مأساة غياب الرقابة السياسية في إعلان العبور الجديدة

حاتم الجوهرى
2021 / 5 / 7

مأساة ومفسدة كبيرة أن تقوم جهة تنفيذية حكومية بخرق القانون، ولا تجد من يردعها ويعيدها لطريق الصواب، ومفسدة أكبر أن نرى تضارب في دولاب مؤسسة الدولة المصرية، بين قرارات المؤسسات السياسية والوزارية، وبين الجهات التنفيذية التابعة لها، وتصبح الماساة بحجم الكون حينما تعجز اجهزة الدولة الرقابية عن التدخل وضبط المسار.
هذا بالضبط ما يحدث في مدينة العبور الجديدة التي صدرا قرارا جمهوريا بإنشائها في 2016م، وصدر لها قرار رئيس الوزراء رقم 2422 لسنة 2019م، وقرار هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة رقم 142 لسنة 2020م,
وتكمن المأساة في صدور إعلان بتاريخ 21 أبريل لهذا العام، يدعو ملاك الأرض بجمعية القادسية الواقعة بنطاق المدينة، للتقدم لجهاز المدينة، ولكن بصيغة مرتبكة للغاية وغير واضحة من جهة، ومن جهة أخرى جاء الإعلان مخالفا لنصوص القرارين 2422 و 142.
حيث أن القرارين المذكورين نصا على معاملة تقوم على تغيير النشاط ودفع مقابله للأرض المخصصصة للنشاط الزراعي، أما الأرض غير المخصصة للنشاط الزراعي (نسب السكني – والاستثماري المباني والتجاري والتعليمي وغيرهم) فإنه نص على أن تلك الأرض بطبيعتها لا تستحق دفع تغيير نشاط، وأنه وفق عقودها مع جهة الولاية السابقة فإن الشركات التي تعاقدت عليها هي المسئولة عن مد المرافق العمومية بها، وبامتداد حيازاتها.
إلا أن الإعلان المأساة ضرب بالقانون الخاص بالمدينة عرض الحائط، وخاطب ملاك الأرض غير المخصصة للنشاط الزراعي تحت عنوان: توفيق الأوضاع وسداد مستحقات الدولة!!!
والمعروف في المدينة أن توفيق الأوضاع يخص الأرض وضع اليد، ويخص أرض "الإيجار الزراعي"، وأن سداد مستحقات الدولة يخص دفع مقابل تغيير النشاط الخاص للأرض المرخصة زراعي.
والحقيقة أن الماساة أكبر من ذلك بكثير، وما يشاع أن هناك بعض الأجهزة الرقابية تغض طرفها عن عقود الأرض غير المخصصة للنشاط الزراعي، وإجبار الشركات على استكمال المرافق الأساسية (الماء والكهرباء متوفرة لكن الصرف لم يتوفر بعد)، أو مصادرة ملكياتهم الخاصة وأصولهم اسيفاءً لحق صغار الملاك والدولة.
في مقابل أن تغض أجهزة الدولة الرقابية تلك الطرف عن مأساة الإعلان الذي يمرر لجهاز العبور تحصيل تغيير نشاط من الأرض غير المخصصة للنشاط الزراعي، بالمخالفة للقانون.
وكأن هناك من يريد للدولة أن تصبح شريكا في الفساد، فبعد أن منحت هذه الأرض في أزمنة سابقة ترضية لبعض رجالها بالملاليم، الذين باعوها بعقود مسجلة مخصصة للبناء الاستثماري بالملايين، يريد البعض الآن أن يصم الدولة المصرية بالفساد مجدد! عبر التواطيء من جديد مع شركات أصحاب النفوذ وواجهات مراكز النفوذ القديمة، لكي تحصل الدولة منهم تغيير نشاط بالمخالفة للقانون، وتتنصل الشركات من استكمال المرافق بالمخالفة للعقودّ
والأسوأ هو كم التشوه الإنساني والتناقضات التي تفجرت بين صغار ملاك المدينة، فبعضهم يقدم نفسه مدافعا عن وجهة نظر فساد بعض أجهزة الدولة ومخالفتها للقانون، غير مدرك الفرق بين التعميم في القاعدة القانونية وشموليتها التي تَجب التفصيل، ويطالب بأن تفصل الدولة بعد إجمالها في 2422 و142 لبيان وتعديد الأرض غير المخصصة للنشاط الزراعي، غير مدرك أن التعميم واضح ويشمل كل العقود التي لا تنص على الطبيعة الزراعية.
بل الأكثر حزنا هو ظهور بعض المزايدين الجدد من صغار الملاك، الذين اشتروا مؤخرا في الأرض الزراعية، والذين يفتقدون لوازع الضمير مدفوعين بالمصلحة الشخصية، على حساب العدل وشقاء السنين وتعب الناس.
بعض صغار ملاك الأرض الزراعية الجدد، من منعدمي الضمير الذي اشتروا مؤخرا ومنذ فترة قريبة، يدعمون توجه الجهاز لتجهيل الحقوق التي ترتبت على المكان والزمان في تقسيمات القطع 5 فدان و8.5 فدان، وإهدار الكشوف المساحية الرسمية للمدينة.
لأنهم مستفيدون من فساد الجهاز، هم اشتروا مؤخرا وفي مجاهل المدينة، وسوف يكون في صالحهم تجهيل الأرض الزراعية وإعادة توزيعها دون اعتبار للحقوق التي ترتبت على المكان منذ حوالي 20 عاما، فيستفيدون هم بالمساواة بمن اشترى منذ 20 عاما، ويستفيد الجهاز بتحصيل حقوق التميز وتوزيع الناس على التقسيمات الجديدة.
ولم يتوقف هؤلاء عند غيهم ومرض قلوبهم هذا، بل يدعمون تجهيل الأرض غير المخصصة للنشاط الزراعي، ليتساوى الجميع، وتلك سمات عصور الاضمحلال الحضاري، حينما تظهر على الناس أسوأ الخصال البشرية، التي تقوم على الغل والكره والحقد والحسد، وإن اختبأ بعضهم خلف شعارات تهييج الناس مستغلين حاجتهم وقلة معرفتهم بمجريات الأمور.
وإما تدخلت أجهزة الدولة الرقابية التي ما تزال تحافظ على الشعرة الفاصلة من رمزية الدولة المصرية وقدرتها على الاستفاقة والاستعادة، بنزول إعلان جديد وفق القانون للأرض غير المخصصة للنشاط الزراعي، وإما ستكون مأساة مخالفة القانون والفساد في مدينة العبور الجديدة، إشارة محزنة في طريق المستقبل.

نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية