م 2 / ف 15 الحياة في ظل تطبيق الشريعة السنية عام 837

أحمد صبحى منصور
2021 / 6 / 24

قراءة في تاريخ السلوك للمقريزى / المقريزى شاهدا على العصر
قال المقريزى في التأريخ لسنة 837
تابع ربيع الآخر
يومان نزهة صيد للسلطان
( وفي ثالثه سرح السلطان للصيد ، وعاد في خامسه )
برسباى يحقق بنفسه في أحوال المارستان ( المستشفى ) المنصورى قلاوون :
( وفي ثالث عشره‏:‏ ركب السلطان بعد الخدمة ، ومعه ناظر الجيش وكاتب السر والتاج الشوبكي‏. ونزل إلى المارستان المنصوري للنظر في أحواله، ليلى التحدث فيه بنفسه ، فإنه لم يول نظره أحداً بعد الأمير سودن بن عبد الرحمن‏. وأقام الطواشي صفي الدين جوهر الخازندار لما عساه يحدث من الأمور فاستمر على ذلك‏. )
تعليق
1 ـ المارستان المنصورى أشهر المستشفيات في العصر المملوكى ، أسّسه السلطان المنصور قلاوون ، ويقع في منطقة بين القصرين بالقاهرة .
2 ـ ذرية المنصور قلاوون حكمت الدولة المملوكية البحرية الى أن أسّس الظاهر برقوق الدولة المملوكية البرجية ، نسبة لأبراج القلعة ، مركز الحكم ، والتي عاش في ابراجها مماليك ذرية قلاوون ثم خلفوهم في الحكم .
شهر جمادى الأولى‏:‏ أوله الاثنين‏.
وظائف أكابر المجرمين
( في سادسه‏:‏ خلع على نظام الدين بن مفلح وأعيد إلى قضاء الحنابلة بدمشق‏. عوضاً عن عز الدين عبد العزيز البغدادي‏. )
2 ـ ( وفي ثامن عشرينه‏:‏ استقر حسين الكردي في كشف الوجه البحري عوضاً عن أقبغا الجمالي ، بعد قتله في خامس عشرينه في حرب كانت بينه وبين عرب البحيرة‏.‏ وقتل معه جماعة من مماليكه ومن العربان . )
3 ـ ( وخُلع على الوزير أستادار كريم الدين جبه بفرو سمور، ليتوجه إلى البحيرة - ومعه حسين الكردي - لعمل مصالحها ، واسترجاع ما نهبه أهلها من متاع أقبغا الجمالي‏. وكتب إليهم بالعفو عنهم ، وأن أقبغا تعدى عليهم في تحريق بيوتهم وأخذ أولادهم ، ونحو ذلك مما يطمئنهم ، عسى أن يؤخذوا بغير فتنة ولا حرب‏.‏ ).
تعليق
1 ـ لم يكن هناك خلاص من أقبغا الجمالى إلا بالقتل ، كان يحرّق بيوت الأعراب في البحيرة ويسبى أولادهم وبناتهم . فقتله الأعراب ، وهم حملة السلاح . أما الفلاحون المصريون المسالمون المستضعفون فليس هناك من يبكى عليهم .!!
2 ـ تركز إهتمام برسباى ليس على الإصلاح ، بل استرجاع ما نهبه الأعراب من متاع أقبغا الجمالى ، وكانت مهمة حسين الكردى خداع الأعراب ليسترجع منهم متاع أقبغا بدون حرب .
أمطار هدمت بيوتا في مكة وغمرت الحرم
( وفي ليلة الجمعة سادس عشرينه‏:‏ وقع بمكة المشرفة مطر غزير سالت منه الأودية وحصل منه أمر مهول على مكة ، بحيث صار الماء في المسجد الحرام مرتفعاً أربعة أذرع‏. فلما أصبح الناس يوم الجمعة ورأوا المسجد الحرام بحر ماء أزالوا عتبة باب إبراهيم ، حتى خرج الماء من المسفلة ، وبقي بالمسجد طين في سائر أرضه قدر نصف ذراع في ارتفاعه فانتدب عدة من التجار لإزالته‏. وتهدم في الليلة المذكورة دور كثيرة ، يقول المكثر زيادة على ألف دار‏. ومات تحت الردم اثنا عشر إنساناً وغرق ثمانية أنفس‏. ودلف سقف الكعبة فابتلت الكسوة التي بداخلها وامتلأت القناديل التي بها ماء‏. وحدث عقيب ذلك السيل بمكة وأوديتها وبأطرق ( أي طرقات ) من اليمن‏.‏)
شهر جمادى الآخرة‏:‏ أوله الثلاثاء‏.
( وفي ثالثه‏:‏ سار الوزير إلى البحيرة‏. ) . هو الوزير أستادار كريم الدين المبعوث من برسباى لخداع الأعراب فيها .
‏الظلم يؤدى للخراب : إحصائية تثبت ذلك
يقول المقريزى : ( فيه أحصي ما بالإسكندرية من القزازين وهم الحُيّاك ، فبلغت ثمانمائة نول ، بعد ما بلغت عدتها في أيام محمود أستادار - أعوام بضع وتسعين وسبعمائة - أربعة عشر ألف نول ونيف شتت أهلها ظلم ولاة الأمور وسوء سيرتهم‏. )
تعليق
1 ـ خلال ربع قرن تقريبا تناقصت أعداد الأنوال التي تصنع الثياب من 14 ألفا الى 800 نول فقط ، وهجر خياطون كثيرون المهنة ، بسبب الظلم والاحتكار الذى أدمنه برسباى.
2 ـ التاريخ يكرر نفسه الآن في مصر ؛ العسكر المصرى الخائن الخائب الذى يحتلُّ مصر من عام 1952 وصل به الفساد الى أن يحتكر الصناعة والتجارة لحسابه ، فأضعف الصناعة الوطنية وسبّب تهميش الطبقة الوسطى ، وتعاظم الفجوة بين أقلية الأقلية من المترفين والأغلبية الساحقة من أفقر الفقراء . وهذا الفقر المنتشر المتزايد يصاحبه نشر السجون المحلية في كل قسم شرطة ، وتكميم الأفواه ، بما يُنذر بانفجار من الداخل . ! . ونحذّر ونُنذر ، وبلا فائدة .!
لمجرد التذكير :
وعظا للجيش المصرى قبل فوات الأوان
أولا : عن الاحتكار
1 ـ لن نكتفي بالقول بأن الاحتكار حرام وأن المحتكر يجرم في حق المجتمع ومأواه جهنم وبئس المصير ، فكم تكلم الآخرون علي هذا المنوال وما ازداد الاحتكار إلا انتشارا علي انتشار. سنتحدث عن الاحتكار في فلسفة الأخلاق وأخلاق السوق .
2 ـ إن مجاوزة الاعتدال والوسطية توقع الإنسان في الرذائل ، لأن الفضيلة وسط بين رذيلتين ، ففضيلة الكرم تتوسط الإسراف والبخل ، وفضيلة الشجاعة وسط بين التهور والجبن ، فهل ينطبق هذا الميزان الأخلاقي علي رزيلة الاحتكار إذا ارتكبها أشخاص ؟
3 ـ إن الاحتكار يعني أن يتحكم شخص أو عدة أشخاص معا في سلعة معينة يحتاجها الناس والمجتمع ، فلا يستطيعون الحصول عليها إلا منهم وبالشروط والثمن الذي يحدده المحتكرون . والاحتكار بهذا يعتبر رذيلة لأنه يجافي التوسط الذي يعني حرية السوق في العرض والطلب إلا أن نقيض الاحتكار في الميزان يعتبر هو الآخر رذيلة أي فالذي يحتكر السلعة ويؤثر بها نفسه يقع في رذيلة .
4 ـ والمعروف قرآنيا ، أنه ليس من السرف أن يؤثر الإنسان علي نفسه ، فقد فعل ذلك الأنصار الفقراء حين حل بهم المهاجرون في المدينة ، وقال عنهم رب العزة جل وعلا : (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ (9) الحشر) .
5 ـ إن المحتكر شخص تملّكه الشُّح ، فاعمي بصره عن إدراك حقائق الأخلاق وحقائق السوق أيضا ، وهما ــ للعلم ــ متلازمان . إن الاحتكار أنانية تؤكد أن المحتكر لا يري إلا نفسه ولا يأبه بالآخرين ولا يتصور نفسه سيكون محتاجا لهم ، وبذلك فالمحتكر يضيف إلي صفة الأنانية والشح صفة أخري هي عدم التقدير الصحيح للأمور. وحقائق السوق أعمق من مجرد تبادل المنافع التي يصادرها الاحتكار، إن الحقيقة الكبرى في السوق هي العرض والطلب ، ولو تمكن محتكر ما من الاستحواذ علي سلعة ما فإن المنتجين سيسارعون بإنتاجها في العام التالي ، فيكثر عرضها وينتهي احتكارها . ولو تمكن المحتكر من اختزانها في مخازنه للعام التالي فإن مخزونه سيفسد وسيخسر، وإذا نجا من الفساد فإنه ـ أي المخزون ـ سيسهم في رخص الأسعار بعدة زيادة العرض وستضاف مصاريف التخزين إلي خسائر المحتكر، وذلك يؤكد أن الاحتكار لا ينجح في السوق المفتوح ذي الهواء الصحي الذي يحكمه قانون العرض والطلب.
6 ـ كل هذا عن الاحتكار الفردى في سوق مفتوحة حُرّة أمام الجميع للتنافس . وبهذه الحرية يقوم التنافس بإصلاح السوق ، طالما لا تتدخل الدولة . أمّا إذا تدخلت السلطة في السوق فاحتكرت السوق بيعا وشراء فهو الخراب بعينه ، لأنه الفساد بعينه . وهذا هو ما يحدث الآن في مصر حيث يستخدم الجيش سلطته في التربّح إحتكارا وفسادا .
ثانيا : تجربة جيلنا البائس من الطبقة الوسطى
1 ـ سياسيا : فتح جيلنا عينيه على ( ثورة 1952 ) ، ونشأ على حب عبدالناصر ثم تقديسه ، ثم فجعته النكسة وهتف فى جنازة عبدالناصر" سنبكيك الى آخر العمر يا أعظم الرجال " ، ثم نظر باستخفاف الى أنور السادات ، وامتعض من ثورة التصليح أو التصحيح ، ثم انخرط مع السادات فى حرب أكتوبر المجيدة ، ثم خرج منها يواجه التضخم والغلاء ويبحث عن شقة فى بولاق الدكرور وعين شمس والمطرية ، ودخل فى حسبة معقدة يوازن بها بين ضآلة المرتب والإحتياجات الضرورية ، لكى يعيش محترما ..
2 ـ اقتصاديا : جيلنا هو الذى أدرك في بدايته فى الخمسينات عصر النكلة والمليم .. وشهد فى بداية الستينات انقراضهما ، ثم شهد فى عصر الانفتاح انقراض التعريفة (5 مليم) ثم القرش صاغ (10 مليم) ثم ( الشلن ) (50 مليم) ثم العشرة قروش (100 مليم)، ثم ربع الجنيه ( 25 قرشا ) ثم نصف الجنيه ، ثم هو الآن على وشك أن يقيم حفل تأبين لوداع الجنيه (1000 مليم) الذى لم يعد يُسمن ولا يُغنى من جوع !!. أي إن جيلنا ـ المنكوب بحكم العسكر من عام 1952 ـ سيدخل التاريخ من أشدّ أبوابه بؤسا ، لأنه الجيل الوحيد ـ المعروف حتى الآن ـ الذى عايش ارتفاعا للإسعار، تبلغ نسبته أكثر من الألف ضعف ، ولأنه سيكون الجيل الوحيد الذى أدرك انقراض كل العملات المصرية وعجزها عن الوفاء بشراء السلع الضرورية ، وتلك كارثة .
3 ـ العجيب أن هذا يحدث مع وجود ( خبراء ) إقتصاد ، ووزارة للتخطيط ، وأجهزة معلومات ، كلها تزدحم ـ ليس بأهل الكفاءة ـ ولكن بأهل الثقة ، الذين يقولون للمستبد العسكرى ( تمام يا فندم )، ويفسدون ما شاءوا تحت شعار ( توجيهات الرئيس ) .
4 ـ لقد ظلت العملة المصرية ثابتة والأسعار مستقرة قبل ثورة العسكر 1952 ، طيلة العصر الملكى (الفاسد) فى أغلب الأوقات، والسبب ليس عبقرية فى السلطة الحاكمة، ولكنه السير التلقائى فى الطريق السليم ، وهو قانون السوق والعرض والطلب وترك الحرية للإنسان لينتج ويفكر ويعمل ، وفى النهاية فان الفلاح لن يلتهم وحده كل المحاصيل التى ينتجها ، وصاحب المصنع لن يرفض بيع انتاجه للجمهور، وإنما يصب الإنتاج كله فى البلد ، واذا حدث نقص فى سلعة ما وازداد عليها الطلب سارع المنتجون بالإتجاه لإنتاجها ، فيغمرون بها السوق وينخفض سعرها ، وهكذا يقوم السوق بإصلاح نفسه بنفسه، وما على الحكومة الا أن تقدم الخدمات وتجمع الضرائب . ذلك ما كان سائدا فى مصر والعالم قبل أن تظهر الشيوعية ، والتى ما لبثت أن اعتنقتها الثورات فى العالم الثالث ومنها مصر، لأن فلسفة العسكر هي تغيير كل شىء بكل ما لديهم من جهل ، والتدخل فى كل شىء بكل ما لديهم من حُمق ، والتحكم فى كل شىء بكل ما لديهم من عُنف . زاد هذا البلاء عمل العسكر فى الوظائف المدنية لأنهم الأكثر من ( أهل الثقة ) المتخصصين في الفساد ونهب البلاد . كان ذلك من المضحكات المبكيات ، فكيف تنفق الدولة على تعليم الضابط ليكون كفئا فى تخصصه العسكرى الميدانى ثم ينتقل بعدها ليكون مديرا لمؤسسة أو وزيرا فى وزارة أو محافظا فى مديرية أو رئيسا لمجلس مدينة ؟ إنه بحكم تكوينه العسكرى لايعرف الا طاعة الأوامر واصدارها، ثم انه ليس لديه الصبر على التعامل مع الجمهور والاستماع إلى المناقشات. أحيانا يضع الضابط التصرف فى يد موظف بيروقراطى يفهم سر المهنة ، ويكون من أهل الثقة وأهل النفاق وأهل الفساد .
5 ـ سنة 1962 كان مرتب خريج الجامعة 12 جنيها . وكان ثمن سندوتش الطعمية 5 مليمات ، وثمن كيلو اللحم 28 قرشا ، وكان يستطيع الحصول على شقة فى وسط البلد بالقاهرة . وفى 1972 وصل مرتب خريج الجامعة الى 17 جنيه ، وأصبح ثمن السندوتش 10 مليمات ، ووصل ثمن كيلو اللحم الى 70 قرشا ، ولكن كان بإمكانه أن يعيش (مستورا) فى شقة يمكنه العثور عليها بسهولة فى حدائق القبة والجيزة. ثم جاء طوفان الغلاء بعد انتصار اكتوبر واكتسح كل شىء ، ثم اصبح مرتب خريج الجامعة سنة 1992 حوالى 70 جنيها ، وثمن السندوتش 50 قرشا، وكيلو اللحمة أكثر من عشرة جنيهات ، وكان يستطيع هذا الخريج الجامعى اذا توظف أن يسكن فى شقة فى الأحياء الراقية في القاهرة بشرط ان يكون ذلك فى احلام اليقظة فحسب . من وقتها وحتى الآن ، فكل الأمور متاحة أمام خريج الجامعة المصرى ( المستقيم ) الذى لا يجد عملا خارج مصر ـ لأن يحلم فقط ، أحلام يقظة ؛ يحلم بمرتب يكفيه وشقه تؤويه وعروس تؤنسه ، إذ أن الدولة ـ مشكورة ـ لم تتدخل بعد بقوانينها وقرارتها لتتحكم فى أحلام اليقظة التى لم يعد أمام الشباب الضائع سواها.!. وبعض الشباب الضائع تمرد على أحلام اليقظة ، فلبس عمامة الدين وانطلق يدمر المعبد على من فيه . وهؤلاء لا يعلمون أنهم بهذا يطيلون حكم العسكر ، فالعسكر يحتاج الى فزّاعة يخيف بها من هم داخل مصر ومن هم خارجها .
أخيرا
لا حلّ لمصر إلا برجوع الجيش الى ثكناته ، كما أراد الرئيس الراحل محمد نجيب من قبل . لا حلّ لمصر إلا بوجود نظام مدنى ديمقراطى ليبرالى حقوقى . ونحلم ـ حُلم يقظة ـ أن يتحقق هذا سلميا بدون إراقة الدماء . لأن الدماء المُراقة سيكون معظمها من المستضعفين في الأرض ، ونحن نضع المستضعفين في قلوبنا .

عصام الخفاجي مناضل واكاديمي وباحث يساري في حوار حول دور وافاق اليسار والديمقراطية في العالم العربي
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي