شاعر وقصيدة// واثق العبدالله، سوريا

ريتا عودة
2021 / 6 / 17

شاعر وقصيدة 🌹🌹المبدع واثق العبدالله، سوريا🌹🌹
واثق العبدالله

-1-

//فمٌ جاءَ متأخّراً//

عودي من حيثُ أتيتِ
عودي من حيثُ جئتِ
فكلّ النّساءِ اللّواتي عرفتهنّ، جئنَّ من الجّحيمْ
وكلّ النّساءِ اللّواتي أحبّبتهنّ
تقاسمنني كآخر رغيفٍ موجودْ
وشربنّ من دمي..
وكأنّما دمي نبيذٌ من الآخرةْ

ما كنتُ أعرفُ
أنّي أمشي نحو الموتْ
وأنّ جسدي سيصيرُ ساحةً
تتقاتلُ فوقها كلّ تلك الأفواهُ الجّائعةْ
وأنّني سأتشظّى..
لقمةً.. لقمةْ في تلك الأفواهْ

ما كنتُ أعرفُ..
أنّ لا نهايةً للحزنِ
وما كنتُ أعرفُ
أنَّ هذا القلب البائسَ
سيصيرُ بيدراً
تخرّبهُ العصافيرُ، ثمّ تهاجرْ

عودي من حيثُ أتيتِ
فما عاد في جسدي، حَبّةُ قمحٍ واحدةْ
ولا عاد في دمي، رشفةٌ نبيذٍ واحدةْ
لا شيء غير اليباسِ هنا
والسّنابلُ الفارغةُ..
تتلوّى في ظلّ الرّيحِ، رياءً ومفاخرةً
وترقصُ رقصَ الموتِ في أرضي
لعلَّ البركان النّائمَ يصحو

لا شيء غير السّوادِ هنا
لا شيء غير العطشِ هنا
ودمي...
صار سمّاً يفتّتُ كبدي
نبيذاً أسوّداً
يخالطهُ دمعُ الأرضِ وغبارها
ورمادُ الكثيرِ والكثيرِ من سجائري

عودي
عودي في الزّمنِ التّالي
لربّما...
لربّما أعودُ سنبلةً تكسرُ منجلْ
أو دمعةً ترقصُ
تهدي الأرضَ، جدولْ
عودي في الزّمنِ الآتي
وهاتي بيدكِ بعض البذور لنزرعَ هذا البيدرْ.

-2-
منارةٌ تُهديني طريقَ الجّائعينْ
وطريقَ الدّراويشِ المساكينْ
شامةٌ..
تتوسّطُ الصّدر
تَعلو تلالَ الياسمينْ.

-3
//إلى إلهٍ خرافيٍّ جدّاً يُدعى فينيق//

فينيقُ يافينيقْ
إنّا نصلّي إليكْ...
إنّا نتوسلُ إليكْ
ومنذُ سبعينَ عاماً نذبحُ القرابينَ بين يديكْ
أنجدنا يافينيقْ
ساعدنا يافينيقْ
منذُ سبعينَ عاماً ما تركنا العبادهْ

الكلُّ ياسيّدي الفينيقْ
سيّدٌ علينا
الكلّ ياسيّدي -مثل الحميرِ- يمتطينا
من يحملُ الهراوةَ سيّدْ
من يحملُ الدّولارَ بجيبهِ سيّدْ
من يُمسكُ رغيفنا بيدهِ سيّدْ
آهٍ ياسيّدي الفينيقْ ما أكثرَ السّادهْ

إنّنا ياسيّدي الفينيقْ
نموتُ داخلَ دورِ العبادهْ
ونموتُ خارجَ دورِ العبادهْ
نموتُ فوقَ الرّصيفِ
وفي طَوَابيرِ الخبزِ
وعلى بابِ المشفى
ونموتُ على بابِ العيادهْ

ونموتُ إذا سكتنا
نموتُ إذا تكلّمنا
نموتُ إذا شربنا القهوة حلوةْ
وإذا شربناها سادهْ
يركضُ الموتُ هُنا مثلَ طفلٍ جائعٍ
نربيهِ على صغرٍ
وحينَ يكبرُ يأكلُ أجدادهْ

منذُ سبعينَ عاماً ونحنُ مهزومونْ
منذُ سبعينَ عاماً..
ونحنُ كالأرانبِ خائفونْ
وفي جُحرِ الفئرانِ محاصرونْ
ونحنُ -رغمَ ادعاءِ الصّلابةِ- متعَبونْ
ورغمَ -ادعاءِ الحياةِ- نافقون
على حُكمِ العادهْ

نحنُ ياسيّدي منذُ سبعين عاماً
نبحثُ عن قطعةِ أرضٍ تؤوينا
عن حفرةٍ نسميها وطناً..
..لتحمينا
نبحثُ عن كسرةِ خبزٍ
عن ولد كلمعةِ البرقِ
يُخرج من فمنا
ليحرقَ مضاجعَ السّادهْ

تُهنا في صحراءِ العمرِ
بيَدنا نُصّيّةً أفرغناها
على ترابِ الأرضِ البعيدةْ
على جراحنا
على أحلامنا
على أحكام البَلادهْ

أضعنا العمرَ تائهينْ
نركضُ من أرضٍ إلى أُخرى
نركضُ من سنبلةٍ إلى سنبلةْ
من تحتِ رشاشٍ لحضنِ قنبلةْ
نبحثُ...
عن وردةٍ نغفو بداخلها
عن قُماشةٍ نفترشها.. عن سجادهْ

هرمنا وما زلنا..
نبحثُ عن امرأةٍ تعطينا الحضارةْ
عن حضارةٍ..
تعلّمنا الجّسارةْ
نبحثُ عن فخذِ امرأةٍ نتخذهُ وسادهْ
وعُدنا....
لا استقبلتنا ربابُ..
ولا استقبلتنا غادهْ.

-4-
حينَ اختلسَ الرّبُّ منّي ضلعاً
صنعَ بهِ..
امرأة غاية في الحزنِ
... ثمّ غيّبها.

-5-

مثلَ طفلةٍ مشاغبةٍ
ترسمينَ -بأسنانك- ساعةً فوقَ معصمي
أرفضُ بعدها زمنَ القبيلةْ
وأكسرُ جميع السّاعاتْ
منها، يبدأُ الآنَ تاريخي ووقتي.

-6-
//امرأةٌ متعَبةْ//

أنا امرأةٌ متعَبةْ
أنا امرأةٌ حزينةٌ ومتعَبةْ
أحملُ لعنتي مثلما أحملُ صوتي
تَملكني مثلما يَملكني صمتي وبكائي
آهٍ، كم أكرهُ أن ماتتْ صحرائي
آهٍ، كم أكرهُ أنّي أرضٌ خَصْبةْ

تَجلدني في الشّارعِ
مئاتُ الأعينِ والهمساتْ
تَأكلني من قدميّ..
حتّى رأسي، الطّرقاتْ
تَنهشني..
تنهشُ جسمي
تنهشُ شفتيْ
تنهشُ جلدي، آلافُ النّظراتْ
ويحملُ ظهري آلافُ البَصَماتْ

لو أنّي أخرجُ من سورِ البهائمْ
ماذا يضيرُ لو أنّي..
لا أحسبُ من قائمةِ الولائمْ
أنا ياهذا مثلكْ
من لحمٍ ودَمْ
لستُ قضيّةً فوقَ الفَهمْ
أيمكنُ أن تتحملَ وحدكَ كلّ اللّكماتْ؟!

من يَحملُ عنّي لعناتي؟
من يحمل عنّي خيباتي؟
من يأخذُ شَفَتينِ يابستينْ؟
من يأخذ عنّي نهدينِ متعَبينْ؟!
من يأخذ صوتَ الأنوثةِ منّي؟
من يُحرّرُ بداخلي ملايينَ الفتياتْ؟

من يُعطيني صفة الذّكورة؟
من يُعطيني (شنباً)، لساعهْ
إنّي أكرهُ الشّرقَ..
أكرهُ ضباعهْ
من يُعطيني صوتاً خشناً، سلاحاً
لأبْني مدينةً تزرعُ ورداً..
..بدلَ الشّوكِ في الشّرفاتْ

أنا بلقيسْ
أنا نفرتيتي
وعشتارُ الرّبّةْ
لا يُنكرُ لي زمنٌ، ولا يُنكرُ تاريخي
أنا ثورةُ الأرضِ...
أحملُ بصدري موسمَ التّينِ وموسمَ الرّمانْ
ولكنّي الآنَ جدُّ حزينةٍ
وجدُّ متعَبةْ

-7-
وهذا الحزنُ المباغتُ يغتالني
ويغسلُ البكاءَ عينيّ ..
ويمحي الصّورْ
ضاعَ منّي كلُّ شيءٍ
ضاعت تلك الخطوط من يديّ
والقهوة على مفرقِ المدينةِ
وموكبُ السّفر

ضَجَرٌ .. ضجرٌ .. ضجرْ
والجّثثُ تتناثرُ هناكَ وهنا
تلكَ الجّثةُ لي أنا
وتلكَ تشبهني أنا
أمتناثرٌ في كلّ الأماكنِ هناك وهنا؟!
ألاجئ في كلّ المواطنِ أنا؟
بلا قصيدةَ حبٍّ أو جوازَ سفرْ

#واثق_العبدالله

-8-
أحبّبتُ امرأةً...
كانت تُلملمني من بقايا القمحِ على أفواه العصافيرِ
لتزرعَ منّي بيدراً.

-9-
//العابرُ العجوزُ//

يقولُ :كان ببطنِ الحوتِ أملٌ فلا تيأسوا
فأقولُ :ولكن ياسيّدي لسنا نسكنُ بطنَ الحوتْ

فيقولُ :المهم ألّا تيأسوا!

حاولوا

قاتلوا

اركضوا وهرولوا..

المهم ألّا تيأسوا

فيقولُ قائلٌ: ماذا يصنع الأملُ لنا؟

ماذا يفيدُ من كلّ يومٍ يموتْ!

كيفَ ينفضُ غبارَ يأسهِ..

من فاضَ فمهُ بالغبارِ وبالسّكوتْ

كيفَ يأملُ من اُحتل قلبهُ بالموتْ

شبعنا من حِكمِ القناعه

وشبعنا كلاماً عن الصّبر والحياة

وطويلُ العمرِ كلّ يومٍ تلاحقنا ضباعه

دمنا..

بكسرةِ خبزٍ نهدرهُ

وأرواحنا..

من أجلِ رشفةِ ماءٍ مُباعهْ

نحيا من قِلّة الموتِ

نستنظرُ -عبثاً- قيام السّاعهْ

فتأخذهُ الدّهشةُ ويلّفهُ السّكوتْ

ويذهبُ بعيداً..

بعيداً خلفَ الأزقة ،هائماً بينَ البيوتْ

ذاهلاً..

يغني لنا الحياةُ.. لنا الحياةُ.. لنا الحياةُ

ويموتْ.

-10-
أجلسُ متكئً على كتف اللّيل
فوق رصيف المحطة الأخيرةْ
نقرعُ كأسَ الهزيمة الأخيرةْ
ما عاد في العمر متْسع للعيش
ما عاد في القلب..
مكانٌ لامرأةٍ أخيرةْ

يشاركني اللّيل بكائي
يشاركني ثمالتي.. يشاركني حزني
أكتب سيرة عاشقٍ مهزوم
وسيرةَ ليلهِ
وأرسم وجه فتاةٍ
يزيدني حيرةً وبكاءً وحرمانا

وأحكي له كيف هُزمتُ
وكيف سقطتُ
وكيف تساقطتُ مثل ورقة خريفٍ
وأتلو آياتِ هزائمي
على جسدٍ
على وجهٍ
على عينينِ ليليتينِ
تزيدُ الرأس هذيانا

في جميع غزواتي..
حاولت الفوز في حضن امرأةٍ حقيقيّةْ
في حضن امرأةٍ غير معلّبةٍ
امرأةً تؤمن
أنّ اللّيل يبوسُ يدها، ليتحوّلْ
وأنّ النّهار يقضمُ شعرها، ليتبدّلْ
في جميع غزواتي
حاولتُ الموتَ أحياناً، ومتُّ خاسراً أحيانا

في جميع غزواتي..
حاولتُ الفوز بامرأةٍ تشبهكِ
حاولتُ الظّفر بامرأةٍ تغلبكِ
امرأةً..
تهدي الهلال نهدها، ليكتملْ
ولكنّني عدتُ
أجرّ جثث قصائدي، وجثث الزّهورْ

ما زالتْ قامتكِ الجّميلةُ والنّحيلةُ
تسحرني
وما زالتْ لهجتكِ الحورانيّة..
تأخذني بيدي مثل طفلٍ مبهورْ
ووجهك الدّائريّ.. الطّفوليّ
الملائكيّ
مازال..
يطرد وحشتي، وعتمةَ القصورْ

خمسون عاماً أحاربْ
خمسون عاماً أضع الخطط وأجرّبْ
هزمت كلّ جيوشي..
..للمرّة الألف
وفي نهاية العمر
عدتُ مهزوماً، أنزف حزناً وليلاً وقشورْ
.
.
.
.
*
*
*
الملف إعداد الشاعرة ريتا عودة/حيفا
16.6.2021

عصام الخفاجي مناضل واكاديمي وباحث يساري في حوار حول دور وافاق اليسار والديمقراطية في العالم العربي
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي