أثيوبيا ومصر: بين سياسات المسألة الأوربية، وما بعدها

حاتم الجوهرى
2021 / 4 / 27

من وجهة نظر أوسع يدور في العالم الآن جدل ما، بين "المسألة الأوربية" ومتلازماتها الثقافية وعقدها، وما ترتب عليها من سياسات الفعل ورد الفعل، وفي الوجهة الأخرى توجد بعض المحاولات للانعتاق من "المسألة الأوربية" وعقدها إلى ما بعدها.
وفي ملف "سد النهضة" الأثيوبي يبدو تعقد الملف وصعوبته أكثر ارتباطا بسياسات "المسألة الأوربية" ومتلازماتها الثقافية، ويبدو الأمل في تخطي صعوبات الملف وتعقده أكثر ارتباطا بسياسات "ما بعد المسألة الأوربية" وتجاوزها.
ففي ارتباط الملف بمتلازمات "المسألة الأوربية" على الجانبين المصري والأثيوبي؛ وعلى الجانب الأثيوبي يمكن القول إن الغرب والصهيونية دعما المشروع، بهاجس السيطرة على مصر كمركز ثقل للذات العربية وحاضنتها التاريخية، مغذين الشعور بالاضطهاد عند الأثيوبيين وكأن مصر امتدادا للرجل العنصري الأوربي/ الأبيض.
وفي الجانب المصري كان دونالد ترامب يضغط على مصر لقبول "صفقة القرن"، التي تنتصر للصهيونية بوصف "إسرائيل" واحدة من أبرز متلازمات "المسألة الأوربية" التي ارتبطت بها، وكان ترامب يدفع مصر إما لضرب السد تحت غطاء سياسي منه، أو لإخضاع أثيوبيا في نهاية المطاف لاتفاق ما، يحتفظ بالتناقضات بين البلدين تحت سيطرته أيضا.
والحقيقة أن تخطي "المسألة الأوربية" وسياسات المتلازمات الثقافية المرتبطة بها، يقع على عاتق أثيوبيا بشكل أساسي، لأنها هي الطرف الذي يملك المبادرة في الموضوع، ويستطيع بناء التعاون ومساراته مع الجانب المصري بدلا من الصدام معه واستعدائه، بما يدفع مصر الآن لتبني سياسات المواجهة دفاعا عن نفسها.
علاقة الطرفين بـ"المسألة الأوربية" ومتلازماتها الثقافية الكلية يمكن حصرها كالتالي؛ مصر ترتبط بـ"دولة ما بعد الاستقلال" عن الاحتلال الأوربي في القرن الماضي، ومركزية فكرة: التحرر والاستقلال المستمرة حتى الآن، كرد فعل لحضور الصهيونية ممثلة لـ"المسألة الأوربية" وتناقضاتها في المنطقة العربية.
أثيوبيا علاقتها بـ"المسألة الأوربية" ترتبط أيضا بفترة "ما بعد الاستعمار"، والتناقضات والسياسات التي تركها المستعمر في القارة، لتكون دائما في حالة من الصراع السياسي والهوياتي المتعدد، عبر الحدود السياسية المرتبكة غير المعبرة عن الواقع الطبيعي للسكان، وعبر خلق التناقضات باستمرار بين الأطراف المتنوعة.
لكن كيف يمكن للجانبين تجاوز السياقات التاريخية لـ"المسألة الأوربية" وهما ما زالا في الدائرة نفسها؟ وتحت ضغوط العوامل ذاتها! كيف يمكن تجاوز التناقضات التي زرعتها "المسألة الأوربية" وآثارها الجانبية على القارة السمراء والمنطقة العربية؟
وأعتقد أن ذلك لابد أن يكون عبر شعار: التحرر و"المشترك القيمي الإنساني" بعيدا عن تمثلات "المسألة الأوربية" المادية عن حتمية الصراع دوما، بين الرأسمالية والماركسية اللذان هما وجهين لعملة واحدة هي المادية الأوربية ذاتها، مع ظهور مشاريع للتعاون المشترك عالميا وفي القارة السمراء، بعيدا عن استقطابات وتمثلات "المسألة الأوربية" ومفاهيمها الليبرالية أو الماركسية.
ولقد قدمت الذات العربية مشروعا كامنا لتجاوز "المسألة الأوربية" مع ثوراتها الجديدة، بشعارات تتجاوز اليمين واليسار ومتلازمات "المسألة الأوربية"، بما فيها أحزاب الدين السياسي، كما أن بعض البلدان الأفريقية قطعت بعض الخطوات نحو تجاوزها أيضا، لكنها لم تشكل بعد نموذجا واقعيا للوعي بأهمية تجاوز متلازمات "المسألة الأوربية" تلك، والوعي بتجاوز تناقضاتها وسياساتها التي تخلق الصراع دوما.
إنما إلى أن يتطور ذلك الوعي بتجاوز "المسألة الأوربية" ومتلاماتها، لابد من الإشارة لبعض المواقف الأثيوبية ذات الصلة بها، والتي تتطلب مراجعة سريعة منها.
فهي تسقط على مصر موقفها من الاستعمار الأوربي، وتعتبرها مصر امتداد للمستعمر الأبيض، وترى في جدلية "العبد والسيد" حلا، أى في التسلط وممارسة القهر نفسه تجاه مصر، وتقمص دور المستعمر القديم تجاه المصريين بديلا لذهنية "العبد" القديمة.
مع الإشارة لأزمة تاريخية وحالية في الذهنية الأثيوبية تجاه مصر والعرب؛ تاريخيا تشعر أثيوبيا بتفوق الحضارة المصرية القديمة، وارتباطها بنهر النيل رغم كونه ينبع من أرضها، وفي الزمن الحالي توجد أزمة أخرى هي رواج عمل بعض الأثيبوبيات كعاملات منزليات في البلدان العربية، وما ينتج عن تلك أحاسيس مختلفة ومتضاربة يمكن أن تغذي متلازمة "العبد والسيد" التي تشبعت بها العقلية السياسية للنخبة الحاكمة المرتبطة بـ"المسألة الأوربية" ومتلازماتها في أديس أبابا.
من جهة ثالثة ترتبط أثيوبيا بالمشروع الصهيوني ودولة إسرائيل، التي تكاد تكون هي التمثل الاستعماري العنصري الوحيد القائم لـ"المسألة الأوربية" وتمددها في القرن التاسع عشر، بعد تفكك النظام العنصري في جنوب أفريقيا، واستعمال "إسرائيل" والغرب لأثيوبيا كأداة طيعة للهيمنة على مصر والتحكم فيها، عبر تغذية الإحساس بالدونية العرقية عندها، وتفجير التناقضات المختلفة، وقلب الأمور وتقديم مصر في صورة المستعمر والعدو.
ومن جهة رابعة؛ تحاول أثيوبيا أن تربط بين محاولتها السيطرة على حصة المصريين من الماء، والصراع مع القاهرة، على أنه امتداد لتفجر تناقضات "المسألة الأوربية" في أمريكا، مع اغتيال "جورج فلويد" وتصاعد دور حركة "حياة السود مهمة"، لتلعب على تناقضات المشاعر الغربية/ الأوربية وكأن تمرد أثيوبيا في مواجهة مصر التاريخية، هو انتصار لحركة "حياة السود مهمة"!
والجدير بالذكر أن التكيكات نفسها كانت الصهيونية قد استخدمتها للترويج لاحتلالها العنصري والإرهابي لفلسطين، حينما استغلت تفجر تناقضات "المسألة الأوربية" العنصرية، مع هتلر ضد يهود أوربا في الحرب العالمية الثانية، لتقدم احتلال فلسطين عبر قوة السلاح وجدلية "العبد والسيد" أيضا، كرد فعل على اضطهاد هتلر لهم، أي أنهم قاموا بفعل عنصري ردا على فعل عنصري آخر، واستخدموا السلاح والإرهاب والاضهطاد، رد فعل على استخدام السلاح والإرهاب والاضطهاد ضدهم.
يبقى الأمل في أن يتجاوز العالم مرحلة "المسألة الأوربية" بأقل الخسائر الممكنة، ويتجاوز التناقضات التي أنتجتها بإرادة أكبر للبناء، وتجاوز عقد التطرف الأوربي والعنصرية تجاه الآخر المتعدد.
وتبقى سياسات "ما بعد المسألة الأوربية" حلما و"مشتركا قيميا إنسانيا" جديدا، يتجاوز تطرف المادية الأوربية وعنصريتها، وتبريراتها المتعددة، سواء في الليبرالية أو الماركسية.
لأن "ما بعد المسألة الأوربية" وسياساتها، يجب أن تقوم على فلسفة "قيمية" إنسانية مشتركة، تستعيد مكانة "القيم والمثل" في الحضارة البشرية، بعدما وصل النموذج المادي الأوربي الليبرالي والماركسي، لمرحلة الموات وتفجر تناقضاته ومتلازماته.

عصام الخفاجي مناضل واكاديمي وباحث يساري في حوار حول دور وافاق اليسار والديمقراطية في العالم العربي
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي