مصر ومسارات استعادة الذات العربية: بين انتفاضة القدس والسد الأثيوبي

حاتم الجوهرى
2021 / 5 / 11

بعد عدة أشهر قليلة من رحيل دونالد ترامب، يمكن القول إن القدر لم يمنح بايدن الفرصة ليزايد كثيرا بديمقراطيته الحزبية في مواجهة ترامب وحزبه الجمهوري، فها هو أشهر ملف عمل عليه ترامب يتفجر من جديد في المنطقة العربية، ليكشف أن الاختلاف بينهما هو مجرد اختلاف في الدرجة وليس في التوجه، اختلاف في الشكل وليس في المضمون.
وأقصد ملف "صفقة القرن" ومخلفاته، وموقف مدينة القدس ومفاوضات السد الأثيوبي..

النسخة الجمهورية والديمقراطية من دعم الصهيونية
وأثر "المسألة الأوربية" الكامن
فكل من بايدن وترامب يدعم "الصهيونية" ولكن وفق طبعته الخاصة، ترامب يدعمها بشعارات يمينية عنصرية متعالية تربط بينها وبين تمثلات"المسألة الأوربية" الدينية الكامنة أي الصهيونية المسيحية، وذلك من ناحية أثر "الذهنية الجرمانية" (نسبة إلى الجرمان سكان شمال أوربا) خاصة مع المذاهب الدينية التي ادعت التمرد على مذاهب "الذهنية الرومانية" القديمة، قبل سيادة "العنصر الجرماني"، مع البروتستناتية تحديدا في بريطانيا (الجرمانية) ومستعمرتها الأميركية قبل أن تستقل.
اما بايدن فيدعم "الصهيونية" بشعارات أقرب للديمقراطية والخطاب الليبرالي بمسحة يسارية، رابطا بينهما وبين "المتلازمات الثقافية" التقليدية لـ"المسألة الأوربية"، باعتبار "إسرائيل" تمثل واحة الديمقراطية في محيط شرقي استبدادي، وتقدم قيم "الحداثة" في وسط عربي "رجعي" وتقليدي ينتمي للقرون الوسطى (قَرْوَسَطِيّ)، سنجد أنها هي فكرة "الذهنية الجرمانية" عن التعالي ذاته، لكن بقشرة ثقافية ترطن بمتلازمات "المسألة الأوربية" الثقافية، كمبرر للعنصرية تجاه العرب.

تحريك بايدن للملفات لتناسب السردية الديمقراطية
ولقد تحرك بايدن كثيرا في ملف "صفقة القرن" مراجعا العديد من سياسات ترامب، لكن بهدف إعادة ملف فلسطين للموضع الممكن معه استعادة التوجه الديمقراطي في الملف، الذي يقوم على دعم الصهيونية على طول الخط، مع المطالبة بشعارت زائفة تنادي بحل الدولتين، وتُقدم المساعدات الاقتصادية واللوجستية للفلسطينيين وسلطتهم، دون تمكين سياسي حقيقي، ليصبح الفلسطينيون محاصرين في فخ "أوسلو"، لا يستطيعون التقدم للأمام ولا يستطيعون الانسحاب للخلف.
وفي ملف "السد الأثيوبي" يسعى بايدن لتمرير التوجه الديمقراطي في الملف، مع وعيه بربط ترامب القديم بينه وبين "صفقة القرن"، لكن بايدن يسعى لتمرير "السد" كصنبور مياه على النيل تماما كسلفه ترامب دون اختلاف، مع شعارات سمعناها من المبعوث الأمريكي لمنطقة القرن الأفريقي مؤخرا، تدور حول حق أثيوبيا في التنمية وتوليد الكهرباء وما إلى ذلك، وكأنه لا توجد حقوق للمصريين والسودانيين في الحياة وشرب الماء!

القدس ناقوس الذات العربية
لكن ضعف بايدن وتناقضات "المسألة الأوربية" الكامنة تفجرت بقوة أكبر الآن في ملف مدينة القدس، وفي موضعين تحديدا، الموضع الأول والذي نكأ الجرح كان موضوع "الانتخابات الفلسطينية"، حيث أرادت الصهيونية تثبيت مكتسبات صفقة القرن واستبعاد سكان مدينة القدس من الانتخابات الفلسطينية، تأكيدا على سيطرتها السياسية عليها وفق مجريات الصفقة، لينتفض الفلسطينيون وترفض السلطة الفلسطينية في نهاية المطاف إجراء الانتخابات دون القدس.
أما الموضع الثاني الذي تفجر في مدينة القدس، فكان تكتيكا شهيرا من تكتيكات الصهيونية عبر "تقنين العنصرية" والتعالي، فكما كانت أمريكا تتعالي وترسخ العنصرية ضد "السود" بقوانين رسمية، سارت "الصهيونية" على الطريقة نفسها، لتصك القوانين الرسمية العنصرية، وأبرزها كان قانون "يهودية الدولة" عام 2018م، لكن هذه المرة حاولت "الصهيونية" استصدار قرار قانوني قضائي بطرد سكان حي بأكمله من مدينة القدس ونطاقها، وهو حي "الشيخ جراح".
وانتفض الفلسطينيون المقدسيون مجددا (في أبلغ رد على دعاة الاستلاب للصهيونية ممثلين في يوسف زيدان ومراد وهبة وتيار الاستلاب والاتفاقيات الإبراهيمية ودعمها الخليجي)، انتفضوا في ليالي شهر رمضان الكريم وتصدوا لجنود الاحتلال عند بوابات المسجد الأقصى، وأقاموا موائد الإفطار الجماعية، هذا كله وبايدن يمارس شعارات الديمقراطية الصهيونية والصمت المتواطيء القديم ذاته.

انتفاضة "الشيخ جراح"
واستعادة الكرامة العربية والمدد الشعبي
لكن بيت القصيد هنا ورغم كل شيء؛ هو "الاستعادة" أي "استعادة الذات" العربية لنفسها ونفضها مخلفات صفقة القرن والاتفاقيات الإبراهيمية، وشعارات تيار "الاستلاب للآخر"، حيث تغسل الدماء الفلسطينية الذكية عار الخضوع للصفقة، والرضوخ للتأويل الديني للهيمنة الثقافية مع الاتفاقيات "الإبراهيمية".
وتغسل موجة الدعم العربي الجارف على شبكات التواصل الاجتماعي، كل محاولات الخسة وتمرير تيار "الاستلاب للصهيونية" وللآخر الغربي، ومنح هذا التيار المنابر الإعلامية ليحاول دفن الذات العربية وتفكيكها، كما كانوا يمنحون يوسف زيدان الفرصة ليخرج على الناس بسردياته وحكاياته الزائفة، ليبرر مشروع الصفقة والتخلي عن القدس.

الفرصة الكامنة لمصر
واستعادة الدور التاريخي
لكن ما يحدث هو خطوة عظيمة في طريق "استعادة الذات" العربية وتجاوز تناقضات صفقة القرن، ويجب على الجميع التوحد مع هذه الخطوة، خاصة في مصر لأن هناك ملفين حاليا ربما سيكون لهما الأثر الأبرز في تجاوز "المسألة الأوربية" وعقدها ومتلازماتها الثقافية إلى "ما بعدها"، وهما ملف "القدس" وملف "السد الأثيوبي".
حقيقة تملك مصر الفرصة لتحمل المسئولية التاريخية مجددا للذات العربية، وليس الأمر مصادفة أن تتواكب الأحداث ثانية في ملفي "القدس" و"السد الأثيوبي"، إن صمود مصر في وجه محاولات تركيعها من جانب الصهيونية والغرب، هو انتصار و"قيمة مضافة" لـ"الذات العربية" في صراعها حول "القدس" والقضية الفلسطينية برمتها.
ترامب حاول الربط بين تمرير "صفقة القرن" وإحراز التقدم في ملف "السد الأثيوبي"، حيث كان يستخدمه كأداة لوضع مصر وأمنها القومي تحت سيطرته، وحاولت مصر المقاومة في ظل استقطابات دولة ما بعد 30 يونيو ومساراتها، كان ترامب يريد أن تصب كل الحلول تجاه السد خشنة أو ناعمة، في طريق السيطرة على مصر وإرسال رسالة واضحة لها، بأن ماء النيل لابد أن يمر على عبر جسور "صفقة القرن" وخيباتها.

مصر وتمثلات "استعادة الذات" العربية ومساراتها
ودفع "النفوذ الخليجي" المضاد للذات العربية للوراء
حقيقة مصر تحتاج الآن للتحرك للأمام عربيا وتحمل المسئولية، عبر تكوين حد أدنى من الخطاب المشترك الممكن البناء عليه فيما بعد، وذلك يمكن عن طريق وزير الخارجية، أو تعيين مبعوث/ سفير مصري دائم للقضية الفلسطينة، يتولى بشكل عاجل مهمة صدور بيان عربي دعما للقضية الفلسطينية، سواء بشكل مباشر كحد أعلى للتحرك، أو من خلال الجامعة العربية مثلا كحد أدنى للتحرك.
مع أهمية أن تعي مصر بمسئوليتها التاريخية تجاه مكونات "مستودع الهوية" العربي والدفاع عنه، ودفع "الاتفاقيات الإبراهيمية" للوراء، شعبيا وإعلاميا وسياسيا.
على مصر أن تبدأ في تطوير حزمة من "السياسات الخارجية" تؤكد على "مستودع هويتها" العربي، وتضع سياسات "الاستلاب للآخر"والصهيونية التي تبنتها بعض البلدان الخليجية في حجمها الطبيعي، وتزيح رجال هذا التيار من المؤسسات المصرية ذات الصلة بصناعة القرار.
لابد لمصر أن تتوحد مع "الذات العربية" و"مستودع هويتها" والدفاع عنه، لأن في ذلك دفاعا عن وجودها نفسه في ملف السد الأثيوبي، وفي ملف التنمية المستقلة بعيدا عن ضغوط فوائض البترول الخليجية، التي طورت توجهات ثقافية تابعة للغرب وتحاول أن تكسب وده بشتى الطرق، كما يفعل ولي العهد السعودي مؤخرا بشعارته عن الإصلاح الديني، وكما تفعل الإمارات بتمرير القوانين التي تدعي العلمانية، والانتصار للمتلازمات الثقافية لـ"المسألة الأوربية".

الذات العربية و"المسألة الأوربية" وما بعدها
بين تيار الاستعادة وتيار الاستلاب
وكأن هناك تياران الآن يتدافعان على "الذات العربية"؛ أحدهما تيار الاستلاب للآخر والصهيونية ويسعى للتأكيد على "المسألة الأوربية" ومتلازماتها الثقافية كجواز مرور للحصول على رضا الغرب وأمريكا والصهيونية، وفي القلب من هذا التيار تقبع الإمارات والسعودية، ومصدر قوتهما هو استخدامهما للفوائض البترولية كوسيلة للضغط وبناء النفوذ، وهو ما يستوجب البحث في طرق مواجهة وردع هذا النفوذ المضاد للذات العربية، بشتى الطرق الخشنة والناعمة، والوعي باختيارات الجميع وفرزها.
أما التيار الثاني فهو تيار "استعادة الذات" العربية ويقوم على فكرة تجاوز "المسألة الأوربية" وتجاوز تمثلاتها العربية يمينا ويسارا، مركز هذا التيار يقوم على الحضور الشعبي الواسع الذي تمثل في الثورات العربية في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، باعتبار هذه الثورات تمثل إضافة لـ"الأمن القومي" العربي واستفاقة له من تناقضات القرن الماضي، ومرحلة "دولة ما بعد الاستقلال" والعمل من أجل "التحديث" وبناء "تراكم حضاري" خاص بـ"الثورة القيمية" وشعاراتها، التي طرحتها الذات العربية تجاوزا لـ"المسالة الأوربية" وشعاراتها المادية المتطرفة.

خاتمة
لذا تملك الذات العربية فرصة عظيمة للاستعادة والتحرك للأمام، في ملفين مهمين مازال الارتباط بينهما قويا، هما ملف صفقة القرن ومخلفاتها ومدينة القدس، وملف "السد الأثيوبي" والتأكيد على "قواعد الاشتباك السياسي" التي تحفظ لمصر مكانتها التاريخية، وفق علاقتها بمستودع "الهوية العربي" وامتلاك متطلبات الدفاع عنه.
ويجب العمل من أجل بناء خطاب عربي جديد يستعيد الحضور الشعبي ويلتحم معه، ويجبر دول الاستلاب للصهيونية والغرب في الخليج، على التراجع عن مواقفها وتوظيف الفوائض البترولية ضد "مستودع الهوية" العربي.
لكن ستبقى القدس وفلسطين هي ناقوس الذات العربية، ومفصل مهم مركزي في "مستودع هويتها"، مهما تراجعت الذات العربية في مستوايتها الشعبية والرسمية، ستظل لفلسطين/ القدس القدرة على إيقاظ المدد الشعبي دفاعا عن "مستودع الهوية" العربي، وطلبا لبناء "التراكم الحضاري" الفعال الذي يمكن الذات العربية من الاستعادة والاستفاقة، وامتلاك متستلزمات الدفاع عن "مستودع هويتها".

نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية