مصر 2021م: خطورة تفجير التناقضات الميتة، ولصالح من!

حاتم الجوهرى
2021 / 6 / 25

أعتقد أن طريق مصر للمستقبل الحقيقي يقوم على فكرة "استعادة القيم المشتركة"، وتجاوز الاستقطابات التاريخية بكل ما تحمله من آلام أو جراح لأطراف مختلفة.
وأننا أمام لحظة مفصلية مهمة ومركزية، قادرة على "استعادة الذات العربية" ووضعها في الصدارة مجددا عبر خطاب جديد، يتجاوز الاستقطابات التاريخية، والتراتبات الاجتماعية التي نشأت عنها كذلك.
لذا كان من اليسير أن ألاحظ ظهور عدة متغيرات تعمل في عكس الاتجاه للمستقبل الآونة الأخيرة، خاصة ونحن في مرحلة حرجة للغاية من التعامل مع ملف "سد النهضة"، وما يفرضه من تحديات دولية وإقليمية تتطلب لحمة الجبهة الداخلية ومتانتها، وفق مفاهيم "الأمن القومي" المعمول بها في كل العالم.
في البداية كان موضوع قرار محكمة النقض يوم 14 من الشهر الجاري بالإعلان عن تأييد حكم الإعدام تجاه مجموعة من المنتمين لتنظيم "الإخوان" في قضية "تدبير اعتصام رابعة"، بما شمله الحكم من أفراد ضمت: محمد البلتاجي و صفوت حجازي، وغيرهم.
كان التوقيت غريبا بعض الشئ!!
مصر تتحرك على المستوى الدولي في كافة المحافل لبيان موقفها العادل من الإدارة الأثيوبية المستفزة لملف سد النهضة، وفي الوقت نفسه تحاول الإدارة السياسية الحالية إعادة اكتشاف تحالفاتها الإقليمية والدولية، لتخرج من عباءة الفترة التاريخية القديمة للصراع مع الإخوان، وتعيد بناء العلاقة مع "مستودع هويتها" وما يتطلبه من مستلزمات، وفق تعريفها لمحددات الأمن القومي من جديد.
وربما لم يكن من الحكمة الإعلان عن هذا الحكم في القضية المستمرة منذ سنوات في هذا التاريخ تحديدا، لكن الموضوع ما كان ليصبح ملفتا سوى أنه بعد ذلك، وفي اليوم التالي مباشرة 15 من الشهر الجاري، خرجت وسائل الإعلام المتعددة تنقل مشهدا مصورا للداعية السلفي الشهير "محمد حسين يعقوب"، يدلي بشهادته من على كرسي متحرك فيما عُرف بقضية "خلية داعش- امبابة"، حيث بدا الأمر وكأنه محاكمة فكرية عن علاقة الداعية السلفي بأفكار المتهمين في القضية، ومن ثم محاولته نفي تهمة أن يكون مصدرا لفكر الخروج على المجتمع والقتل باسم الدين!
والحقيقة أنني توقعت أن أثر ظهور الداعية السلفي على المستوى الشعبي، سيكون أشد من خبر تأييد محكمة النقض لحكم الإعدام تجاه المنتمين لجماعة الإخوان، لأن الإخوان في نهاية المطاف كانوا تنظيما سريا قويا يتحرك في طبقات عميقة ومضمرة في المجتمع المصري.
لكن التيار السلفي كان تيارا صُنع على عجل في تسعينيات القرن الماضي، ليرث جمعيات "انصار السنة المحمدية" ويتلقى التمويل من السعودية رسميا، وينتشر في الأحياء شديدة الفقر في الدلتا والصعيد، وكان يحظى برعاية الدولة المصرية في حينه، لأن سقفه السياسي حينها كان يقوم على الطقوس والعبادات مع الابتعاد عن الشأن العام..
لكن مع ضيق الحال والأزمة الاجتماعية والاقتصادية في مصر تحول هذا التيار شيئا فشيئا، نحو ما عرف بـ"السلفية الجهادية" وتبنى أفكار الخروج على المجتمع بطريقة أشد قسوة من التيارات الجهادية القديمة، خاصة في فترة الاستقطابات الشديدة فيما بعد ثورة 25يناير 2011م، وموجتها الثورية الثانية 2013م وصعود الإخوان للحكم وفق تفاهمات مع البنية العميقة للدولة المصرية، ثم إزاحتهم منه بعد وصول هذه التفاهمات لطريق مسدود، ومعادلة لا يمكن أن تقبل القسمة على اثنين.
ومن 2013م وحتى 2021م جرت بالنهر مياه كثيرة، وأبرز آثار هذا الجريان كان رغبة عامة لدى الشعب المصري بتجاوز تلك المرحلة من الاستقطابات المؤلمة، والبحث عن خطاب جامع جديد يشق المسار للمستقبل في ظل ما تعرض له الوطن العربي مع صفقة القرن ودونالد ترامب، من ضغوط قاسية وعنيفة على كافة المستويات وما صاحبها من تفجير تناقضات، لتمرير الصفقة.
ثم محاولة تجاوز مخلفات الصفقة الآن فيما يحدث في فلسطين، والعدوان الصهيوني على القدس لتثبيت مكتسبات الصفقة، وكذلك سعى مصر لتجاوز مخلفات الصفقة والمؤامرة متعددة الأطراف في موضوع السد الأثيوبي.
لذا حقيقة ما يحدث الآن مثير للاستغراب بشدة؛ مصر في 2021م الآن.. من ثم لصالح من تفجير التناقضات الميتة؟ بما تمثله من خطورة في لحظة تواجه فيها مصر العالم أجمع أو كادت!
وقد تابعت ردود الفعل على الحدثين في يوم 14 و 15 من الشهر الجاري، ووجدتهما بالفعل أيقظا الكثير من التناقضات التي كانت قد ماتت، والسؤال الغريب لماذا! ومن هو صاحب المصلحة من تفجير التناقضات المصرية في هذه اللحظة الحرجة!
ولأهمية الموضوع حاولت تتبع "النمط السلوكي" لبعض ردود الأفعال المحسوبة على فرق الدين السياسي عموما، سواء منظمين أو غير منظمين، إخوان أو سلفيين، أو حتى لدى عموم الشعب المصري.
ووجدت عدة قراءات دالة؛ حيث قطاع لا بأس به من عموم المصريين آثر الإمساك عن الكلام، باعتبار ما يحدث لحظة من لحظات الفتن..
لكن المتوقع كان رد الفعل العنيف من المحسوبين على فرق الدين السياسي عموما، والسلفيين و"الجهادية السلفية" خصوصا، لأن القاعدة العريضة للتجنيد في فترة الاستقطابات السابقة كانت منهم، حيث استعاد هؤلاء الكثير من خطاب التشدد والتكفير والخروج على الدولة المصرية.
وبتتبع "النمط السلوكي" أكثر؛ وجدت بداية لتغير خطاب هؤلاء تعود لفترة عرض مسلسل "الاختيار 2" مؤخرا في شهر رمضان هذا العام، بما قدمه من رواية تنتمي لمفاهيم "الأمن السياسي" المصري، في حين كان الشعب المصري لديه رواية أكثر قوة من تلك الرواية، فهو كان قد كشف جميع الأطراف بالفعل، ويحلم فقط بتجاوز التناقضات والعبور للمستقبل.
هناك مشكلة حادة في ترتيب الأولويات وكيفية مواجهتها؛ فلابد للسياسات الخارجية أن تتفق مع السياسات الداخلية، ويجوز القول إن طريقة مواجهة المشاكل الاجتماعية/ الفكرية الموروثة في المجتمع المصري، يجب ألا تتم عن عبر إحياء العداوات الميتة والانتصار لغرور بعض الأطراف على حساب مصلحة الوطن الأعم، في لحظة خطر وجودي وقومي عظيم.
حقيقة لم أجد مبررا منطقيا واضحا لتفجير التناقضات وإعادة إنتاج الاستقطابات الميتة، كل نماذج التفسير لا تصب في صالح هذا المسار، وتشي بأن ما يوجد خلف هذا الباب هو دوامة لتبرر أمرا سيئا للغاية.
أوقفوا مبررات "التراتبات الاجتماعية" التي قامت على تفجير التناقضات، وتعميق الاستقطابات، وتحركوا في سبيل مصر الجامعة الصاعدة، التي تستعيد "المشترك القومي" عربيا، و"المشترك القيمي" داخليا، وتتصالح مع أحلام الشعوب وثوراتها العظيمة الطموحة.
أوقفوا دعاة الفتنة، وكونوا على قدر المسئولية التاريخية للعبور للمستقبل، وتجاوز تحدياته الكبرى..

عصام الخفاجي مناضل واكاديمي وباحث يساري في حوار حول دور وافاق اليسار والديمقراطية في العالم العربي
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي