م 1 / ف 15 الحياة في ظل تطبيق الشريعة السنية عام 837

أحمد صبحى منصور
2021 / 6 / 22

قراءة في تاريخ السلوك للمقريزى / المقريزى شاهدا على العصر
قال المقريزى في التأريخ لسنة 837
( عن مناصب أكابر المجرمين :
( سنة سبع وثلاثين وثمانمائة :
أهلت هذه السنة وخليفة الوقت المعتضد بالله داود‏. وسلطان الإسلام بمصر والشام والحجاز وقبرس الملك الأشرف برسباي‏. والأمير الكبير سودن من عبد الرحمن‏. وأمير سلاح أينال الجكمي‏. وأمير مجلس أقبغا التمرازي‏. ورأس نوبة الأمير تمراز القرمشي . وأمير أخور جقمق‏. والدوادار أركماس الظاهري‏. وحاجب الحجاب قرقماس‏. والوزير وأستادار كريم الدين عبد الكريم ابن كاتب المناخ‏. وكاتب السر كمال الدين محمد بن ناصر الدين محمد بن البارزي‏. وناظر الجيش القاضي زين الدين عبد الباسط ، وهو عظيم الدولة وصاحب تدبيرها‏. وناظر الخاص سعد الدين إبراهيم ابن كاتب حكم‏. وقضاة القضاة على حالهم‏. ونواب السلطنة وملوك الأطراف كما تقدم في السنة الخالية‏. )
لمحة عن تأخر وفاء النيل والقلق وارتفاع الأسعار
( والنيل قد تأخر وفاءه ( الصحيح أن يقول المقريزى : وفاؤه ) ، والناس لذلك في قلق وتخوف، وقد كثر تكالبهم على شراء الغلة ، وبلغ القمح إلى مائة وأربعين درهماً الأردب‏. على أن الذهب بمائتين وخمسة وثمانين درهماً الدينار‏. )
التفاصيل :
( شهر الله المحرم أوله الثلاثاء‏:
أخبار النيل
1 ـ زيادة النيل وفرح الناس وغيظ من قام بتخزين الغلال :
( ‏ فيه نودي على النيل برد ما نقص وزيادة ثلاثة أصابع، فعظُم سرور الناس بذلك ، وباتوا على ترجي الوفاء . فنودي من الغد - يوم الأربعاء ثانيه وسادس عشرين مسرى - بوفاء النيل ستة عشر ذراعاً وزيادة إصبعين من سبعة عشر ذراعاً ، فكاد معظم الناس يطير فرحاً‏. وغيظ ( أي إغتاظ ) من عنده غلال يتربص بها الغلاء. ففُتح الخليج على العادة‏.‏ )
2 ـ ( ووافق هذا اليوم ( 12 محرم ) أول ( شهر ) ، توت وهو نوروز أهل القبط بمصر‏. وماء النيل على سبعة عشر ذراعاً وثمانية أصابع‏. )
3 ـ أمطار صيفية نادرة مع نقصان النيل ، وبوار بعض الأراضى الزراعية بسبب فساد الجسور واهمال حفر الترع :
( وفيه ( 14 محرم ) أمطرت السماء. ولم نعهد قبله مطراً في فصل الصيف، فأشفق أهل المعرفة على النيل أن ينقص ، فإن العادة جرت بأن المطر إذا نزل في أيام الزيادة هبط ماء النيل ، فكان كذلك ، ونقص في يوم الجمعة ثامن عشره ، وقد بلغت زيادته سبعة عشر ذراعاً وثمانية عشر إصبعاً‏. وكان نقصه في هذا اليوم ستة وعشرين إصبعاً ، فشرق من أجل هذا كثير من أراضي مصر، لفساد الجسور وإهمال حفر الترع‏. ). قلقهم حول النيل جعلهم يعتقدون أن نزول المطر في أيام زيادة النيل يجعل النيل تنقص مياهه .
الحج
1 ـ قدوم مبشرون بقرب وصول الحجاج
( وفي ثالثه‏:‏ قدم مبشرو الحاج‏. )
2 ـ موت حُجّاج من شدة الحرارة : ( وفي ثاني عشرينه‏:‏ قدم سوابق الحاج‏. ونزل المحمل ببركة الحاج في غده ، وقد مات من الحاج بطريق المدينة من شدة الحر عدة كثيرة‏. )
مسيرة برسباى عائدا الى مصر من دمشق
1 ـ ( وفي ثاني عشره‏:‏ ورد الخبر بمسير السلطان من دمشق بمن معه في أوّله ، فنودي بالزينة فزين الناس الحوانيت‏. )
2 ـ ( وفيه ( 12 محرم ) قدمت أثقال كثير من العسكر‏.‏) أثقال العسكر أي المعدات الحربية .
3 ـ ( وفي رابع عشره‏:‏ قدم الأمير أيتمش الخضري من القدس، وتتابع مجيء الأثقال من أمتعة العسكر وجمالهم ، واستعد الناس للملاقاة‏.)
4 ـ ( وفيه خرج المقام الجمالى يوسف ابن السلطان لملاقاة أبيه‏.)
دخول موكب السلطان القاهرة :
( وفي يوم الأحد عشرينه‏:‏ قدم السلطان بمن معه من سفره ، ومرّ من باب النصر في القاهرة ، وقد زينت لقدومه ، فنزل بمدرسته، وصلّى بها ركعتين ، ثم ركب ، وخرج من باب زويلة إلى القلعة‏. وخلع على أرباب الدولة فكان يوماً مشهوداً‏. ).
تعليق
1 ـ أكبر أكابر المجرمين يُصلى صلاة شكر في مسجده ، والذى يحمل اسم ( المدرسة ) بسبب نشاطه التعليمى .
بالمناسبة : لا يزال مسجد برسباى قائما في القاهرة ، ليس بعيدا عن الجامع الأزهر .
2 ـ برسباى متمسك بشعائر دينه السُّنّى ، واهمها العبادة المظهرية التي تكون مسوّغا شرعيا للعصيان ، أي لا تنهى عن الفحشاء والمنكر ، بل تشجع على الفحشاء والمنكر .
3 ـ وهو ما يحرص عليه المستبد الشرقى . يتم تصويره في الصف الأول في المسجد يتصنّع الخشوع والتقوى، تحيط به أكابر عصابته من أعتى المجرمين ، يخادعون الله والذين آمنوا ، وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون . وصدق فيهم قوله جل وعلا : ( وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمْ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (10) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلا إِنَّهُمْ هُمْ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ (12) البقرة ) .
وظائف أكابر المجرمين
( وفيه خلع على الأمير تاج الدين الشوبكي وأعيد إلى ولاية القاهرة على عادته ، مع ما بيده من شد الدواوين وغيره‏. ).هذا الشوبكى هو نديم برسباى ، وقد جمع بين وظائف كثيرة .
‏شهر صفر‏:‏ أهل بيوم الخميس
النيل : نقصان وقلق وارتفاع الأسعار وتخزين الحبوب ( كالمعتاد )
( أهل بيوم الخميس. وقلق الناس متزايد ، فإن النيل تراجع نقصه حتى صار على سبعة عشر ذراعاً‏. ثم نقص تسعة أصابع ، فشره الناس في ابتياع الغلال وشحّ أربابها بها‏ ، فبلغ الأردب القمح مائة وثمانين درهماً والشعير مائة وأربعين‏. وفُقد الخبز من الأسواق عدة ليالي . )
تجميع طعام الخيول ( العليق ) وتخزينه ( الوقود العسكرى وقتها )
( وفيه ألزم السلطان الوزير الصاحب كريم الدين أستادار بحمل ما توفر من العليق بالديوان المفرد في مدة السفر ، وهو خمسون ألف أردب، وما توفر من العليق بديوان الوزارة ، وهو عشرون ألف أردب ، وبعث إلى النواحي من يتسلمها منه‏. ). بعد رجوع حملة برسباى كان تجميع علف الدواب .
‏عزل وعقاب أحد أكابر المجرمين : ( شيء معتاد )
( وفي ثاني عشرينه‏:‏ عزل داود التركماني من كشف الوجه القبلي ، وسُلّم إلى الأمير أقبغا الجمالي أستادار - كان - وقد أنعم عليه بإمرة طبلخاناه عوضاً عن تنبك المصارع‏. ) ( استادار ـ كان ـ ) يعنى الاستادار السابق الذى كان .
مناخ وكواكب
( وفي هذا الشهر‏:‏ ظهر في جهة المغرب بالعشايا كوكب الذؤابة وطوله نحو الرمحين ورأسه في قدر نجم مضيء ، ثم برق حتى تبقى ذنبه كشعب برقة الشعر، وذنبه مما يلي المشرق‏.‏
وفيه أيضاً توالت بروق ورعود وأمطار غزيرة متوالية بالوجه البحري وفي بلاد غزة والقدس‏. )
‏الصراع الحربى البحرى مع الصليبيين
( وفيه أيضاً أخذ الفرنج قريباً من طرابلس الغرب تسع مراكب تحمل رجالاً وبضائع بآلاف دنانير، وتصرفوا في ذلك بما أحبوا‏. ) . جميل هذا التعبير من المقريزى عن الفرنجة : ( وتصرفوا في ذلك بما أحبوا‏. ) ‏
شهر ربيع الأول ، أوله الجمعة‏:‏
المولد النبوى شعيرة دينية رسمية
( في ليلة الجمعة ثامنه‏:‏ عمل السلطان المولد النبوي على العادة‏. )
‏هبوط الأسعار
( وفي هذه الأيام انحل سعر الغلال لقلة طالبها‏. وكان ظن الناس خلاف ذلك‏. )
‏عقوبات سلطانية لبعض أكابر المجرمين دون أن نعرف السبب
( وفيها طلب السلطان بعض الكتاب ، فهرب منه ، فرسم بهدم داره ، فهدمت حتى سوّى بها الأرض‏. )
( وفيها أمر بإحراق معصرة بعض المماليك ، فأحرقت بالنار حتى ذهبت كلها. )
نزهة صيد للسلطان
( وفي ثاني عشره‏:‏ ركب السلطان في موكب ملوكي، وسار من قلعة الجبل ، فعبر من باب زويلة ، وخرج من باب القنطرة يريد الرماية بالجوارح لصيد الكراكي. ثم عاد في آخر رابع عشره‏. ).
‏عرض عسكرى وتجربة مدفع
( وفي خامس عشره‏:‏ نصب المدفع الذي أعد لحصار آمد ، وهو مكحلة من نحاس زنتها مائة وعشرون قنطاراً مصرياً‏. وكان نصبها فيما بين باب القرافة وباب الدرفيل . فرمت إلى جهة الجبل بعدة أحجار ، منها ما زنته خمسمائة وسبعون رطلاً‏. وقد جلس السلطان بأعلا سور القلعة لمشاهدة ذلك ، واجتمع الناس‏. واستمر الرمي بها عدة أيام‏. )
‏عزل سودون الأمير الكبير ومصادرة إقطاعه وخروجه على المعاش معتكفا في داره
( وفي تاسع عشره‏:‏ رسم أن يخرج الأمير الكبير سودن بن عبد الرحمن إلى القدس بطالاً ، فاستعفى من سفره، وسأل أن يقيم بداره بطالا ، فأجيب إلى ذلك ، ولزم داره . وأنعم بإقطاعه زيادة في الديوان المفرد‏. و لم يقرر أحد عوضه في الإمرة‏. )
مناخ : رياح وصواعق ومطر وتلف مزروعات
( وفي هذا الشهر‏:‏ ثارت رياح عاصفة بمدينة دمياط ، فتقصفت نخيل كثيرة ، وتلف كثير من قصب السكر المزروع ، وهدمت عدة دور، وخرج الناس إلى ظاهر البلد لهول ما هم فيه‏. وسقطت صاعقة فأحرقت شيئاً كثيراً ، ونزل مطر مغرق‏. ولم يكن بالقاهرة شيء من هذا‏. )
‏تنقلات في وظائف أكابر المجرمين
1 ـ ( وفي سادس عشرينه‏:‏ خلع على شمس الدين محمد بن شهاب الدين أحمد بن محمود ابن الكشك ، واستقر في قضاء الحنفية بدمشق عوضاً عن أبيه بعد وفاته ، بمال وعد به‏. ).
تعليق
1 ـ فساد القضاة خبر عادى ، نراه كثيرا بين سطور المقريزى ، وهو يذكره أحيانا معلقا عليه ، وحينا بلا تعليق . هذا القاضي للقضاة في دمشق وعد برشوة ، ولا بد أن يفى بوعده ، وسيكون ذلك من فساده قاضيا للقضاة في دمشق .
2 ـ لا ينبغي أن تذهب أنفسنا حسرات على فساد القضاة في عصر العسكر المملوكى . أشدُّ منه فسادا هو القضاة في عصر العسكر الحاكم الآن في مصر . أصبح حذاءا في قدم السيسى يركل به من يشاء من الأبرياء والأحرار المصريين الذين لا حول لهم ولا قوة ... !
2 ـ ( وفيه خلع على عبد العظيم بن صدقة الأسلمي، وأعيد إلى نظر ديوان المفرد ، عوضاً عن تاج الدين الخطير‏. وكان قد ترك ذلك تنزهاً عنه من قبل سفر السلطان إلى الشام ، ولم يباشر أحد عوضه‏. ) .
تاج الدين الخطير ( الذى كان قبطيا فاسلم ) ، هو شخصية محترمة وسط مجتمع أكابر المجرمين .
شهر ربيع الآخر أوله السبت‏:‏
وظائف أكابر المجرمين : تعيينات وتنقلات
1 ـ ( فيه خلع على دولات شاه المعزول من ولاية القاهرة ، واستقر في ولاية المنوفية والقليوبية.)
قاسى منه القاهريون العذاب ، وجاء الدور على أهل المنوفية والقليوبية ليذوقوا منه العذاب .
2 ـ ( وفي عاشره‏:‏ خلع السلطان على الأمير أينال الششماني ، واستقر في نيابة مدينة صفد ، عوضاً عن الأمير مقبل بعد وفاته‏. )
3 ـ ( واستقر خليل بن شاهين في نظر الإسكندرية عوضاً عن فخر الدين بن الصغر‏. وخليل هذا أبوه من مماليك الأمير شيخ الصفوي، وسكن القدس ، وبه وُلد له خليل هذا ، ونشأ‏. ثم قدم القاهرة من قريب واستقر حاجب الإسكندرية‏ ، ثم عُزل ، فسعى في النظر بمال حتى وليه مع الحجوبية‏. ) .
تعليق :
هو حاجب في الإسكندرية ، وقد سعى بأمواله ليفوز بوظيفة نظر الإسكندرية أيضا . وقد ذكر المقريزى هذا الخبر في أحداث شهر شوال . وسيتقلب في المناصب بين عزل وتولية ، وهو فاسد عريق .‏
4 ـ ( وفي حادي عشره‏:‏ خلع على الأمير أقبغا الجمالي ، واستقر كاشف الوجه البحري ، عوضاً عن حسن باك بن سقل سيز التركماني ، وأضيف له كشف الجسور أيضاً‏. ) .
تعليق
أقبغا الجمالى المشهور بالفساد والقسوة يتقلب في المناصب ليمارس هوايته في تعذيب الفلاحين وفى اهمال كشف الجسور والترع .

عصام الخفاجي مناضل واكاديمي وباحث يساري في حوار حول دور وافاق اليسار والديمقراطية في العالم العربي
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي