أثيوبيا والسد: تفجير التناقض بين شمال القارة وجنوبها

حاتم الجوهرى
2021 / 5 / 30

خرجت "المسألة الأوربية" عبر تاريخها الطويل من التعالي العنصري والمعرفي والحضاري المتنوع؛ بعدة متلازمات تجاه الآخر في بلادنا العربية والشرقية والأفريقية.
تجاه أفريقيا كانت هناك عدة محددات حاكمة لتمثلات "المسألة الأوربية" وفق المصلحة، تجاه العرب في شمال القارة طورت "المسألة الأوربية" ترسيخ الخوف من الإسلام، وما عُرف ب"الإسلامو فوبيا"، رغم أن ظاهرة التطرف والتشدد العربي على خلفية دينية، ظهرت عندما تبنت أمريكا المقاومة الأفغانية وتدفق المجاهدين العرب ضد الاحتلال السوفيتي.
وحين عادوا لبلادهم ساهمت "المسألة الأوربية" في تأجيج الظاهرة عبر عدة طرق، منها التوظيف المخابراتي ووضع بعضهم تحت السيطرة لاستخدامه عند الحاجة وضخ الأموال والسلاح أيضا، كما ساهم الدعم الغربي لسياسات احتكار السلطة في بعض البلدان في تكريس "التهميش الاجتماعي" الذي يساعد في تشجيع أفكار الخروج على المجتمع ورفضه، وساهمت في سياسات الإفقار عموما عبر أدوات المال العالمي، من خلال دعم سياسات نقدية وتمويلية وإقراضية لا تشجع التنمية المستقلة والاقتصاد الانتاجي البحثي، بقدر ما دعمت سياسات الإفقار والإقراض والتبعية والاستهلاك.
وتجاه الأفارقة في جنوب القارة ووسطها؛ طورت "المسألة الأوربية" تصورا عنصريا بحتا للغاية، يقوم على صورة نمطية تضعهم في مرتبة أقل ويصورهم بوصفهم لصوصا محدودي القدرات والمواهب، يميلون دائما للعنف والكراهية، والحقيقة أن هذه الصورة المغلوطة يقع عاتقها على يد "المسألة الأوربية" أيضا، فلقد تعاملت مع السود حتى عهد قريب بوصفهم مواطنين من الدرجة الثانية، تستعبدهم في الحقول والمصانع، وكان الذي يخرج من تلك الدائرة يصبح مطاردا ويعيش مع أقرانه في مناطق معزولة عن مناطق البيض، تلاحقه دائما نظرات الشك والريبة، ولا يجد فرصة عادلة لاستكشلف قدراته ونيل ما يستحقه في الحياة.
والسؤال الآن الذي يجب توجيهه إلى أثيوبيا والنخبة الحاكمة فيها؛ ألم يكن من الأفضل أن يتعاون شمال القارة مع وسطها وجنوبها، ألم يكن من الأفضل التوقف عن سياسات الكراهية والثقافة الأثيوبية القديمة التي تعتبر نهر النيل نهرا خائنا، ينبع من الجنوب ليصب خيراته في الشمال!
كان يوجد بين مصر في الشمال وأثيوبيا في الجنوب الكثير من المشتركات الممكن العمل عليها، كل من البلدين تعرض للاضطهاد وتعالي "المسألة الأوربية" ومتلازماتها الثقافية، كان يمكن للمضطهدين أن يتحدوا في وجه المركزية والتعالي الأوربي.
إلا أن أثيوبيا أبت إلا أن تغذي عُقدها الثقافية التاريخية الموروثة ضد مصر، وتفتح أبوابها لتمثل آخر من تمثلات التعالي الأوربي العنصري، وهو الصهيونية ودولتها العنصرية "إسرائيل" التي تقتل الفلسطينيين بدم بارد وتغتصب أرضهم كل يوم، لتتحالف معها ضد مصر، وتتبنى بناء حزمة من السدود ليس ما يعرف بـ"سد النهضة" سوى طليعتها، محققة مخططا أوربيا استعماريا قديما بخنق مصر عبر قطع النيل عنها.
كان الأجدر بالأثيوبيين تجاوز عُقدهم الثقافية التاريخية تجاه مصر، بدلا من تغذيتها وتحويلها لدافع قومي يشحذ الإحساس الجماعي عند الشعب الأثيوبي.
وربما لم يزل الأمر ممكنا؛ نقول للأثيوبيين مدوا يدكم بالسلام والمحبة، وتوقفوا عن استخدام "سد النهضة" كأداة سياسية لفرض النفوذ وكسر الإرادة، لا تجبرونا على طريق وحيد في مواجهتكم، ولا تستخدموا الاتحاد الأفريقي كحصان طروادة، وليكن عندكم بعض القوة للسلام والشجاعة للتصالح مع النفس.
انزعوا يدكم من التحالف مع الاستعمار الأوربي والصهيونية، ولا تكونوا أداة لحصار مصر مركز المقاومة في الشمال الأفريقي والعربي للاحتلال والنفوذ الغربي طوال تاريخها.
ساعدونا؛ هيا معنا نعمل لتجاوز "المسألة الأوربية" وعقدها الثقافية والمتلازمات التي صاحبتها، هيا ندخل سويا إلى "عالم ما بعد المسألة الأوربية"، نتجاوز التمثلات الأوربية بفلسفتها المادية الجامدة سواء في السياسيات الليبرالية أو الماركسية على السواء، هما وجهان لعملة واحدة.
ونستشرف سويا عالما جديدا بفلسفة قيمية وأخلاقية جديدة تتجاوز المادية الأوربية القاتلة، و"ثنائياتها الحدية" التي طبقتها في كل مناحي الحياة,
أقول لهم مصر سوف تعبر أزمتها، من خلال توحدها مع "مستودع هويتها" ودفاعا عن كافة مقدرات المنطقة العربية والأفريقية، وأنتم الآن مجرد أداة في يد الاستعمار.

أنتم تعيدون إنتاج الاستعمار و"المسألة الأوربية" وتناقضاتهما؛ ونحن نريد أن نعبر بالعالم لأفق جديد نحو عالم " ما بعد المسألة الأوربية".
مصر سوف تدافع عن كل مكونات الحاضنة الأفريقية والعربية ضد الاستعمار وأدواته، ولا تجعلونا نعتقد أن الطريق للحرية وعالم "ما بعد المسألة الأوربية"، وتفكك متلازماتها الثقافية وعلى رأسها الصهيونية، لابد أن يمر عبر تحرير النهر من أسره، وتحريره من حجارة السد وحقده الدفين.
سويا يمكن أن نصبح أقوى؛ لا تجبرونا على طريق وحيد
لا تجعلوا الرجل الأبيض الصهيوني يزرع الفرقة بيننا، بين شمال القارة وجنوبها، لا تنفذوا مخطط تفجير التناقضات بيننا، لا تتبنوا جدلية "العبد والسيد" إرث "المسألة الأوربية" الكريه.
لا تجبروا مصر على طريق وحيد للحياة، وتحرير النهر من أسر حجارة السد البغيض.

نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية