الإمارات و سد النهضة، ما بين مكاسبها و مصالحها الاستثمارية و الإقتصادية، و مصالح الحلفاء و الأمن القومي العربى 3-4

عبير سويكت
2021 / 4 / 17

عبير المجمر (سويكت)


الجزء الثالث

مواصلةً لسلسة مقال" اثيوبيا الطموحة القوة الصاعدة، أثر و تأثير سد النهضة على المنطقة"، فان بعض الخبراء يرون ان اسرائيل تمكنت من تنفيذ أهم خططها و أستراتيجيتها فى المنطقة عبر دعم مشروع سد النهضة، الذى خلق أزمة كبيرة بين الثلاثى مصر، إثيوبيا، والسودان، فمسألة توفير المياه من نهر النيل إلى النقب في "اسرائيل " من بين بنود مفاوضات اتفاقية كامب ديفيد في 1978-1979، حيث بدأت المناقشات بوضوح مع دراسة إليشا كالي في عام 1974 ومشروع شاؤول أرلوزوروف في عام 1977 ، وكلاهما خبراء من سلطة المياه الإسرائيلية، فكان اقتراح مشروع قناة جونقلي في جنوب السودان لتعويض مصر عن المياه التي تذهب إلى النقب، و الشئ بالشئ يذكركنت قد تطرقت فى مقالات لى حول قناة جونقلى و كيف اخبرنا دكتور لام اكول القيادى الجنوبى البارز عن كتابه حول اعادة حفر قناة جونقلى، و الذى اوضح فيه ان لا فائدة للجنوب من حفر تلك القناة، و ان المستفيد الوحيد هى مصر ، و موضوع حفر القناة فرض على حكومة الجنوب إرضاءاً لمصر و اطراف اخرى، و تؤكد التقارير صحة حديث دكتور لام اكول حيث ان حفر القناة قد تسبب في العديد من المشاكل في جنوب السودان،و ساهم مشروع حفر القناة إلى جانب عوامل أخرى في تأجيج الصراع في السودان، وانتهى ذلك بانفصال الجنوب ،الأمر الذى اتاح الفرصة فى ان يصبح جنوب السودان من الدول الأفريقية الأقرب لإسرائيل.
كما أثار فيديو تم تسريبه من مهندس مصرى جدلًا كبيرًا تداولاته القنوات العربية، و راجت اخبار عن امكانية محاولات من رئيس مصرعبدالفتاح السيسى باتفاق اسرائيلى لإنشاء أنفاقا سرية تحت قناة السويس، ربما تستخدم لنقل المياه إلى طرف أجنبي و تتجه الأنظار نحو"اسرائيل "، و كتبت الصحافة العربية و المصرية على حد سواءً حول هذا الموضوع ، و حينها طالب الشعب المصرى الرئيس السيسي بالاجابة على سؤال: من الطرف الأجنبي الآخر الذي تذهب إليه المياه، عبر
الأنفاق السرية؟؟؟

و كانت قد اكدت بعض دراسات الشرق الأوسط ما أسموه الاهتمام الواضح للجامعات الإسرائيلية بمياه إفريقيا ،بالتحديد المتعلقة بالدول العربية ، ولا سيما دول حوض النيل، حيث كشفت الدراسات ان إسرائيل ترى في النيل أداة للضغط على مصر (من خلال دعم مشاريع لدول في الحوض للتأثير على جزء مصر من النهر) وأهمية تطبيع العلاقات معها من خلال مشاريع مشتركة كمشروع سد النهضة ، الأمر الذى يحول الصراع الإسرائيلي المصرى الى لعبة محصلتها صفر.

و كشفت تقارير عن نشاط اسرائيلى كثيف فى دول شرق أفريقيا ،و تنامى واضح لنشاطها الاقتصادى مع اديس ابابا، وسبق أن صرح رئيس وزراء اسرائيل أنها مستعدة لتوفير التكنولوجيا المساعدة لإثيوبيا لتمكينها من تنفيذ مشاريعها، و دعمها فى القطاع الزراعي، و ختم خطابه آنذاك قائلاً:: "هذه رؤيتي لتعاوننا: ضمان استفادة المزارعين الإثيوبيين من المعرفة الإسرائيلية ، من خلال العمل معنا ؛ التأكد من أن المياه يتم توجيهها في كل الاتجاهات التي تريدها "، كما كشفت العديد من المصادر عن وجود طابق كامل في وزارة المياه والكهرباء الإثيوبية يقيم فيه خبراء مياه إسرائيليون، يدعمون أثيوبيا بخبراتهم الفنية والتفاوضية ، و أيضًا الدعم اللوجيستي العسكرى لحماية السد.
و قد صرح كثيرين منهم محمد نصر علام وزير الري والمياه المصري الأسبق ، و اللواء محمد علي بلال ، في مايو 2013 ، بوجود عدد كبيرمن الإسرائيليين العاملين على سد النهضة ، الذي تموله المنظمات الغربية (البنك الدولي ،وإيطاليا، والبنك الأوروبي للاستثمار) والولايات المتحدة ، بالإضافة إلى بنك التنمية الأفريقي والصين وإسرائيل.

كذلك توجد شركات إسرائيلية لتوفير احتياجات بناء سد النهضة مثل (شركة Solel Boneh ) للإنشاءات، في كينيا وإثيوبيا وأوغندا ،بالإضافة إلى شركة Agrotop للزراعة ، و CORE للإلكترونيات ، وموتورولا إسرائيل للكهرباء والمياه والكيماويات الكرمل، بالإضافة لشركةGigawatt Global الإسرائيلية التى لها علاقات مع 10 جامعات إثيوبية ، واستثماراتها في قطاع الطاقة بمقدار 500 مليون دولار في عام2018.
و قد لوحظ بصفة عامة نشاط إسرائيلى مكثف في إثيوبيا لدعم مشروع سد النهضة.

من جانب أخر تدعم سد النهضة كذلك الإمارات الدولة ذات العلاقات الطيبة باسرائيل و الداعمة لها، اضافة الى ان الإمارات هى أحد اهم مؤسسى الاتفاقية الابراهيمية للتطبيع مع اسرائيل، و المبشرة بها فى المنطقة ، والإمارات هى الأخرى بدورها تدعم سد النهضة دعماً منقطع النظير حمايةً لمصالحها الاستثمارية و الإقتصادية فى أثيوبيا.

فالإمارات ترى فى أقتصاد اثيوبيا أنه الأسرع نمواً على مستوى القارة الأفريقية، بحسب صندوق النقد الدولي، و عليه فقد استثمرت في أكثر من 90 مشروعًا في إثيوبيا ، منها 33 نشطة بالفعل، و 23 قيد التنفيذ ، في عدة قطاعات ، على وجه الخصوص ، قطاعات الزراعة والصناعة، والأراضي، وحفر الآبار، والسياحة، والصحة، والبناء ، بحسب البيانات التي قدمتها هيئة الاستثمار الإثيوبية، بالاضافة لودائع بنكية، و قروض ميسرة ...الخ

و قد تعزز نفوذ الإمارات في أديس أبابا بشكل خاص منذ منتصف عام 2018، حين نجحت في التوسط في اتفاق سلام تاريخي بين إثيوبيا وجارتها إريتريا، و عندها توسعت بشكلٍ كبير ، ففى 20 مارس 2019 كان قد أُعلن عن الصادرات الإماراتية إلى إثيوبيا في 2018 أنها وصلت إلى 200 مليون دولار، بزيادة 46% عن عام 2017 ، و استثمارات تفوق 3 مليار دولار امريكى، بينما بلغت استثماراتها في السودان7 مليارات دولار، في مجالات الزراعة والسياحة، و فى مصر وصلت استثمارات الإمارات 1.61 مليار دولار ، مما لا يجعل مجال للشك انالإمارات مستحكمة فى اقتصاد بلدان ملف سد النهضة.

و كشفت تقارير مختلفة خليجية و أثيوبيا عن استثمارات الإمارات على النحو الآتى :
في قطاعات الزراعة (21 مشروعا)، والصناعة (37 مشروعاً)، والعقارات وتأجير الآلات (20 مشروعاً)، الإنشاءات وحفر الآبار (7 مشاريع)، التعدين والصحة والفندقة (5 مشاريع)، بحسب بيانات هيئة الاستثمار الإثيوبي.
إلى جانب ذلك، فقد حصلت 36 شركة إماراتية على التراخيص اللازمة للعمل في إثيوبيا، وفق وسائل إعلام إماراتية.
ويبلغ حجم التبادل التجاري غير النفطي بين البلدين، حوالي 850 مليون دولار في العام 2018، وتستحوذ الإمارات على 14% من إجمالي واردات إثيوبيا من الدول العربية، وهي الثالثة عربياً كأهم شريك تجاري لإثيوبيا، بحسب بيانات حكومية
سبق وأعلنت شركة أبوظبي لطاقة المستقبل، المعروفة باسم مصدر، عن اتفاقية مع الحكومة الإثيوبية لتنفيذ مشروعات طاقة شمسيةمن شأنها أن تولد 500 ميغاوات في عدة مواقع في إثيوبيا.
وفى أواخر 2016، وقعت الإمارات وإثيوبيا اتفاقية تعزيز وحماية الاستثمار المتبادل، وهي اتفاقية تسمح للمستثمرين الإماراتيين بالانخراط في مختلف القطاعات في إثيوبيا دون تهديد لاستثماراتهم.
و من مزايا الاستثمارات الاماراتية لاثيوبيا انها اصبحت بوابة رئيسية لجلب رصيد عالى من النقد الأجنبي للبلاد، و ضخ العملة الصعبة في السوق الإثيوبي.

مؤخراً كانت قد أعلنت الإمارات العربية المتحدة للسودان عن مبادرة لإيجاد حل للأزمة مع أثيوبيا، و قد تمثل العرض فى تقسيم أراضيالفشقة السودانية بنسبة 40% للسودان صاحبة الأراضى ، و 40% للإمارات، و 20% للمزارعين الإثيوبيين تحت مشروع استثماري تقيمه الإمارات، كما نصت كذلك المبادرة على انسحاب الجيش السودانى إلى وضع ما قبل نوفمبر .

و الجدير بالذكر ان هناك تفاهمات و اتفاق سابق كشف عنه الاعلام و كذلك تقارير عن ان الامارات سعت
لتوقيع اتفاق مع الحكومة الإثيوبية، يمنحها حق الحصول على أراض زراعية لتنفيذ مشروع زراعي ضخم على الحدود السودانية - الإثيوبية، يتضمن زراعة آلاف، حتى تتوصل الامارات للاكتفاء الذاتى الغذائى، و ان تستفيد الامارات من المكاسب التي ستحصدها إثيوبيا، من تشغيل "سد النهضة"، من أرض خصبة، و وفرة مائية، الامر الذى يؤمن للأمارات أمنها الغذائي.

و الخطط الإماراتية الاستثمارية تعمل على تنفيذها شركات عدة منها:
شركة جنان للاستثمار الزراعي، التي وقعت اتفاقات مع الجانب الإثيوبي لزراعة الأرز، والقمح، والذرة، وتسمين العجول ...الخ.

السعودية كذلك هى من كبار المستثمرين فى أثيوبيا شأنها شأن الإمارات، بينما دخلت كل من قطر و تركيا فى حلقة التنافس ؟ و يعمل كل من الاطراف على إزاحة الآخر من ساحة الاستثمار الأثيوبي، و يظل السباق الخليجى بهدف تحقيق الامن الغذائى هو الأشرس .

جميع المؤاشرت توضح ان مصالح الإمارات الإقتصادية و الاستثمارية، و كذلك علاقتها الوثيقة بإسرائيل تجعلها أقرب للمعسكر الاثيوبى من السودانى و المصرى، بالرغم من ان الجانب العربى أعرب فى تصريحات و بيانات عدة عن حرصه على الأمن المائى العربى، و انها قضية امنية قومية، فكانت تصريحات سلطنة عُمان و البحرين موكدةً ذلك، و السعودية ايضاً، إلا ان لديها فى ذات الوقت مواقف اخرى تترك العديد من علامات الاستفهام تدور حولها .
و يبقى السؤال الذى يطرح نفسه : هل تنحاز الإمارات لمكاسبها و مصالحها الخاصة؟ أم تساند الأمن القومى العربي؟ و ماذا عن مصالح حلفائها و شركائها أمثال السودان و مصر؟


تابعونا للمقال بقية

دور ومكانة اليسار والحركة العمالية والنقابية في تونس، حوار مع الكاتب والناشط النقابي
التسجيل الكامل لحفل فوز الحوار المتمدن بجائزة ابن رشد للفكر الحر 2010 في برلين - ألمانيا