلا خالقهم ، مع توفر دواعيهم على أن يروه ، وقد خلت السماء من الغيم‏. وجرت العادة باًن يتساوى الناس في رؤيته. وأوجب ذلك تزايد الوقيعة في القضاء ، بل وفي سائر الفقهاء ، حتى لقد أنشدني بعضهم لمحمود الوراق‏:‏
كنا نَفِر من الولاة الجائرين إلى القضاة
فالآن نحن نفر من جور القضاة إلى الولاة. )
تعليق
1 ـ في كل مرة يتنقد المقريزى القُضاة والفقهاء ، ويجعلهم أكثر ظلما من المماليك.
2 ـ أدمنوا شهادة الزور ، وتعدى هذا الى رؤية الهلال . إذ تمسكوا بحديث زور مشهور يقول : ( صوموا لرؤيته ) وهو زور لا يزال مرفوع الرأس لدى المحمديين حتى اليوم ، وقد كتبنا في هذا من قبل ، نؤكد أن حساب الشهور بالتقويم الفلكى ، فالشمس والقمر بحسبان. قال جل وعلا : (الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (5) الرحمن ) (فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَاناً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (96) الانعام ) ( هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (5) يونس ) ( وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً (12) الاسراء ).
3 ـ كان يحدث التلاعب في رؤية رمضان والعيدين لأغراض سياسية أيضا ، إذ ساد إعتقاد بأن مجىء العيد يوم جمعة وبما يعنى وجود خطبتين فهذا يعنى سقوط السلطان القائم ومجىء سلطان جديد . لذا تقرّب الفقهاء والقضاة بتزوير رؤية الهلال حتى لا يأتي عيد الفطر أو عيد الأضحى يوم جمعة . ونفس التزوير والتدليس لا يزال سائدا مرفوع الرأس و ( الاست ).!
4 ـ إنهم ضمن شرُّ الدواب عند الله جل وعلا ، قال جل وعلا : ( إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ (22) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (23) الانفال ) ( إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (55) الانفال ). (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (6) البينة ). شرُّ البرية ، شرُّ الدواب يتمتعون بالتقديس في الأديان الأرضية الشيطانية .!
‏تحركات عسكرية مملوكية :
1 ـ تجريدة مملوكية نهرية في النيل
( وفي ثامنه‏:‏ سارت التجريدة في النيل ، وهي مائتا مملوك من المماليك السلطانية ومائة من مماليك الأمراء‏ ، وعليهم ثلاثة أمراء من أمراء العشرات ، بعد ما أنفق في كل مملوك ألف وخمسمائة درهم فلوساً عنها خمسة دنانير وكسر‏. ) .
ترتب عليها اعتقال شيخ الأعراب من لواته وتوسيطه ، فقد قال المقريزى : ( وفي يوم الأربعاء ثالثه‏:‏ وُسّط الأمير علم الدين حذيفة بن الأمير نور الدين علي بن نصير الدين ، شيخ لواته خارج القاهرة‏. )
2 ـ تحركات فى أقصى حدود الدولة شرقا ضد قرايلك :
2 / 1 : ( وفيه برز الأمير قرقماس نائب حلب إلى الرها‏. )‏
2 / 2 : ترتب عليها ما جاء في الخبر التالى ، يقول المقريزى : ( وفي ثامن عشره‏:‏ قدم الخبر بوقعة أينال الأجرود المذكورة ، وهي أن بعض من معه من أمراء حلب صادف بين بساتين الرها طائفة من التركمان ، وهو يسير خيله فقاتلهم وهزمهم‏. فلما بلغ ذلك أينال خرج من مدينة الرها نجدة له، فخرجت عليه ثلاث كمائن فكانت بينه وبينهم وقعة ، قُتل فيها من الفريقين عدة‏. ولحق أينال بالمدينة ، فوقع العزم على سفر السلطان‏. وكتب إلى بلاد الشام بتعبئة الإقامات من الشعير ونحوه‏. ) ( وكتب إلى البلاد الشامية بخروج نواب المماليك للحاق بالأمير قرقماس نائب حلب‏. ثم أبطل ذلك‏:‏ وكتب بمنعهم من المسير حتى يصح لهم نزول قرا يلك على الرها بجمائعه ( أي بجموعه ) وبيوته‏ ، فإذا صح لهم ذلك ساروا لقتاله‏. )
خروج محمل الحج
( وفي عشرينه‏:‏ خرج محمل الحاج صحبة الأمير قرا سنقر إلى بركة الحاج ، وصحبته كسوة الكعبة علىْ العادة‏. )
لحوق الحجاج من المغرب وبلاد التكرور بالمحمل
( وقد قدم من بلاد المغرب ومن التكرور ومن الإسكندرية وأعمال مصر حاج كثير، فتلاحقوا بالمحمل شيئاً بعد شيء‏. ثم استقل الركب الأول بالمسير من البركة في ثاني عشرينه‏. ورحل الأمير قرا سنقر بالمحمل وبقية الحاج في ثالث عشرينه‏. )
وظائف أكابر المجرمين

نائب السلطان في الإسكندرية يصبح بالرشوة الحاجب الذى يقف على باب النائب .!!
( وفيه أيضاً كتب باستقرار خليل بن شاهين ناظر الإسكندرية وحاجبها في نيابة الثغر مع النظر والحجوبية‏. وكان قد بعث بثلاثة آلاف دينار، ووعد بحمل مثلها ، وسأل في ذلك فأجيب إليه‏. ولم ندرك مثل ذلك ، وهو أن يكون النائب حاجباً . فإن موضع الحاجب الوقوف بين يدي النائب والتصرف بأمره . هي الأيام كلها قد صرن عجائب ، حتى ليس فيها عجائب. ).
تعليق
1 ـ خليل بن شاهين عرف أثر المال السحرى في الوصول الى المناصب ، فتقلّب فيها ، بلا استحقاق ، سوى قدرته على الرشوة .
2 ـ بالمال كان يمكن شراء أي منصب في عصر برسباى ، وفى عصر الفرعون الحالي لمصر .
3 ـ خايل بن شاهين كان نائب السلطان على الإسكندرية فاشترى منصب الحاجب أيضا ليكون حاجبا على نفسه ، وهذا لكى يجمع أكبر قدر من الأموال ، فالحاجب هو الواقف على باب الأمير ليبتزّ الأموال من أصحاب الحاجات .
4 ـ يقول المقريزى متعجبا : ( هي الأيام كلها قد صرن عجائب، حتى ليس فيها عجائب. ).. فماذا نقول عن أعاجيب عصرنا الردىء ؟ حيث يوضع الأحرار في السجون ، ويُجبر العباقرة على الهجرة والنفى ، ويصبح المجرمون اللصوص أراذل الناس هم أسياد البلد .!! ويتربع على قمة السُّلطة معتوه .!!

نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية