من علوم الإمام أبي العزائم | 33 | درجات ومراتب الصيام

عدنان إبراهيم
2021 / 4 / 17

درجات الصوم
هناك تقسيمان لدرجات الصوم باعتبارين مختلفين، من ناحية مقداره، ومن ناحية أسراره.

أولا- من ناحية مقداره فدرجاته ثلاث
1- أعلاها وهو صوم داوود عليه السلام، وهو أن تصوم يوما وتفطر يوما، ففي الخبر الصحيح (أن ذلك أفضل من صوم الدهر وأنه أفضل الصيام).
وسر ذلك أن من صام الدهر صار الصوم له عادة، فلا يحس بوقوعه في نفسه بالانكسار، وفى قلبه بالصفاء، وفى شهوته بالضعف، فإن النفس تتأثر بما يرد عليها، لا بما مرنت عليه- فلا يبعد هذا - وإن الأطباء أيضا ينهون عن اعتياد شرب الدواء، وقالوا من تعود هذا لم ينتفع به إذا مرض، إذ يأنفه مزاجه فلا يتأثر به.
واعلم أن طب القلوب قريب من طب الأبدان وهو سر قوله (ص وآله) لعبد الله بن عمرو- رضي الله عنهما- حينما سأله عن الصوم فقال عليه السلام (صم يوما وافطر يوما) فقال ابن عمرو (أريد أفضل من ذلك) فقال (ص وآله) (لا أفضل من ذلك). ولذلك لما قيل لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إن فلانا صام الدهر، فقال (ص وآله) (لا صام ولا أفطر) وكما قالت السيدة عائشة رضوان الله عليها- لرجل كان يقرأ القرآن بهذرمه (إن هذا ما قرأ القرآن ولا سكت).
2- أوسطها فهو أن يصوم ثلث الدهر، فلو أنك صمت الاثنين والخميس وأضفت إلى ذلك رمضان فقد صمت من السنة أربعة أشهر وأربعة أيام وهذا زيادة على الثلث، ولكن لابد أن ينكسر يوم من أيام التشريق، وترجع الزيادة حينئذ إلى ثلاثة أيام فقط، فإذا تصورت أن ينكسر في العيدين يومان فقد بقيت الزيادة بيوم واحد فقط، فتأمل حسابه تعرفه، فلا ينبغي أن ينقص عن هذا القدر صومك فإنه خفيف على النفس وجزيل ثوابه.
3 - أدناها فهو الاقتصار على شهر رمضان فحسب, فهذه درجات الصوم من حيث المقدار.

ثانيا- من ناحية أسراره فدرجاته ثلاث.
1 أدناها أن يقتصر على الكف عن المفطرات، ولا يكف جوارحه عن المكاره وذلك صوم العموم، وهو اقتناعهم بالاسم فقط.
2- أوسطها أن يضيف إلى الدرجة السابقة كل الجوارح، فيحفظ اللسان عن الغيبة، ويحفظ العين عن النظر إلى الزينة، وكذا سائر الأعضاء الأخرى وهذا هو صوم الخصوص.
3- أعلاها فهي أن تضيف إلى ما سبق صيانة القلب عن الفكر والوساوس، وتجعله مقصورا على ذكر الله عز وجل. وذلك صوم خصوص الخصوص وهو الكمال.


مراتب الصوم

أولا- صوم العامة
ترك الأكل والشرب وملامسة النساء من طلوع الفجر إلى غروب الشمس.

ثانيا-صوم العلماء
ترك شهوتي البطن والفرج، مع حفظ الجوارح من الاستطالة، فإن الصوم إذا أطلق أريد منه الترك مطلقا. ولكل عضو صيام بحسبه، فصيام اللسان ترك الكلام إلا في ذكر الله أو ما لابد له منه، وصيام الأذن ترك الإصغاء إلا إلى علم أو ما لابد منه قال سبحانه (إنى نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم انسيا).
والعلماء يمتازون عن العامة بصيام كل جوارحهم، ولكن العامة يصومون بترك شهوتي البطن والفرج، وشتان بين الصيامين.

ثالثاً- صوم العارفين بالله
وصيام العارفين بالله عمارة الأنفاس في اليقظة بمراقبة الله تعالى، وعمارتها في النوم بسياحة الروح في ملكوت الله الأعلى، لتقتبس لطائف العوارف من عالم الطهر والصفاء، وتعود إلى الهيكل الإنساني بتحف الروحانيين من حملة العرش والحافين حوله، لأنهم تركوا لوازم الحيوانية نهارا، فتشبهوا بالملائكة الكرام، وقاموا بين يدي مولاهم ركعا سجدا يبتغون فضله ورضوانه، فتشبهوا بعالم الطهر من عليين وأعلى عليين فإذا ناموا ليلا سرت أرواحهم الطاهرة إلى فضاء هذا العالم لأنها مجانسة له، هذا مقام فوق العبارة، بل فوق الإشارة, وقد ألمعت إلى غوامض هذا المقام في كتاب (معارج المقربين) و(النور المبين) وكتاب (الإسلام دين الله).

رابعا- صوم المقربين
أما صيام المقربين ممن أخلصهم الله لذاته، فهو تنزيه سر الصائم عن خطور ما سوى الله عليه، لأنهم شغلوا بالمعروف عن المعرفة، وبالمعلوم عن العلم بعد تحصيل العلم والمعرفة، وأهل هذا المقام عُمْرُهُم كله رمضان، إلا أنهم في هذا الشهر المبارك يتركون ما أباحه الله لهم نهارا، قياما بالفرض والسنة ورعاية لواجب الوقت، الذى لا يشغلهم عنه أعظم شأن من شئون المشاهدة، فان القيام بفرائض الله تعالى فوق كل مقام، ومن ظن أن الشهود يسقط الفرائض التي فرضها الله وقام بها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، أوقع نفسه في مهاوي الهلكة، قال عليه الصلاة والسلام في الحديث القدسي الطويل (وما تقرب إليَّ عبدي بشيء أحب إلى من أداء ما افترضته عليه) رواه البخاري.
وأهل هذا المقام في صيام طول عمرهم ولو أكلوا وشربوا في غير رمضان نهارًا، لأنهم صاموا بست جوارح في غير رمضان، وصاموا في رمضان بثماني جوارح، وغيرهم يصوم في رمضان بجارحتين، وربما يفطر بالجوارح الباقية، فيكون صائما عند نفسه فقط، وإن أسقط بعلمه ما فرضه الله عليه، وطلب العلم فريضة على كل مسلم، وأول ما يسأل عنه المسلم يوم القيامة (هل تعلمت أم لا؟).

خامسا- صوم المحبوبين
وهؤلاء يعلمون أن رمضان شهر الله تعالى، ونسبة هذا الشهر إليه سبحانه دليل على أنه يقرب من أوليائه فيؤنسهم فيه كما نسب إليه الكعبة فسميت بيت الله، فسارعوا إلى أن يعمروا الأنفاس بالحضور مع مولاهم، فحرصوا عليه كل الحرص، ونظروا إلى أمر الله في رمضان، فظهر لهم أنه حرم عليهم المباح في نهاره، ورغبهم في أحياء ليله بالقيام، فظهرت لهم حكمة عناية الله بهذا الشهر من التشبه بالعالم الأعلى، عالم الأرواح النورانية المجردة من العناصر السفلية، عالم اللطائف الروحانية الذين لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، فساحوا بأرواحهم في فسيح الملكوت حضورا أو استحضارا وفكراً, وتجردوا عن وجودهم الباطل بالوجود الحق، وتخلقوا بأخلاق الله حلما ورحمة ورأفة وعطفا وكرما وإحسانا وفضلا، أحسنوا إلى من أساء إليهم ووصلوا من قطعهم، واستحضروا عظمة الله وجلاله، فانكسرت قلوبهم بين يديه، فكان سبحانه عندهم بما هو أهله من جمال وقرب وحب وولاية وعناية، أوحشهم أنسه عن كل أنس من سواه، وآنسهم بجماله ففروا ممن سواه وما سواه، وأقبلوا بكليتهم به سبحانه عليه، فكانوا كأنهم في ضيافة الله على بسائط مؤانسته وموائد كرامته، أرواحهم سائحة في ملكوته، وسرهم مشرف على قدس عزته وجبروته، فهم بين الناس بأجسامهم ومع الله بأرواحهم، اجتباهم لحضرته فأفردهم له، وواجههم به بجمال وجهه العلي، ففروا به إليه سبحانه، تلذذوا بما يتألم به أهل الجهالة وفرحوا بما يحزن منه أهل الغرور، تصعد أنفاسهم إلى الملكوت فتضيء عوالم عليين، يناجون الله تعالى بكلامه حتى كأنهم يسمعونه منه سبحانه، ويضعون وجههم ليلا على تراب الذل، تملقا بين يدي مولاهم، أمنيتهم أن يكون الدهر كله رمضان، وحزنهم أن يمضى نفَس منهم في غير الحضور مع الملك الديان، انكشفت لهم حقيقة الدنيا والآخرة، ففارقوا ما يزول بقلوبهم وزهدته أجسامهم, وسارعوا إلى ما يبقى طمعا في شهود الوجه العلي الكريم في النعيم المقيم.

سادسا- صوم الصوفية
الصيام لغة الصمت، والصيام عند الصوفية: صَوْلة الروح على الجوارح، صولة تجعلها تجانسها مجانسة ما. فتجاهد في سبيل الاتحاد بها من حيث ما تقتضيه الروح في حقيقتها، وبكمال تلك الحقيقية تمنح الجوارح قبسا من الملكوت الأعلى تنال به الرفعة عند ردها إلى أسفل سافلين، وبتلك الرفعة تتلقى من ربها كلمات الإنابة الموصلة إلى المقام الذي أكرمها ربها به في المرتبة الآدمية، إلا أن آدم أسكن في مقام الزوجية النفسانية الجنة متمتعا بنعيمها، وهذا الصائم يكرم بدخول جنة الرضا متنعما بأسرارها لتجرده عن مقتضيات الجوارح المجترحة بترك ما أبيح له مما لابد منه، والإقامة في محاب الله ومراضيه، فيكون صائما بكل جوارحه مع وجود المقتضى لا فقده، وهو الجهاد الأكبر جهاد الحس والنفس والعقل والجسم، معنى قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) (الصيام جُنة).
وليس بصائم من ترك ما أبيح له ووقع فيما حرم عليه.
وعلامة قبول الصيام تخلق الصائم بأخلاق الله أو على الأقل بأخلاق عالم الطهر الروحاني من عوالم الملكوت.
والصيام سياحة عظمى قال تعالى (السائحون) بمعنى الصائمين.
والصيام صبر على خرق العادة من طبعه، وهو الذي بشره الله بمعيته قال تعالى (إن الله مع الصابرين)، والصابرون من معناها الصائمون.
فجاهد نفسك في الصيام أن تتخلق بتلك الأخلاق مهما ضحيت بكل غال ورخيص في سبيل ذلك، لتفوز بمعية الله لك، وبقدر نزوع النفس إلى ما يخالف تلك الآداب وقهرها عليها تكون رفعتك وقربك ونَيْلُك وحظك، ولعلك فهمت أشاراتي وأنت في فاتحة الشهر, فاستعن بالله وقل لا حول ولا قوة إلا بالله. (1)


دعاء اليوم الخامس
بسم الله أعوذ بكلمات الله التامات كلها من شر ما خلق، بسم الله الذى لا يضر مع اسمه شيءٌ في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم.
رب أسألك أن تحفظني وأهلي وأولادي وإخواني بحفظك الذي حفظت به الذكر الحكيم، وأن تحصنني وإياهم بحصنك الذي حصنت به أولياءك المقربين.
رب افتح لي أبواب فضلك العظيم، وخزائن إحسانك العميم، وكنوز مواهبك التي أنت أهلٌ لها.
إلـهي إلـهي إلـهي، أسألك باسمك العظيم الأعظم، ووصفك الكريم الأكرم، ياألله ياحي ياقيوم، ياحفيظ ياسلام، يامعطي ياوهاب، ياكريم ياحليم، ياعطوف يارحيم، أن تمنحني اليقين الذي به يطمئن قلبي، وتسكن إلى حضرتك العلية نفسي، والحب الذي يجذبني إلى حضرتك العلية حتى أكون مقبلا بكلي ياإلـهي، وأعذني ياإلـهي مما يشغلني عنك، أو يلفتني عن جنابك العلي. وأعذني بوجهك الكريم ياأرحم الراحمين من الفتن المضلة، ومن الغرور بزهرة الدنيا، ومن الشيطان الرجيم، ومن حظي وهواي وإعجابي برأيي يارب العالمين.
إلـهي إلـهي إلـهي، اجعل لي بفضلك مخرجا في كل أموري، وارزقني ياإلـهي من حيث لا أحتسب، حتى يدوم أنسي بحضرتك العلية، وأكون في مزيد من الإقبال، فلا يشغلني ياإلـهي هم الرزق ولا خوف الخلق، ولا ألمٌ ولا بلاءٌ وعناءٌ في أخ ولا صاحب ولا ولد ولا إخوان، بل أدم ياإلـهي نعماك وحفظك لي ولهم، وإقبالك علي وعليهم، وقبولك لي ولهم، إنك مجيب الدعاء.
إلـهي إلـهي، أسبغ علينا نعماك، ونجح مقاصدنا، ويسر مطالبنا، وبلغ آمالنا ياأرحم الراحمين ورب العالمين، إنك على كل شيء قديرٌ،
(لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين . فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين)، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. (2)

________________________________
(1) صيام أهل المدينة المنورة، الإمام المجدد السيد محمد ماضي أبو العزائم
(2) أدعية الغفران في شهر القرآن، الإمام أبو العزائم

حوار مع الكاتب و المفكر الماركسي د.جلبير الأشقر حول مكانة وافاق اليسار و الماركسية في العالم العربي
التحولات في البحرين والمنطقة ودور ومكانة اليسار والقوى التقدمية، حوار مع الكاتب البحريني د. حسن مدن