ظهور منحنى القضم من الصهيونية: الانتصار في الانتفاضة وعودة القنصلية

حاتم الجوهرى
2021 / 5 / 29

مع قرار بايدن وتصريحات وزير خارجيته مؤخرا بعودة قنصلية أميركا في القدس الشرقية، والتمثيل الدبلوماسي مع الفلسطينيين، يمكن القول بكل أريحية إن المعركة الكبرى على المخلفات السياسية لـ"صفقة القرن"، قد انتهت لصالح الفلسطينيين وحراكهم الشعبي وصمودهم الأسطوري.
ذلك الحراك الشعبي الذي تجاوز كافة الاستقطابات السياسية وتناقضاتها، في انتصار ملحوظ يتكرر لـ"الذات العربية" الشعبية وتجاوزها لتمثلاتها النخبوية والسلطوية، دفاعا عن "مستودع هويتها" ومكوناته، وكأنها تتحدى النماذج المعرفية المتعالية التي كانت تحاكمها منذ نهاية القرن الماضي، في أطروحات عقلية ونظرية مجردة.
ويمكن أن يُطرح السؤال: هل حقق الفلسطينيون بحراكهم الشعبي، وتجاوزهم للاستقطابات الموروثة الحاضرة في المشهد الفلسطيني والعربي، ما هو أكثر من الانتصار على إرهاب "الدولة"، الذي تمارسه "إسرائيل" كقوة احتلال أجنبي عليهم، في انتفاضة القدس الأخيرة عام 2021م؟

سياسة "الحصار وتضييق الخناق والتقدم للأمام"
الأجابة أن الفلسطينيين في هذه الانتفاضة وضعوا لأول مرة في تاريخ الصراع مع الصهاينة: منحنى جديدا، حيث طوال التاريخ المرير من التفاوض مع الصهاينة، كانت الصهيونية تتقدم سياسيا وواقعيا للأمام وتحاصر العرب والفلسطينيين، وتقضم شيئا من الذي كان متاحا على طاولة المفاوضات، وفق سياسة "الحصار وتضييق الخناق والتقدم للأمام" دوما.

من قرار التقسيم إلى اللا دولة في الصفقة
حدث هذا منذ بداية المفاوضات، بعدما قضمت الصهيونية وعصاباتها المسلحة حدود التقسيم في قرار الأمم المتحدة عام 1947م، إلى ما عرف بـ"الخط الأخضر" أو الحدود الواقعية بينها وبين القوات العربية بعد وقف إطلاق النار في حرب عام 1948م، ثم في حرب عام 1967م قضمت الصهيونية حدود "الخط الأخضر" واحتلت المزيد من الأرض، وفي مفاوضات أوسلو في التسعينيات طرح الصهاينة على الفلسطينيين سلطة منقوصة، على وعد بمزيد لم يتحقق أبدا، ثم تم قضم هذا المزيد عبر عشرين عاما، من الاستيطان والمزيد من الاستيطان.
إنما للمرة الأولى هذا العام يحقق الفلسطينيون منحنى جديدا في مسار ما سمى بـ"المفاوضات"، أو "مفاوضات السلام"!!
للمرة الأولى يقضم الفلسطينيون ولا يتم القضم منهم، ويردون الصاع للصهيونية في مشروع "صفقة القرن" كتسوية كانت مقترحة للصراع.

ظهور منحنى "القضم من الصهيونية"
للمرة الأولى
أول ظهور لمنحنى "القضم من الصهيونية" كان في عز عنفوان دونالد ترامب، وتفجيره لكافة التناقضات في "مستودع الهوية" العربي ليحيد القرار العربي الرسمي، حينما نجح الفلسطينيون في وقف مخططات السيطرة على القدس والمسجد الأقصى بدمائهم الذكية، رغم تنفيذ قراره نقل السفارة الفلسطينية إلي القدس، حيث كان الشاهد أن المنحنى ظهر دون أى دعم دولي أو إقليمي، ومصدر قوته الوحيد كان المدد الشعبي الفلسطيني/ المقدسي خارج كل الشعارات السياسية وتناقضاتها الموروثة.
أما تأكيد المنحنى وظهوره الثاني والحاسم؛ فكان بعد سقوط ترامب في الانتخابات الأمريكية ونجاح بايدن، ومحاولة الصهيونية تثبيت مكتسبات "صفقة القرن" ومخلفاتها بالقوة الغاشمة أيضا، وذلك عندما حاولوا استبعاد القدس من الانتخابات الفلسطينية، لتنتهي المعركة بتأجيل الانتخابات برمتها، ويرفض الفلسطينيون الخضوع. ثم حاول الصهاينة الكرة مجددا عبر السعى لتهجير سكان حي "الشيخ جراح" في القدس، لينتفض الفلسطينيون ضدهم في شهر رمضان الكريم، وعندما حدثت عدة اقتحامات للمسجد الأقصى، اندعلت انتفاضة فلسطينية شاملة، تدخلت فيها أطراف المقاومة المسلحة الفلسطينية ردا على القصف الصهيوني بسلاح طيران الاحتلال، قبل أن ترضخ الصهيونية ونصل لاتفاق وقف إطلاق النار، بحضور مصري يعي ذاته هذه المرة.

عودة القنصلية الأمريكية في القدس الشرقية
والإعلان الرسمي لموت صفقة القرن
والعلامة البارزة الدالة الآن على نهاية المعركة على مخلفات "صفقة القرن"، واستقرارها في مزبلة التاريخ، هو ما أعلن عنه بايدن ووزير خارجيته بلينكن منذ عدة أيام قليلة، عن النية في فتح القنصلية الأمريكية في القدس الشرقية كتمثيل دبلوماسي بين الأمريكان والفلسطينيين، بعدما كان ترامب قد أغلقها عام 2019م ودمجها في التمثيل الدبلوماسي مع الصهاينة في السفارة التي افتتحها في القدس.
فالآن فقط يمكن القول: إن المعركة على مخلفات الصفقة قد انتصر فيها الفلسطينيون، بجهدهم الشعبي أولا وقبل أي شيء وقدرتهم المتجردة من أي انتماء سياسي استقطابي، سوى الدفاع عن "مستودع هويتهم" دون سقف أو استعداد للتنازل.

حضور مستودع الهوية العربي
وضبط الشعبي للرسمي وتناقضاته
وليتم للمرة الأولى في تاريخ المفاوضات مع الصهيونية ظهور منحنى جديد، بتثبيت وإيقاف استراتيجية "الحصار وتضييق الخناق والتقدم للأمام"، التي كان يتبعها الصهاينة في المفاوضات، ويرد الحراك الشعبي الفلسطيني الصاع له صاعين ويقضم "صفقة القرن" بأكملها، وينتصر في معركة الصراع على مخلفاتها، بعد رحيل ترامب، التي وضع إعلان بايدن وبلينكن الأخير الفصل الأخير فيها، بنية إعادة افتتاح القنصلية الأمريكية والتمثيل الدبلوماسي مع الفلسطينيين في القدس الشرقية.
أعتقد أن الدرس المستفاد هو ضبط الشعبي للرسمي، وقدرة "مستودع الهوية" العربي على تجاوز الاستقطابات السياسية وتوجيه الجميع للطريق الصحيح، فعندما تعرض "المسجد الأقصى" للخطر تجاوزت "الذات العربية" في قاعدتها الشعبية، كافة أوهام النخب العربية الثقافية والسياسية عن الاستقطابات والأحكام المسبقة، واختصرت الطريق بين الهزيمة والصمود، بين التنظير والتطبيق.

أهمية تبني المسارات السياسية العربية
لـ"سياسة القضم من الصهيونية" على مهل
فقط الآن واستكمالا لضبط الشعبي ما هو رسمي بتمثلاته المختلفة، على المسارات السياسية العربية فقط بكل هجوء ودون ضجيج وصوت مرتفع، أن تتبع المنحنى الجديد الذي وضع الفلسطينيون لبنته، والمراكمة عليه وتحويله إلى سياسية عامة هادئة، وهو سياسية "القضم من الصهيونية" شيئا فشيئا.
وتحويل اللحظة التاريخية الحالية التي تحسب أكثر ما تحسب على المد الشعبي العربي، وثوراته الكبرى في القرن الجديد وتجاوزها لكافة التناقضات السياسية المورثة، تحيل هذه اللحظة إلى نقطة انطلاق مركزية جديدة.
والعمل السياسي والشعبي الملتزم والهاديء لعودة "الذات العربية" و الحركة باستمرار وفق سياسة "القضم من الصهيونية" على مهمل، وصولا للحظة قريبة وليست بعيدة على عكس ما قد يتخيل البعض، تتفكك فيها "المسألة الأوربية" ومتلازماتها وعقدها الثقافية وعلى رأسها المشروع الصهيوني ودولته "إسرائيل".
نعم نحن في مرحلة "القضم من الصهيونية" على مهل، وتفعيل هذه السياسية في ملفات صغيرة هنا وهناك، ونجاحات دبلوماسية وشعبية صغيرة تتراكم على بعضها، وتسير بالتوازي، تحينا للحظة تفكك "المسألة الأوربية" وتمثلها الأمريكي، التي ستكون إشارة تفكك تبعاتها ومتلازماتها الثقافية، وفي القلب منها الصهيونية ودولتها.

"مستودع الهوية" ودروس التراسل
بين فلسطين وبين استعادة الذات العربية وثوراتها
فتحية للفلسطينيين وحراكهم الشعبي، على ما قُدر له من شرف، وكونهم على قدر المسئولية ورفدهم لـ"الذات العربية". ولا يسقط من بال الكثيرين أن مشروع الثورات العربية الكبرى في القرن الجديد، بدأ بخروج حركة طلابية واسعة خارج الاستقطابات السياسية الموروثة رد الفعل لـ"المسألة الأوربية" يمينا ويسارا، دعما للانتفاضة الفلسطينة الثانية عام 2000م، وتطور حراك هذه الحركة الطلابية عبر عقد كامل من الزمان رفضا للتمثلات السياسية السائدة سلطة ومعارضة، وصولا لبدايات العقد الثاني من القرن الجديد ومشروع الثورات العربية الكبرى، لتجاوز "المسألة الأوربية" بكافة تناقضاتها وفصائلها التاريخية.
وتحية لسياسة "القضم من الصهيونية" على مهمل؛ تحينا لتفكك "المسألة الأوربية" وتمثلها الأمريكي/ الصهيوني، وظهور "الذات العربية" الكامنة بـ"مفصلية ثقافية" بكر، تضخ الدماء وتدفع الأمل في الحضور الإنساني برمته، بعدما تكلس ووصل لمرحلة الجمود مع شعارات "المسألة الأوربية" وتمثلاتها العربية يمينا ويسارا.
وعل أهم الرسائل الكامنة هنا هو حتمية أن يستجيب الرسمي للشعبي وقت الحاجة؛ وضرورة أن تتصالح التمثلات السياسية العربية القائمة سلطة ومعارضة، مع الحراك الشعبي ومطالبه بالتغيير، في نهاية المطاف.

نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية