مرجعية الذهنية الصهيونية للخطاب الأثيوبي ضد مصر

حاتم الجوهرى
2021 / 5 / 28

منذ عدة أيام وفي تاريخ 23/5/2021 وضعت صفحة "أثيوبيا" على مواقع "الفيس بوك"، التي أتابعها منشورا تحت عنوان مثير، وهو: #عاااااااجل : طائرات رافال مصرية تدك موقع سد النهضة الأثيوبي.
بالطبع كان المنشور ساخرا، ويتواكب مع المناورات المصرية السودانية المشتركة خاصة المناورات الجوية بين البلدين، لكن ليس هذا من لفت انتباهي في المنشور.
إنما الذي لفت انتباهي في المنشور والخطاب الكامن والمضمر فيه شيء آخر، إذ في سياق سخرية المنشور من مصر وموقفها تجاه النيل، الذي تصفه أثيبوبيا بالتعالي، وردت جملة لا تخرج إلا من ذهنية صهيونية صرفة، وكذلك ليس مجرد ذهنية صهيونية عامة في المطلق، إنما ذهنية صهيونية عسكرية بحتة!
وكأن الذي كتبها تلقي تعليمه في كليات الحرب الصهيونية في تل أبيب، ودرس التاريخ الحربي الصهيوني في مجال المعارك الجوية، وليس شخصا أثيوبيا عاديا يكتب منشورا لمجرد الدعاية أو الهجوم على مصر في العموم.
كانت الجملة التي وردت في المنشور موجهة للمصريين تقول: "كونوا واقعيين واخرجوا من وهم العظمة الذي صورته لكم معركة المنصورة. منبع القوة والعظمة يكمن في عدالة القضية وهو ما تفتقرون إليه في قضية سد النهضة"، وتحت المنشور بأكمله إشارة إلى أن من كتبها هو: "الكاتب والناشط الاثيوبي عبدالرحمن يوسف"
كانت الجملة صادمة بالنسبة لي؛ هم يتحدثون عن معركة "المنصورة الجوية" التي دارت في حرب أكتوبر عام 1975م، وحققت فيها القوات الجوية المصرية بسالة منقطعة النظير، رغم التفوق الكيفي للمقاتلات الصهيونية التي شاركت في المعركة!
الصادم كان استخدام الأثيوبيين لمعركة "المنصورة الجوية" وكأنهم يعرفونها، وكأنها أمرا مسلما به ومستقرا في الوعي الخاص بهم، خاصة أن حديثهم لم يكن عن مجرد الانتصار في المعركة، بل عن التعالي والفخر والأثر الذي تركته المعركة في نفوس المصريين وقواتهم المسلحة، وهو منطق في الخطاب لا يأتي إلا من داخل الذهنية الصهيونية.
لأن الصهيونية العسكرية طوال عمرها تتحدث عن الذراع الطويل، بوصف قواتها الجوية المتفوقة هي مصدر قوة الردع الأساسية عندهم، وقد أذاقهم المصريون في حرب 1973 ويلات الإحساس بالعجز والندية للمرة الأولى، سواء عن طريق "حائط الصواريخ"، أو عن طريق التكتيكات والطرق المبتكرة والشجاعة التي طبقوها في استخدام المتوفر لديهم من الطائرات السوفيتية العتيقة، في مواجهة أحدث ما أنتجته المصانع الأمريكية والأوربية.
في واقع الأمر أن هذه الجملة التي وردت في المنشور على صفحة "اثيوبيا" التي تنشر موادها باللغة العربية، هي جملة دالة للغاية وشديدة الأهمية في فهمنا للخلفيات الثقافية العدائية التي تشكل العقلية الأثيوبية وتشحنها ضد المصريين، يتعجب الكثيرون من أين جاءت الشجاعة لأثيوبيا لتواجه مصر بمثل هذا الخط السياسي المتشدد، وكيف لها أن ترسم كل هذه السياسات الخارجية وخططها، لتواجه مصر في كافة المحافل الدولة وتكسب رأيا عاما في العديد من تلك المواضع.
والحقيقة أنه سبق في عدة مقالات العام الماضي وما قبله، أن رصدت التكتيكات الصهيونية التي تتبعها أثيبوبيا معنا، وذلك عن طريق مقارنة مسار المفاوضات ومحطاتها والخطاب الأثيوبي فيها، بالتكتيكات الصهيونية نفسها في المفاوضات التي يتبعونها مع الفلسطينيين، لأجد أن الأثيوبيين يتبعون كتاب "الإرشادات" نفسه، وكأنك تتفاوض مع الصهاينة.
لكن دلالة تحليل الخطاب ومضمونه الوارد في صفحة "أثيوبيا" تختلف كثيرا هذه المرة، هي تشي بأن العديد من النخبة السياسية والإعلامية في الإدارة الأثيوبية الحالية، بالفعل تلقت وعيها المباشر والعديد من مفاهيمها السياسية وتصوراتها في الحياة، على يد المدرسة الصهيونية في الدبلوماسية بمختلف مستوياتها، وتحديدا أقصد هنا مستوى الوعي العسكري ومحدداته، الذي دل عليه استخدام كاتب المنشور وذكره لـ"معركة المنصورة" بما تحمله من آثار نفسية عند الصهاينة.
الشاهد هنا أن السياسات المصرية في التعامل مع الملف الأثيوبي، يجب أن تستفيد من قراء الذهنية الصهيونية في التفاوض مع الفلسطينيين، وفي تحديد أهدافها.
كان هدف الصهاينة واحد على طول الخط وهو التقدم للأمام نحو المزيد من الأرض، وتفكيك مصادر قوة "الذات العربية" الموجودة فعليا، والأهم مصادر القوة الكامنة والمحتملة..
وكانت تكتيكات المفاوضات تعتمد على التبدل والاستدراج، وسد الطريق أمام كل مسار تفاوضي بعد فترة، لوضع الخصم دائما في حالة "رد الفعل" والارتباك، للننتقل من الخط الأخضر عام 1948 بعد وقف إطلاق النار، إلى التفاوض حول ما قبل حدود حرب عام 1967، ثم إلى أوسلو ومجرد وجود الدولة الفلسطينة، ثم إلى "صفقة القرن" ومجرد تحسين شروط الاحتلال، دون دولة ولا سلطة ولا هوية من الأساس!
المكون الصهيوني خلف الخطاب الأثيوبي؛ يشي بشيء واحد وهو أننا أمام "حرب بالوكالة"، وأن أثيوبيا مجرد "مخلب قط" كبير تحركه الصهيونية وبعض الدوائر الغربية صاحبة الهوى ضد مصر.
وأنه يجب على مصر التحرك بهدوء ووعي شديدين لحصار مخلب القط، وضبط سلوكه و"قواعد الاشتباك السياسي" معه للأبد، مؤكدة على مكانتها التاريخية ودفاعها عن "مستودع هويتها" بمختلف طبقاته، الضامن لحيويتها على كافة المستويات.
ولكن مصر رغم كونها "رد فعل" الآن في الملف الأثيوبي، وعلى خلفية الاستقطابات الداخلية بعد إزاحة نظام الإخوان، والتي تواكبت مع وضعها تحت ضغط مستمر وساحق من جانب ترامب لتمرير صفقة القرن.. يجب عليها وفي الوقت نفسه التفكير في التحرك نحو "الفعل"، ووضع حزمة سياسات خارجية تُمكن لها، وتستعيد المبادرة في مواجهة الصهيونية وأمريكا ومن خلفهما، وكل أوهام "المسألة الأوربية" التاريخية وتعاليها.
وذلك يتطلب قبل أي شيء؛ وجود بديل ثقافي وحضاري يتمثل في قوة ناعمة وفكرة مركزية تضبط مصر من خلالها حضورها الطوعي/ الناعم عند الآخر، وليس مجرد الحضور الخشن عن طريق المصالح والمنافع والتمدد الصلب.
يجب أن تؤدي المتغيرات السياسية الراهنة في الإقليم والعالم؛ إلى أن تطور مصر وعيها بذاتها وتتبنى نموذجا حضاريا/ ثقافيا يضبط سياساتها الخارجية والداخلية، وأعتقد أن نموذج "ما بعد المسألة الأوربية" عن تجاوز كل المتلازمات الثقافية وعقدها المورثة من القرن الماضي، وفي تمثلاتها العربية أيضا، يضع الكثير من الحلول ويستشرف مساراتها.
شريطة تصالح مصر مع مشروع الثورات العربية، واعتبارها إضافة للأمن القومي العربي وقوة ناعمة هائلة لا حدود لها، وكذلك تجاوز النخب الثقافية والسياسية لـ"بقايا دولة ما قبل 2011م"، وتجاوز الفصائل السياسية التي اعتبرت الثورات فرصة لم تنجح في تقديم نفسها فيها.
بل النظر للثورات العربية ومفصليتها الثقافية الكامنة كلحظة تاريخية مستقلة، تستطيع "إعادة إنتاج" الذات العربية واستعادتها من كبوتها، وتقديم خطاب جديد يتجاوز كافة الاستقطابات السياسية وفصائلها جميعا، ويعمل كرافعة جديدة للمستقبل.




هامش

- رابط المنشور على صفحة "أثيوبيا" بـ"الفيس بوك"

https://web.facebook.com/Ethiopiaanews/posts/309661300534288

عصام الخفاجي مناضل واكاديمي وباحث يساري في حوار حول دور وافاق اليسار والديمقراطية في العالم العربي
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي